الرئيسية / تُرجمان / ما النظام الذي يرتكز عليه التمييز الجنسي؟

ما النظام الذي يرتكز عليه التمييز الجنسي؟

j

الكاتبة: سارة غرانهام
ترجمة: شيخة العرف

عندما توفي الممثل الأمريكي فيليب سيمور هوفمان العام الماضي، نعته آلاف النشرات بفيضٍ من الامتنان تجاه أعماله، واحتفت بموهبته الإبداعية. لم يتناول أحدٌ مظهرَه الخارجي أو وزنه، ولم يناقش أحدٌ جاذبيته أو يتساءل ما إذا كان أهلًا للزواج.

في المقابل، أحيا أحد الصحفيين الأستراليين الشهر الماضي ذكرى كولين ماكولو، إحدى أشهر الكاتبات الأستراليات وأغزرهن نتاجًا، على النحو التالي: “كانت عاديّة المظهر، وتعاني من زيادة الوزن، إلّا أنّها تحلّت بالفطنة والدفء.” وبدلًا من التطرق إلى ذكاء نثرها ودفئه، تناولت الجملة التالية حسن حظ كولين التي تمكنت من توظيف هاتين السمتين في جذب الرجال.

لم يُطلب من الصربي نوفاك ديوكوفيتش في بطولة استراليا المفتوحة الشهر الماضي الرقص أمام الكاميرا عند إجراءه إحدى المقابلات، بل أخذ يجيب عن أسئلةٍ تتعلّق بمباراته فحسب، أمّا أوجيني بوشار فقد دُعيت عقب فوزها في مباراةٍ في نفس البطولة لأن “تستدير” للكاميرا بقصد الاستعراض.

ليس هذان المثالان سوى اثنين من أحدث المواقف التي تظهر المعايير المزدوجة عند التعامل مع النساء والرجال في مجتمعنا.

ولا تقتصر هذه المواقف على ما يُتداول في الثقافة الشعبية فحسب، فكل امرأة شهدت في حياتها اليومية آلاف الأمثلة على من يصدر الأحكام عليها بناءً على مظهرها الخارجي، أو عانت من مديرٍ يرمقها بنظرات شهوانية أو يتحرش بها، أو وجدت آرائها تُنسب إلى الرجل الواقف إلى جانبها.

إنّ النظرة التي تقلل من شأن النساء في معظم مجالات الحياة –باستثناء تلك التي تبرز جانبهن المثير أو أمومتهن- واسعة الانتشار في واقع الأمر.

وليس التمييز الجنسي مجرد إزعاجٍ بسيطٍ يواجه المرأة في حياتها، بل يتسبب في إهانتها  إهانةً عميقة ومؤلمة، ويعمل على تكريس حالة اللامساواة بين الجنسين في كافة المجالات بدءًا من الحياة الشخصية إلى مقر العمل.

التمييز الجنسي مربح

تقوم الصور النمطية والسلوكيات المتحيّزة ضد المرأة والمتفشية في المجتمع على بِنَى راسخة من التمييز على أساس الجنس، والتي تصب في صالح أصحاب النفوذ.   

على سبيل المثال: يتبنى مديرو التنفيذ ورؤساء الأعمال في كل مكان منهجًا مدروسًا بدقة يقوم على التمييز الجنسي وذلك لزيادة أرباحهم. ويتضح هذا المنهج بجلاء في بعض المجالات مثل صناعة الأفلام الإباحية وصناعة مستحضرات التجميل.

كما يُطبّق المنهج على نطاقٍ أوسع بكثير، فهناك ما لا يقل عن عشرات الصور المتحيّزة جنسيًا والتي تعيد صناعة الإعلانات تدويرها بابتذالٍ لبيع أي منتجٍ كان: المرأة التي تبدو كما لو أنّها تمارس الجنس مع منتجٍ غذائي أو جهاز كهربائي، المرأة المستعدة لإقامة علاقةٍ معك عند شراءك هذه السيارة أو تلك الفودكا أو مزيل العرق أو المشروب الغازي، المرأة التي لن تكف عن إزعاجك إلّا إذا قمت بشراء هذا النوع من منتجات التنظيف، أو تلك السيارة أو ذلك العرض على التأمين.

الفجوة في الأجور بين الجنسين

وفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن الهيئة الأسترالية للإحصاء، فإنّ معدل أجور النساء يقلّ عمّا يتقاضاه الرجال بنسبة ١٨.٢٪، وتمثّل هذه النسبة أكبر فجوة في الأجور بين الجنسين منذ بدأت الهيئة مزاولة عملها في هذا الخصوص عام 1994.

وبما أن النساء يشكلن أقل من ٥٠٪ من القوى العاملة في أستراليا –والنسبة أعلى عالمياً-، تأتي هذه الفجوة في الأجور بين الجنسين بمثابة مكافأة اقتصادية للمدراء وأرباب العمل، والذي لا يعني كون أغلبهم من الرجال أنّ النساء اللّاتي يشغلن هذه المناصب لسن مستفيدات.

غيل كيلي، المديرة التنفيذية السابقة لشركة ويستباك والمتقاعدة حديثاً، مثالٌ جيّد على ذلك. تشيد الشركة بكيلي، وتراها قدوةً رائعةً للنساء كونها حطّمت السقف الذي يحدهن، والتي قد تكون مدافعةً شرسةً عن حقوق النساء في مجالس الإدارة، إلا أنّها عدوة لمعظم النساء في آخر المطاف، وأولهن العاملات في ويستباك اللاتي يتقاضين أجورًا تقل عن أقرانهن من الرجال بنسبة 27%، والتي تعد أكبر فجوة في الأجور في أستراليا.

الأسرة

يعزّز مفهوم “الحياة الخاصة” التحيّز الجنسي تعزيزًا بنيويًا، ونجد أنّ الأسرة هي الوسيلة الرئيسة في ذلك. فهي تروّض الناس وتعوّدهم على تقبّل الكثير من الانطباعات والصور النمطية المهيمنةِ على مجالي الإعلام والإعلان، كما أنّها ترفض أي “تجاوزٍ” للأدوار الاجتماعية، وتعلّم الفتيات والفتيان اللعبَ والتصرفَ والكلامَ تبعًا لما يمليه عليه نوعهم الاجتماعي –عبر استرعاء انتباههم بلطفٍ إلى أفكارٍ مؤدلجة حينًا، أو تأديبهم جسديًا في أحيانٍ أخرى-.

ورغم أن أكثرنا لم يعد يعيش في بِنيةٍ أسريةٍ شبيهةٍ ببيت الدمية الذي عاشت فيه نورا، إلّا أنّه ما يزال المعيار الذي يُتوقّع منّا السعي لتحقيقه، كما لا يزال توني أبوت والعديد من المتحدّثين باسم طبقته يأخذون على عاتقهم مسؤولية تذكير الجميع بأهمية “القيم العائلية” بصورةٍ متكررة.

ولا عجب أن كان التمييز الجنسي ورُهابي المثليّة والتحوّل الجنسي أسلحةً تقليدية للتحكّم في المجتمع أخذًا بسياسةِ “فرّق تسد”.

لكن الأسرة، مثل الفجوةِ في الأجور بين الجنسين وتسليع جسد المرأة، ليست مجرد سلاح إيديولوجي فحسب، بل وسيلة لتحقيق الربح الاقتصادي للطبقة الرأسمالية، فرعاية الأطفال والمسنين وتقديم الرعاية الطبية الأوليّة والاهتمام بالناس وغيرهم مهامٌ تتطلّب مسؤوليةً خاصّة، والتي تتحمّل النساء القيام بمعظمها.

لا تزال الأعباء الاقتصادية المقترنة بالأسرة المخصخصة والمكتفية ذاتيًا هي نفسها على الرغم من أنّ معظم الناس اليوم لا يعيشون ضمن نطاق الأسرة النووية التقليدية، فالأمهات والآباء من مجتمع الميم* والأمهات العزباوات يتحمّلون النفقات ذاتها التي يتحمّلها الأزواجُ غيريّو الجنس.

إن العبء الاقتصادي الواقع على الطبقة الحاكمة على النقيض من ذلك الذي تتحمّله الطبقة العاملة، ففي حال لم تتمكن الطبقة الحاكمة من الاعتماد على الأسرة، ستجد نفسها مضطرة إلى ضخّ الملايين إلى المستشفيات ودور رعاية الأطفال وغيرها من الخدمات للحافظ على اليد العاملة.

هل من حل؟ 

يؤثر التمييز الجنسي على النساء في جميع مجالات حياتهن، والعديد من مؤسسات المجتمع تستفيد من الاضطهاد الواقع عليهن، بل تقوم بتعزيزه أيضًا.

إنّ فهم طبيعة هذا الاضطهاد يفيدنا في كيفية القضاء عليه، لذا يجب علينا النظر في كلّ مظهرٍ من مظاهر التمييز على أساس الجنس في حياتنا ومجتمعنا، ولا بدّ من مقاومة النظام الاقتصادي القائم على اللامساواة والقمع الاجتماعي لتحدي الاضطهاد الواقعِ على النساء بشكلٍ جذري.

 

*مجتمع المثليين والمثليات ومزدوجي الميول والمتحولين جنسياً.

المصدر

 

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

سيلفيا فيديريتشي: حول الرأسمالية، الكولونيالية، النساء، وسياسات الغذاء.

*ترجمة: مايا سليمان مقابلة مع سيلفيا فيديريتشي حاورها ماكس هايفين نُشر بتاريخ ٣ تشرين الثاني …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *