الرئيسية / كتب / كتاب الدين والظمأ الأنطولوجي – د.عبدالجبار الرفاعي

كتاب الدين والظمأ الأنطولوجي – د.عبدالجبار الرفاعي

 

 

....

*منار الزهراني 

أعني بالظمأ الأنطولولجي الظمأ للمقدس، أو الحنين للوجود، إنه ظمأ الكينونة البشرية، بوصف وجود الإنسان وجودًا محتاجًا إلى ما يثريه، وهو كائن متعطش على الدوام إلى ما يرتوي به.

 

لا أعلم إن كنت سأستطيع إيفاء هذا الكتاب حقه في ذكر أهم ما جاء به.

د.عبدالجبار الرفاعي يتحدث في هذا الكتاب عن تأملات فكرية لنتاج تجربة روحية شخصية والتحاقه بالجماعات الإسلامية ويتحدث عنهم من واقع تجربة . 
الكتاب عبارة عن 7 فصول ثرّية. في البدء يؤكد على أن هوية الفرد المستقلة من أهم ما يكونه كإنسان عاقل، فيقول:

لا تبدأ الحياة الإنسانية الحقيقية إلّا عندما تتحقق وتوجد الذات الشخصية، وهذه الذات لا تتحقق دون الفعل، فالوجود الإنساني لا يصل الى الامتلاء الّا بالفعل وحده .

 

 

 

ويتحدث عن أن تكوين الذات لا يتحقق إلا بالصراع رغم كل العوامل التي تجبرك على ألا تكون ذاتك فيقول في نفس الفصل:

 

 

الأب والأم والعائلة والجماعة بل الكل يريدون منك أن تكون شخصًا آخر أن تكون نسخة مكررة عنهم، ستلبث على الدوام تصارع طبيعتك البشرية بغية التنازل عن ذاتك والاستجابة لهم لكن ذاتك ستظل تلّح على فرديتك ولا تكّف عن التطلّع للاستقلال والخلاص مما تفرضه عليك العائلة والطائفة والجماعة من سجون.

 

 

ومن هذا المنطلق ينتقد الأحزاب والجماعات التي تسلب من الفرد ذاته الحرّه فيقول:

 

التربية في الأحزاب والجماعات تتمحور عادة على تنميط الذات وتحويل كل الأعضاء إلى نسخ متماثلة رؤيتهم للعالم واحدة آراؤهم واحدة مفاهيمهم واحدة مواقفهم واحدة حساسيتهم واحدة مزاجهم واحد , بنحو تضيع معه لديهم كافة الملامح والهوية الشخصية للذات.

 

 

 

ومنها يؤكد على أن الإيمان خيار شخصي:

الايمان شخصي، وهو خيار فردي، كذلك الإلحاد شخصي، وهو أيضاً خيار فردي، وهكذا هو الموت ومصير الإنسان بعد الموت. الكلام الكثير عن الدين والتبشير به، وتحشيد كتائب عددية من البشر، من أجل تلقينهم الإيمان، سيفضي إلى نتائج منافية لروح الإيمان والضمير الديني العميق، فإن “الانهيار الديني ناجم عن كثرة الكلام في الدين” كما يشدد على ذلك كيرككورد

 

 

و يفّسر أيضًا لماذا يتهافت الشباب على العمليات الإنتحارية وسفك الدماء في سن مبكرة جدًا فيقول:

الشباب يتساقطون في ولائم الذبح ويتلذذون بالدم المسفوح كالفراش المتهافت على لهيب شمعة في ليلة مظلمة بسبب ما يعانون من ظمأ أنطولوجي للمقدس وبسبب رتابة الحياة وذبولها وتكرار كل شيء فيها وانطفاء المتعة التي تمنحها لهم الملذات الحسيّة فمهما كان شغفهم بالملذات الحسيّة فإنهم يصلون به حدًا يفتقد فيه كل شئ معناه في حياتهم بل يبلغ غرقهم بكل ماهو مادي من متع إلى درجة الغثيان . لذلك يتوهمون بأنه منبع المعنى، الذي يفتقدونه في عالمهم فيحسبون هذه الدروب الخاطئة المظلمة التي تقودهم إلى تناقض المعنى وكأنها مسار يوصلهم إلى معنى المعنى.

 
كما يحكي لنا ما جعله ينتمي إلى حزب الدعوة الإسلامي، قائلًا:

 

أفتش عن إطار يحميني خارج العشيرة فوجدت في فتوتي شعارات ووعود أدبيات الإسلاميين كهفًا وملاذُا، خلت أنها تحررني من الغربة وتلغي كافة ألوان التمييز بين بني البشر.

 

 

 

وجعلته يحس بسلبية وتعصب وعدوانية تجاه الآخر المختلف، وما ساعده على التحرر من هذه المشاعر هو أنه حرر صورة الله في روحه من الكدر الذي شوهها والظلام الذي حجب نورها.

ويرى الدكتور الرفاعي أن ما سبب هذا المأزق في دين هو وضعه في مجال غير مجاله فيقول:

ما وضع الدين اليوم في مأزق تاريخي هو ترحيله من مجاله الأنطولوجي إلى الأيديولوجي.

 
فيقصد بالدين الأنطولوجي:

 

معنى كون الدين يشتغل على إرواء الظمأ الانطولوجي، هو أنه يشبع حاجات لا يمكن أن يشبعها العقل والخبرة البشرية، أنه يهتم بأزمة المعنى وسبل معالجتها، أنه يعالج فقدان معنى الحياة في عالم اليوم، وكيفية إنتاج هذا المعنى. فإن الدين مكوّن للكائن البشري يرثه من أمه وأبيه مثلما يرث لون بشرته وصفاته الجسدية حتى إن التحوّل من دين لآخر يجعل الشخص يقبل الدين الجديد في سياق دينه الأصلي.

وأنه حررّ الدين من المفهوم السائد بأنه لابد أن يتمثل بشخص واحد فقط ليصبح الرسول الجديد للأمة فيقول:

 

 

خلاصي من سطوة لتراث ليس بمعنى الخروج من الدين أو التحلل من التدين والتبجح الزائف بما يجرح الضمير الديني. تعلّمت من التراث والواقع أن الدين أبدي في البشرية.

 
كما يؤكد في مواضع كثيرة على أن الإنسان كائن متدين وإن اختلفت تجليات التدين. ويصف نمط تدينه قائلًا:

إيماني حالة أنطولوجية لا أستطيع الإطاحة بها، حتى لو قررت التخلي عنها. إنها نحو من الإشراق الروحي الذي لا يمكنني توصيفه بوضوح، لأنه مما يوجد، لا مما يدرك، وكما نصطلح في المنطق هو نوع من الحضور الوجودي الذي يتوطن القلب، وليس نوعاً من العلم والتصور والفهم المرتسم في الذهن

 

 

ويقول بلغة أدبية آسرة:

 

إيماني مطمئن في فؤادي محصن منيع بعيدًا عن شطحات عقلي ومشاكساته الفلسفية واستفهاماته اللاهوتية القلقة والحائرة، فشل عقلي بأن يطيح بإيماني أو يقوضه أو يزلزله .

 

 

وينتقل بعد ذلك إلى نقد أدلجة الدين و الدعوة إلى نقد التراث و المعرفة الدينية فيقول:

 

المعرفة الدينية حقل من حقول المعرفة تخضع لشروط الإنتاج العامة الموّلدة للمعرفة البشرية , وتحكمها القوانين و المشروطية التاريخية واللغوية نفسها وليست هي الاستثناء الوحيد في عملية التفكير وإنتاج المعرفة فلماذا لا يشملها البحث والدراسة في سياق المعارف البشرية كافة ولماذا نعدها الاستثناء الوحيد الذي لا يخضع لأية مناهج ومفاهيم يكتشفها الإنسان ويطورها؟

 

 

 

ولا يرى أن هناك أي تعارض بين التدين والفلسفة والشك فيبرر ذلك قائلًا:

 

يتساءل بعض الزملاء كيف يتسنى لك المحافظة على تدينك وتنمية إيمانك على الدوام مع أنك تطرح أسئلة لاهوتية تتصدع معها أسيجة المعتقدات وتمارس نمطًا من التفكير الديني الحر العابر للطوائف والتعصبات المذهبية ؟مسار القلب لديّ يتطابق مع مسار العقل أي أن وجهته بموازاة العقل , إن كان للعقل وجهة أو مسار . قلق عقلي وأسئلته المتنوعة المتواصلة لم يزعزع إيماني أو يطيح بتديني أو يهزم أخلاقي , أو يبدد نزعتي الإنسانية.

 

وما أثار إستغرابي شخصيًا هو تخصيصه فصل كامل لنقد علي شريعتي بإنه قام بترحيل الدين من الأنطولوجيا إلى الأيديولوجيا وأنا التي لم أعتقد سوى أنه تلميذه. حيث قال:

الدين يتمحور هدفه العميق حول تأمين ما يفشل العقل والخبرة البشرية في تأمينه للحياة. الإنسان كائن لا يشبه إلا الإنسان، وهو الكائن الذي يفتقر إلى ما هو خارج عالمه المادي الحسي، خلافاً للحيوان الذي تتجاوز احتياجاته عالمه المادي الحسي. الإنسان في توق ووجد أبديين إلى ما يفتقده في هذا العالم، وذلك ما تدلل عليه مسيرة هذا الكائن منذ فجر تاريخه إلى الآن، بل أزعم أن هذه الحاجة مزمنة، وستستمر حتى آخر شخص يعيش في هذا العالم. وهو ما يُعبر عنه (الظمأ الأنطولوجي للمقدس) في حياة الكائن البشري.

وانتقد أيضًا ابن تيمية والسلفية حيث ذكر بأن كتاباتهم لا تتجاوز التبجيل والثناء والشرح والتلخيص، وأن الأفكار النقدية لا تعدو عن كونها تنطلق من مواقف دفاعية مذهبية، تقتصر على بيان ونقد مواقفه حيال ذلك المذهب أو تلك الطائفة، من دون أن تهتم بالكشف عن أصول التكفير في تفكيره.

الدكتور عبدالجبار الرفاعي قدّم تجربته في إطار أدبي فلسفي يصل إلينا بسهولة عبر مفرادته الراقية، نافذة صغيرة مدهشة مطلّه على أهم ما يمر به العالم من ضياع.

 

 

 

رابط الكتاب نسخة إلكترونية

 

 

 

 

 

 

عن thearabnoon

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *