هوية موؤدة

x

 

منار الزهراني

وأدتها وأدت مدينتي.. وأدتها في ذاكرتي، تحت طبقات كثيفة من كل ما أعرف، وكل ما أذكر، وكل ما أشعر به، فبدت وكأنها غير موجودة، وكلما أردت استحضارها فجأة، أجد سواداً يملأ عقلي ولا أذكر شيئاً، ربما لإني لم أعش فيها.. طيف من خضار، لكن لا شيء أكثر.
ولا كأني وعيت على الدنيا هناك، ولا كأني تعرفت على معنى المطر، ومعنى اللون الأخضر، لم أشعر بالحنين ولا بالإنتماء، لا ذكريات لي غير أن مكان الميلاد في بطاقة الأحوال، أعوام الطفولة والمراهقة، أصدقاء الطفولة، كلها هنا لا شئ لي هناك!
مزعج أن يظل الجميع يذكرك بأرضٍ جئت منها بإسمٍ فقط، مزعج أن يتحدث أخوتك وجميع أهلك عن ذكرياتهم فيها ومعرفتهم الدقيقة لها بينما أنت لك عالمك الخاص وكأنك من بلدة أخرى وليس سوى إختلاف مدن!
لكني ولسبب ما اليوم، رأيت جزءً من فيديو لها فتوقفت عن الزمن لحظة، شعرتبعضلات عقلي وكأنها تنفك، تنفرج عن شيء حبس داخلها طويلاً، وذاب قلبي وكأنه يتدفق حنيناً .. حنيناً كبيراً عنيفاً يحتج على ذات العقل اليابس التي حبسته ومنعته عن مكان هو – لا إرادياً – يرتبط به.
ولا أعرف لماذا ظهر نذير مفاجئ في عقلي، نذير قديم، أعرفه، يقول لي أنا لازلت هنا. كنت أرفض أن أرتبط عاطفياً بمكان لم أعش به ولم أصنع به ذكريات.. لم أكره هذه الجنة الخضراء أبداً، لم أكره أهلها لإني بالكاد أعرفهم بل كرهت بردها القاسي والشوارع الهادئة.. نعم، كنت أكره سكون الليل القاتل، السكون الذي كان يشعرني وكأن الدنيا انتهت، السكون الذي كان ينفذ إلى أذني ليشعرني أن القيامة ستقوم لا محالة، الرتابة والروتين الممل .. لكن  ظللت متشبثة بها لم أتجرّد من جنوبيتي، صحيح أخذت أغلب العادات واللهجة من هنا لكن لازلت أذكرها دائمًا عند التعريف عني.

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

دعوة لـ“إنتاج نقاش معرفي تشاركي“، عن المعرفة المتموضعة وسؤال الموضوعية عند دونا هارواي

*مريم الهاجري • الإنتاج المعرفي للنسوية مقدمة تركز هاراوي في مقالتها(١)، على مفهوم المعرفة المتموضعة، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *