الرئيسية / مقالات الرأي / النساء وصناعة الفن

النساء وصناعة الفن

 

 رزان الحماد

 

سُئِلت مرة لماذا يفتقر العالم لرسّامات رائعات، فكان جوابي مقتضبًا بأن أهالي بعضهن رفض ذلك ومنعوهن وحاولوا تصعيب الأمر أكثر مما هو صعب، بحثت في الأمر بعد ذلك، لأجِد أن النساء واجهن مصاعب شتّى في التدرّب على الرّسم، وفي بيع أعمالهن، وفي التنقل، ومحاولة كسب بعض التقدير.

Untitled

بدأ الأمر حينما قامت كورا ابنة بوتاديس بتحديد ظِل حبيبها على الجدار، لتحتفظ بشيءٍ منه بعد أن يرحل في رحلةٍ حربية، بعد ذلك قام والدها بتشكيل الطين على هيئةِ هذه الخطوط. هذه الرواية تشير إلى أن أول من حاول الرسم كان إمرأة، وإن كان هناك احتمالٌ أن تكون من ضرب الأساطير، فإن القصة كانت دائمًا عن أول رجل مثّل بالطين، لا عن أول امرأةٍ حاولت الرسم.

Untitled١١

ثم كان النضال في مجال الفن ضد التحيّز الذكوري، ويجب أن أذكر هنا ماري بيل بشخوصها المتقنة، أول رسامة شخصيّات محترفة، والأشهر في عصر الباروك في آواخر القرن السابع عشر، في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن رجلين من رسّامي البلاط أشادا بها، بالإضافة إلى أن والدها كان رسامًا هاويًا، ومن الممكن أنه قام بتدريبها بنفسه آن ذاك. زوجها كذلك كان قائمًا على مرسمها من خلال إعداد اللوحات، خلط الألوان، والاهتمام بالحسابات. الجانب المشين من هذا النجاح أن زوجها كان يعرض لوحاتها كتجارب فنية، لطرقٍ يدّعي أنه قام بنفسهِ على تطويرها وتعليمها إياها، مما يفسر وصولها إلى هذه المكانة والشهرة.

 

وهذا أمرٌ طبيعي نظرًا إلى أن الرجال كانوا يهيمنون على الأعمال الفنية وإنتاجها، مما يجعل البروز كفنانة في تلك الحقبة بمثابة تحدٍ صعب. وتظهر هيمنة الرجال أو المركزية الذكورية في الفن، في قول هانز هوفمان مادحًا أعمال الفنانة لي كراسنر قائلًا “إنها رائعة جدًا بحيث أنه لن يخطر ببالك أنها من صنع امرأة”. الفيلسوف شربنهور أيضًا قال “لو استعرضنا تاريخ النساء المثقّفات، لما وجدنا منهن واحدةً قد أبدعت في تاريخ الفنون لوحة فنية أو قطعة موسيقية أو قصيدة شعرية واحدة ذات أصالةٍ وإبداع.” وأنا كإمرأة أرفض أن أسلّم بقدرية افتقار المرأة للإبداع، وأرى في حديث شوبنهور إجحافًا بحق تاريخ النساء في الفن.Untitled٢٢

 

فالفنانة الأمريكية ماري كاسّات مثلًا ولدت لعائلةٍ برجوازية وتلقّت دروس الرسم منذ الصغر، ومع ذلك رفض والداها أن تمتهن الرسم أو أن تلتحق بأكاديمية الفنون الجميلة، خوفًا من أن تتأثر بالأفكار النسوية! وبالرغم من ذلك التحقت ماري بالأكاديمية فرفض والدها أن يدعمها ماديًا، وضل معارضًا الأمر حتى بعد أن عُرِضت لوحاتها في صالوناتٍ فنية كانت تُمنع المرأة من دخولها أو المشاركة فيها.

 

أما بالنسبة للفنانات العربيات فقد برز عدد ضئيل منهن في القرن العشرين، يعود ذلك لمنع الفتيات من الالتحاق بكليات الفنون الجميلة. وكان على من ترغب بدراسة الفنون أن تُبتَعث، فكان معظم رائدات الفن العربيات ينتمين لعائلاتٍ برجوازيةٍ وأرستقراطية، أو كنّ من محيطٍ عائلي منفتح، أعطاهن الفرصة للسفر والتعلم ونشر الأعمال. فكانت الفنانة المصرية كوكب يوسف العسال، أول من ابتعثت لدراسة الفنون في إنجلترا، وما أن عادت حتى باشرت التدريس في المعهد العالي للفنون الجميلة للمعلمات عام ١٩٣٩، فانتجت جيلًا من الفنانات المصريات. أيضًا كان للفنانة المصرية تحيّة حليم من الفن نصيب، فقد درست الرسم على يديّ أفضل رسامين في القصر الملكي، حيث كان والدها كبير المستشارين العسكريين في عهد الملك فؤاد الأول، والتحقت ببعض المدارس الفرنسية، وأخيرًا مارست تعليم الرسم مع زوجها الفنان حامد عبدالله. والفنانة إنجي أفلاطون، وهي كذلك فنانة مصرية ولدت لعائلة ثرية، وتعلمت في مدرسة فرنسية خاصة، وعندما لاحظ والدها نزعتها للفن استقدم لها معلمًا خاصًا.

ومن لبنان الفنانة ماري حداد، وهي أخت زوجة الرئيس بشارة الخوري، وقد سافرت إلى فرنسا التي احتفت بها أشد احتفاء لتستكمل مسيرتها الفنية هناك. أما في العراق فكانت الفنانة نزيهة سليم، أول عراقية تسافر لدراسة الفن، وقد حصلت على بعثة لباريس، وساعدتها نشأتها بين أبٍ وأخوةٍ فنانين. ومن السعودية الفنانة صفية بن زقر، درست الفن في مصر وبريطانيا لتحصل على شهادة في فن الرسم، وتعتبر أحد رواد الحركة التشكيلية النسائية في المملكة.

وللكاتبة المغربية غيثة الخياط كتاب بعنوان “المرأة الفنانة في العالم العربي” ترصد فيه مساهمات ومحاولات المرأة العربية في الفنون.

 

وعلى كلٍ فقد كان لجميع الفنانات في بقاع الأرض دورهن الفعّال لتأصيل دور المرأة في الفن، بالرغم من التهميش والإقصاء المتعمّد الذي تعرضن له، والصدام مع المجتمع الذي أصرٌ أن يحول بينهن وبين ممارسة الفن. فقاد معضمهن الحركة الفنية النسائية في الستينات من القرن الماضي، للحصول على إستقلالية المرأة ومساواتها بالرجال في مجالات الفن. ومنذ ذلك الحين والفنانات تزداد معالم فنّهِنّ وضوحًا وقوة، وتتسم بمزيدٍ من الجرأة، لترسم المرأة الآن لوحاتٍ ليست معنيّةً بمشاهد النساء فقط، أو بموضوع الأمومة دون ما سواه، أو تصوير شخصياتٍ نسائية، كما في القرن التاسع عشر وما قبله.

Untitled.٣٣png

فأصبحت المرأة تعبّر بفنّها عن آرائها السياسية كالفنانة العراقية ليلى العطار، التي قامت برسم صورة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش على أرضية “فندق الرشيد” في بغداد بعنوان “المجرم جورج بوش”. والفنانة العراقية المحببة جدًا لدي، هيف كهرمان والتي تُعنى لوحاتها بمعضلاتٍ عدة منها المشاكل النسوية مثل الاغتصاب، التهميش، والجراحة التجميلية. أيضًا في لوحات الفنانة المكسيكية فريدة كاهلو يظهر تجسيدها لآلامها وعذاباتها الخاصة وتصويرها لحياتها التراجيدية. بينما الفنانة البريطانية جيني سافيل، تحاول أن تجدد المُثُل التقليدية لأجساد النساء المرسومة في لوحات الرجال.

وما زالت المرأة تناضل من خلال محاولاتها الفنية لتخطّي مرحلة إثبات وجودها في مجال الفن، لتلِج مرحلةً جديدة تمارس فيها الفن بأريحية، ككيان مستقلٍ عما يتوقعه الرجل وما يضعه من قوانين فنية.

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

بماذا تطالب المرأة السعودية في العهد الجديد؟

  د. هتون أجواد الفاسي تمر بلادنا بمرحلة تغيير مثيرة للاهتمام.. للجدل.. للاحتفاء.. للتحليل والتفكير.. …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *