الرئيسية / تقارير / البدون .. بركان على وشك الانفجار .

البدون .. بركان على وشك الانفجار .

bedoon
فاطمة محمد
عقود من الزمن لم تكن كفيلة لإنهاء معاناتهم بل كانت كفيلة بمضاعفة عمرها، كان جنينا ثم شيئًا فشيئًا بدأ ينمو ويكبر.
وها هو الآن شيخًا هرمًا وعاجزًا مكبلا ومقيدًا ويبحث عن الخلاص، بعد أن مل الوعود ويئس من الحال.
إنها قضية “البدون” والتي بحجم أهميتها لم يبادر أصحاب القرار بدراسة عاجلة وشاملة لقضيتهم وبشكل جاد وحازم لإنهائها.

 

كان من الواضح لي من ردود أفعال بعضهم على سؤالي -“هل تشعرون بأن يوما ما ستصبح الهوية بيدك؟”- إحباط ووجع بالغ.
أحدهم قال متهمكًا: هذا حلم سأستيقظ منه لأجده محض سراب ولن يكون واقعًا أبدا!

قصة البداية

“البدون يا عيسى جينة مشوّهة تتعطل بعض الجينات ولا تصل إلى البناء، أو تتجاوزهم لتظهر في الأجيال اللاحقة من ذريتهم، إلا هذه الجينة الخبيثة، فإنها لا تخطئ أبدا تنتقل من جيل لآخر محطمة آمال حامليها”

هذا ما وصفته شخصية غسان، الرجل الذي ينتمي للبدون في رواية “ساق البامبو” وبهذه الدقة لك أن تشعر بحجم المأساة..

لجان تتلوها لجان عجزت عن تنفيذ أمر سامي صدر عام 1420هـ إستفاد منه نحو 80% منهم بتجنيس ما يطلق عليهم “القبائل النازحة” وهو مسمى يعتبره حقوقيون غير صحيح، كون النازح ينتمي لدولة مجاورة ولديه اثباتات تثبت انتماءه لهم، فيما هم لا يمتلكون أي جنسية من أي دولة، فهم وجدوا أنفسهم في بلد يلفظهم ويرفض أن يمنحهم هوية تثبت مواطنتهم وينالون بها حقوقهم وتؤكد لهم انتمائهم بدلا من ترديد سؤال لا يجدون له اجابة:
من نحن؟ وهل ننتمي لبلد ولدنا على أرضه أم خارجه!
حين لا تبالي أي حكومة بأبعاد المخاطر الأمنية والاجتماعية عليهم، فستظل تعلّق وتأجل وتبرر، ولن تبادر في سرعة معالجة القضية حتى لا تستغل من قِبل أطراف خارجية وتنظيمات متطرفة لتجنيدهم ليصبحوا قنابل جاهزة للانفجار وأحزمة ناسفة قابلة للتمزيق، مثلما حدث في تفجير مسجد الامام الصادق في الكويت حيث كشفت التحقيقات أن مالك السيارة والشخص الذي قاد الإرهابي للمسجد لينفذ جريمته البشعة من فئة “البدون”.

وبعد انتظار طويل لمعاناة ثقيلة عمرها يتجاوز 40 عامًا لم تفي الحكومة بوعودها عبر تصريحات لمسؤوليها بقرب حصرهم تمهيدًا لتجنيسهم.

معاناة تتمدد

في يناير بداية العام الماضي تفاجأ أبناء القبائل النازحة بقرار جوازات حفر الباطن بإصدار بطاقات ممغنطة صالحة لخمس سنوات، مرتبطة بتوقيع تعهد يحرمهم من حق المطالبه بالتجنيس ويقرون فيه بأنهم قبائل نازحة، ويطالبونهم بإحضار اثباتاتهم من الدول التي نزحوا منها، مما جعل ردة فعلهم الاتفاق بعدم الحضور والتجديد.

تعهد

 

هذا الرفض فاقم من أوضاعهم الإنسانية حيث أن جُل شؤون حياتهم توقفت، خاصة بعد أن جُمدت البطاقات البنكية مما أدى لكارثة إنسانيه صعبة، فلم يعودوا قادرين على التصرف بأموالهم والاستفادة منها، كما أن الجمعيات الخيرية والضمان الاجتماعي لا تُمكنهم من الانضمام إليها أسوة ببقية المواطنين.
وعجزوا حتى عن سداد الرسوم الدراسية، كونهم غير مسموح هم بالالتحاق بالتعليم في القطاع الحكومي، مما دفع بعضهم إلى تعليم ابنائهم على حسابهم الخاص من دخلهم المتواضع.
وليس هذا فحسب فهم محرومين من العلاج المجاني والعمل في القطاعين الحكومي والخاص ورخصة القيادة وحق التملك والسفر والزواج والطلاق وشهادة ميلاد ولا يمكنهم حتى دفن موتاهم!
وكانت قد صحيفة الحياة قد نشرت تقريرًا ادعوا فيه أن أبناء القبائل النازحة رفضوا التجديد مطالبين ببطاقه أحوال، وهو ما دفع بعض من أبناء القبائل للرد وتبيان التضليل التي تعمدته الصحيفة.

ورغم أن من هذه الفئة ممن خدموا الوطن في السلك العسكري ونالوا شرف الشهادة وآخرون نالوا باستحقاق عدد من الميداليات والأنواط، كمثال لا للحصر:

عبدالسلام مناور العنزي أحد منسوبي الحرس الوطني الذي خدم 34 سنة ولم تشفع له في إن يثبت ولائه وحبه للوطن وأن يحصل على الجنسية .

حراك موؤد

b

ومن المبدأ القائل

“إذا فرضت على الإنسان ظروف غير إنسانية ولم يتمرد سيفقد انسانيته شيئا فشيئا” – تشي جيفارا

في 06‏/06‏/2015 اعتصم أبناء القبائل النازحة أمام منفذ قطر في سلوى، بعد أن طرقوا كل الأبواب وسلكوا كل الطرق المتاحة لحل قضيتهم، ولم يتبقى لهم إلا أن يطالبوا بتسهيل هجرتهم لقطر.
وهو نداء أطلقه عدة نشطاء بعد أن اجتمعوا في خيام وسط حرارة الشمس الحارقة وتحدثوا عن معاناتهم بالتفصيل عبر فيديو نشروه باليوتيوب، وبعدها تم اعتقالهم جميعا.
وهم محمد الشمري، عبدالله صالح، أحمد الحريميس، خالد المصلوخي. إلا أن الأخير تم اطلاق سراحه بعد حوالي شهرين من اعتقاله والبقية أطلق سراحهم في ابريل من العام الحالي.

وسبق أن أطلق الحقوقي محمد الشمري رسالة موجهة لوزير الداخلية الأمير محمد بن نايف في تغريدات عبر حسابه مطالبة بتجنيس البدون لا التجديد ومحذره خسارة أبناء القبائل النازحة.

bo

 

وكما ذكر أ.ثروي مفلح أنه تم التضييق عليهم بالسجن، كما أنه لا يحق لهم توكيل محامي لعدم وجود اثباتات لهم سارية المفعول.

وفي سياق متصل في مارس 2016 لم يجد تركي العتيبي “بدون” حلا كردة فعل على طرده من عمله سوى الإنتحار، وهو أب متزوج ولديه 4 أبناء، هذا الخيار المُر الذي أرغم عليه بعضهم بعد أن عجزوا عن تغيير الواقع الذي يعيشونه فاختاروا الرحيل عنه، واعدادهم في إزدياد مقلق!

be

 

ردود فعل السلطات الرسمية

فيما شدد المدير العام للجوازات اللواء سليمان اليحيى في مارس الماضي أن ملف القبائل النازحة محل متابعة واهتمام شخصي من قبل وزير الداخلية الأمير محمد بن نايف، والذي سبق أن صرح والده الأمير نايف بن عبدالعزيز أنهم أبناء الوطن ذهبوا وعادوا وقبله الملك فيصل في سبعينيات القرن الماضي حيث أعترف في برقية نشرت أن أبناء القبائل النازحة قبائل نجدية أصيلة ورغم كل هذه الاعترافات لا زال وضعهم معلقًا طالما أن الأقوال لم تترجم لتحرك فعّال.
وفي  2014/4/13 ذكر رئيس جمعية حقوق الإنسان مفرح القحطاني أن عدد الحالات من “البدون” التي وردت للجمعية تشكل 8 % من القضايا التي ترد الجمعية سنوياً، إلا أن الحالات التي حُلت من موضوعات الجنسية قليلة جداً.
وفي تقرير آخر لجمعية حقوق الإنسان السعودية ذكرت أنها تلقت 2847 شكوى من “بدون” خلال 10 أعوام الماضية وقسمت قضايا البدون إلى ثلاث فئات، تصدّرت قضية المطالبة بالأوراق الثبوتية ملف القضايا الأعلى عدداً في الجمعية بواقع 1356 قضية، تلتها قضايا طلب الجنسية بعدد 1207 قضايا، وأخيراً قضايا استرداد الجنسية بواقع 284 قضية.

وفي عام 2009 أعلنت المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة أن أعداد البدون في السعودية 70 ألفاً، فيما أشارت تقارير محلية في نوفمبر 2015 إلى أنهم أكثر من 250 ألف شخص  تدرس وكالة الأحوال المدنية معالجة أوضاعهم، من خلال تقديم تسهيلات جديدة وإعطائهم بطاقات بصلاحيات واسعة، من دون الإشارة إلى بوادر مشجعة حول نيلهم الجنسية.
وأوضح  مدير إدارة الأحوال في المنطقة الشرقية أحمد الدوسري لصحيفة الشرق أنه لا يوجد إحصاءات دقيقة لأعدادهم، وصرح نائب رئيس الجمعية د.خالد الفاخري للعربي الجديد في 16 فبراير 2015 أن الجمعية فتحت ملف البدون بهدف الوصول إلى حلول جذرية لهذه المشكلة وأعترف بصعوبة تحديد العدد الدقيق لمعدومي الجنسية.

على الجانب الآخر تم تصحيح أوضاع 249 ألف برماوي ضمن مشروع تطوير الأحياء العشوائية والذي رفعه أمير مكة -وهو ما وصفهم بالفارين بدينهم- بمنحهم اقامات مجانية لمدة عامين وهو ما يوفر لهم ميزات تشابه ما يتم منحه للمواطن من الحقوق المهنية والصحية والتعليمية وتوثيق ابنائهم.

كما تم تصحيح أوضاع 463.562 يمنياً أي ما يقارب النصف مليون بحسب الجوازات، وسبق أن قدر وزير الخارجية السعودي  أعدادهم بثلاث ملايين مقيم بشكل غير نظامي وهو ما يمنحهم حق العمل ومن ثم التمتع بالحقوق الأخرى الانسانية والذي لا يستطيع البدون أن يحظى بنصفها.

ويبدو أن الابعدون أولى بالمعروف بينما الأقربون لا خيار لهم سوى التأمل والتألم على حال طال ولا يعرفون له نهاية!

 

 

شاهد أيضاً

في أزمة الخليج، نحتاج رأي رشيد بدل التأجيج

د. فوزية أبوخالد                                      من حق الدول والحكومات أن يكون لها مواقف من بعضها البعض …

4 تعليقات

  1. مقبل الاسعدي

    اشكر صحيفة نون العربيه ممثله بالأخت فاطمه محمد على هذت الكلام الطيب والموضوع الإنساني الشائك والمعقد وسئل الله ان يجعل من قلوب ولاة الامر رحمة ومقدره على استأصال هذا المرض الخبيث اللذي يسمى بـ البدون .

  2. الله كريم
    رفعنا قضيتنا لقاضي السماء
    وبإذن الله سيكون الحق والنصر حليفنا

  3. شكرا الاخت فاطمة

    انا من البدون في محافضةشرورة

    محاصرين لازواج لاتكملة دراسة
    لاوضيفة
    لاعمرة لبيت اللة لاحج كل شي ممنوع

    حسبي اللة وبشر الصابرين الذين اذا صابتهم مصيبة قالو انا لالله وانا الية واجعون

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *