الرئيسية / تُرجمان / النساء، النسوية ومشروعية المشاعر 

النساء، النسوية ومشروعية المشاعر 

women
الكاتبة: سارة سالم
ترجمة: شيخة العرف

لقد كنت أفكر مؤخراً بالمشاعر، وكيف أن مشروعية بعضها وعدم مشروعية بعضها الآخر تمثل شكل من أشكال الرقابة والعقاب الذاتيين. لم أستطع التعبير عن بعض مشاعري تجاه نسوّيتي و الطريقة التي يتم رؤية ذلك أو رؤيتي بها بسبب تعريفي لنفسي كنسوية إلا حينما تعرفت على أعمال سارة أحمد في الفينومينولوجيا (الظاهراتية) والنسوية.
كان يتم ذكر سارة أحمد دائما كمفسدة للمُتع -أي جادة جدا- كانت هذه الصفة مفيدة بشكل ما لأنها تلخص صلب المسألة: ينظر للنسويات بأنهن قاتلات للبهجة وأنهن جديات، ولهذا السبب فإن النسوية من الأمور التي تثير الامتعاض، الرفض، السخرية، وحتى العنف. 

لذا فإنه ليس من الغريب أن تعريف الشخص كنسوي/ة  لن يجعل منه/ا ذو/ات شعبية في المجتمع، أو يكسبه/ا الكثير من الأصدقاء، لقد ارتبطت كلمة نسوية بصور سلبية لدرجة أن تعريف النفس كنسوي/ة أصبح صعبا حتى داخل الدوائر النقدية.
نرى هذا بشكل أوضح في مصر حيث يقترن مصطلح النسوية بدلالات امبريالية، وهي موجودة طبعا؛ ولكن مايقلقني أكثر هم الأشخاص الذين يرفضون المصطلح لأنه “راديكالي جدا “ أو “ مليء بالكراهية “. النسويات يكرهن الرجال، يعشن معزولات في مناطق محاصرة، كما أنهن سريعات الغضب دائما. والمشكلة هي عندما نحاول أن نواجه هذه الحجة بالقول “أن هذه الأفعال لا تشمل كل النسويات“، لأن هذا القول بحد ذاته فخ. الكثير من النسويات يتخذن نهجا راديكاليا تجاه الرجال بالفعل، ومعظمهن غاضبات على الأرجح -وأنا منهن-، ولكن عدم الإنتماء للنسوية الراديكالية -وأنا لست معجبة بها أيضا وإن كان لأسباب أخرى- ليس سببا كافيا لشجب الحركة النسوية ككل. 

الأكثر إدهاشا من اتهام النسويات بأنهن قاتلات للمتعة هو أنهن يضطررن للدفاع عن أنفسهن من خلال إظهار أنهن غير غاضبات أو حساسات أو يعانين آلام الحيض وما يصاحبها من مشاعر سيئة… إلخ. أي أن عليهن تحمل عبء الإثبات -إثبات تحضرهن وسعادتهن، وأنهن لسن بمفسدات المتعة كما يتم وصفهن- لتوضيح أنه ورغم كوننا نحمل آراءا معينة عن الجندر فإننا سنحرص ألا نزعجك بها. هنا لا يكون التركيز على البطريركية أو الأسباب العديدة التي تجعل النساء غاضبات، بل يحرف ويوجه باتجاه النساء أنفسهن. 

أنا متأكدة بأننا جميعا قد تعرضنا لتلك اللحظات -بشكل يومي- حين يقول شخص أو يفعل شيئا ذا دلالة على تمييز جنسي، ونشير لذلك؛ بل أننا قد نشير لذلك مازحات أحيانا حتى لا نفسد المزاج “أكثر من اللازم“ ومع ذلك … نفسد المزاج، ويقوم الناس بإدارة عيونهم بملل وانزعاج، كما يصبح الحديث عن الشخص الذي قام بالإشارة للمشكلة بدلا من المشكلة نفسها. 
ما أجده مدهشا هو أن خلخلة الأدوار المهيمنة تشكل تهديدا إلى درجة تعرضها للمهاجمة بوصفها انحراف أو مرض. إن أي محاولة لتعطيل أي فعل ذو دلالة على ذكورة أو أنوثة بطريركية يقُابَل بالكثير من المقاومة ويؤدي إلى نتيجة واحدة هي إنهاك الشخص القائم بهذه المحاولة مع مرور الزمن، وهذا يعيدني إلى النقطة الأولى وهي أن كل هذا قد ينتهي مع الرقابة الذاتية، وليس على مستوى ضحل وواع لمراقبة الذات: “لا تقل ذلك لأنه سيستجيب هكذا” بل تعمل الرقابة على مستوى أعمق بكثير من خلال خلق تساؤلات في دواخلنا عن أوضاعنا وظروفنا الاجتماعية (positionalities) ومعتقداتنا، والأهم أنها تطرح أسئلة عن مشروعية المشاعر التي نشعر بها كالانفعال والعاطفة والغضب والآلام الجسدية والنفسية المصاحبة للحيض، لقد أصبحت هذه النقاشات شائعة بيني وبين أصدقائي النسويين. 

مع هذا، فإن هذه الأسئلة تعيدنا مباشرة إلى المربع الأول؛ أن النظام البطريركي يعمل عن طريق تخصيص العاطفة للنساء والعقلانية للرجال، سواء كانت المرأة غاضبة جدا، سعيدة جدا، لعوبة جدا ، درامية جدا، فإنها دائما في حالة شعور. المرأة دائما تشعر بشيء ما، وتشعر بالكثير منه، ويبدو لي أن الضرر الذي أحدثه هذا على النسوية لهو ضرر ملحوظ، حيث انعكس نفس الانطباع على النسويين والذين غالبا ما يكونون من النساء؛ فالنسويين أيضا يحسون كثيرا وينفعلون غالبا في أوضاع لا تحتاج إلى ردات فعل مبالغ بها.
كل هذا يضع النساء في حالة مستمرة من الاضطراب، فأنتِ تلاحظين الهيمنة الذكورية في كل مكان والطرق التي تعمل البطريركية بها حتى عبر الرجال الذين يتعاطفون مع النسوية أو يعرفون عن أنفسهم بوصفهم نسويين، وهذا في حد ذاته أمر مربك و مؤلم غالبا. من ناحية أخرى، هناك ثمن محاولة ضعضعة النظام الذكوري المرتفع جدا، بحيث يكون عليكِ لزاما أن تسألي نفسك دائما عن مشروعية مشاعرك، لقد أحسستي بشعور ما ولكن… هل هذا الشعور مناسب فعلا؟ أم أنك تبالغين في ردة فعلك كالعادة؟ ربما اقترب ذلك الوقت من الشهر؟ أو ربما أنتِ ترين البطريركية في كل شيء لكونك نسوية؟ ربما لم يكن مقصودا؟ لكنني أحسست بهذا الشعور بالرغم من كل ذلك. 

 

 

إثارة البلبلة

دائما ما يتم إخبار النساء أن عليهن التشكيك في مشاعرهن ومشروعيتها، لن أنسى أبدا محادثة أجريتها قبل نحو شهر مع امرأة كنت قد التقيتها للتو، كنت أخبرها عن موقف حصل لي مع أحد الرجال وأنني -رغم شعوري بالغضب- لم أفعل أي شيء لأنني لم أعتقد أنني أمتلك الحق في الشعور بالغضب تجاه ما حدث، كل ماقالته لي هو: “حسنا… لكنك كنتِ غاضبة بالفعل، وسواء امتلكتي الحق في ذلك أو لا، ما أهمية ذلك؟” عندها توقفت وفكرت… يالها من طريقة ثورية للنظر إلى المشاعر! 

هذا لا يعني أننا لا ينبغي أن نفكر ونراجع ما نشعر به. كبشر – نساءا ورجالا- نحن نبالغ في ردات فعلنا أحيانا، ونتصرف بحساسية تجاه بعض المواضيع، وننفعل عندما نشعر بالجوع، لكن، على حد علمي، فأحد الجنسين فقط هو من يشكك دائما بمشاعره. وفي النهاية هذا هو ما يخلق المسافة الكبيرة بين ما نشعر به وما يجب علينا أن نشعر به، مما يبدو شكل من أشكال العقاب الذاتي ولا شيء غير ذلك. 

 

 

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

سيلفيا فيديريتشي: حول الرأسمالية، الكولونيالية، النساء، وسياسات الغذاء.

*ترجمة: مايا سليمان مقابلة مع سيلفيا فيديريتشي حاورها ماكس هايفين نُشر بتاريخ ٣ تشرين الثاني …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *