الرئيسية / قضية الأسبوع / عندما تحدث عبيد المنزل

عندما تحدث عبيد المنزل

CRT031-1024x969

غادة بن عميرة

نعم يوجد فقر في السعودية، ولكن دعونا لا نبالغ يا سادة! انظروا لي أنا غنية. هذه الجملة هي اختصار منطق السيدة ياسمين الذي عبرت عنه بكل فظاظة في مقالة يبدو أن الهدف الوحيد منها هو محاولة تمليع صورة السعودية لدى الغربفكما تعلمون رأي الغرب فينا أهم بكثير من مواجهة مشاكلنا والحديث عنهابعدما نشرت منظمة HRW تقريرا مفصلا يهاجم نظام الولاية المجحف في السعودية، فقد كتبت ياسمين في مقالتها التي نشرت يوم الخميس في صحيفة Time: “ ليست كل النساء السعوديات سواسية تماماً مثلما أنه ليست كل النساء الأميركيات سواسية. إني محظوظة بوالديّ الرائعين اللذين دوماً يقبلان بي ويضعانني أمام التحديات*“. ولا أعلم حقيقة ما علاقة حياتها الجيدة بنظام الولاية المطبق في السعودية، أو مالذي تحاول ياسمين، التي تؤكد أن حياتها ورأيها يمثلان المرأة السعودية، إيصاله لغيرها من السعوديات اللاتي يعشن بؤس هذا النظام وويلاته يومياً؟ الحقيقة هي أن مقالة ياسمين هذه هي أكبر إثبات على مدى بشاعة وإجحاف نظام الولاية وظلمه وتكبيله للمرأة السعودية التي تعتمد نوعية حياتها ومستقبلها اعتماد تام على حظها وقدرها فيمن سيكون والدها أو ولي أمرها. فإذا ولدت لولي أمر واعٍ ومتفهم فسوف تعيش حياة كريمة كحياة السيدة ياسمين وغيرها من صاحبات الامتيازات والحظوظ الجيدة. أما إذا ولدت لولي أمر سيء، بغض النظر عن مدى هذا السوء ونوعه، بدءا من منعها من زيارة صديقاتها وحتى ضربها أو قتلها أيضا، فليس أمامها سوى أن تندب حظها وتصلي وتدعي كثيرا كي يرزقها الله بزوج يكون أفضل من ولي أمرها السابق. أما إذا كانت متزوجة فعوضها الجنة، إلا أن بعض مشايخنا يقولون أنها ستتزوج زوجها في الجنة، أي أنه لا يوجد عوض لهذه المرأة المنحوسة. كما أنها لن تجد لها نصيرا يخلصها من وليها الظالم، أو في أبسط السيناريوات وليها المستغل تماماً للسلطة المطلقة المعطاة له في ظل نظام يعطي الرجل (أي رجل وبغض النظر عن صلاحه من فساده وبل بغض النظر حتى عن عمره) وصاية كاملة على جميع جوانب حياة المرأة لمجرد أنه رجل ولمجرد أنها إمرأة. والأنكى والأمر من نظام الولاية هذا هو أن هذه المرأة سوف تهاجم وتحاكم إذا ما تجرأت على مقاومة هذا النظام أو تحرير نفسها من هذه السلطة الذكورية التي تحميها وتفرضها الدولة. فالجميع تابع مؤخرا أحداث قصة من عرفت عن نفسها بأنها شهد المحيميد التي هربت من تعنيف أسرتها، وسواء صدقت رواية شهد أم برهنت الأيام أنها مجرد سارة ابراهيم أخرى، إلا أن شيوع التعنيف والتمييز الظالم الذي تتعرض له النساء في السعودية يجعلني أصدقها، فإن لم تصدق قصة شهد، فأنا أعلم يقينا أنه توجد بيننا مليون شهد صامتة وصابرة لأنها تعلم أنها إذا ما تجرأت وواجهت الظلم الذي تتعرض له ستنتقل من سجن ولي أمرها وظلمه إلى سجن دور الرعاية التي توفرها الدولة وظلمها. زيارة سريعة لأحد هذه الدور سيجعل ياسمين تقدر حظها أكثر. شيوع التعنيف والتمييز القائم على الجنس أدى لتطبيعه لدى المجتمع حتى أصبح رفضه أو مجرد الحديث عنه يقابل بالرفض والاستهجان بل وحتى مهاجمة الضحية. وقد يدفع البعض لكتابة مقالات مستفزة من نوع أنا محظوظة فلا تبالغن رجاءاً.

مؤسف حقا أن يصدر مثل هذا المقال البائس من إمرأة، ولكن نظرة سريعة على وسم المطالبة بإلغاء قانون الولاية يوضح أن العديد من النسوة مصابات بمتلازمة ستوكهولم، هن يدركن تماما أن هذا النظام ظالم ومجحف إلا أنهن يدافعن عنه باستماتة. الأسباب عديدة، قد يكن محظوظات مثل ياسمين التي تحب ولي أمرها وهي تعلم أنه قادر على حرمانها من كل شيء في لحظة لولا أنه رجل سوي ومع ذلك كتبت تدافع عن هذا النظام بمقالتها، وقد يكن مصابات بمازوخية تجعلهن يستلذن بكونهن ضحايا لنظام ظالم، وقد يكن جبانات أو غبيات أو غيرها. أعتذر لا يمكنني أن أقدم أية تبريرات إيجابية لهن. هؤلاء النسوة في رأيي ضحايا لنظام أبوي ذكوري كيّف عقولهن على القبول بأنهن أقل درجة من الرجل بسبب عقود من التجهيل الديني المعتمد على تفاسير ذكورية للدين وسياسات حكومية عززت من وصاية الرجل المطلقة على المرأة. فنظام الولاية، الذي تعرفه ياسمين تعريف أبوي مستفز كالتالي الوصيّ هو رجل من الأقارب يرعى ويحمي من هم دون السن القانونيةنظام تفرضه الدولة وليس عرف اجتماعي ولا ديني بل هو شأن سياسي بحت. فالحكومة هي من يفرض تصريح السفر وموافقة ولي الأمر على كل ما يخص المرأة بما فيه الاشتراك في نادي صحي! وبالعودة لتعريف ياسمين للوصي، كيف لم يستفزها كأمرأة بالغة عاقلة مستقلة – كما تصف نفسهاوهي تكتب هذا التعريف المهين للمرأة؟! فالمرأة تخضع لولاية الرجل حتى تموت. أي أن المرأة تعد ناقصة للأهلية من ولادتها وحتى موتها. وأنها بحاجة مستمرة لوصي عليها حتى وأن كان هذا الوصي طفلها المراهق الذي ربته بنفسها! ولكن ياسمين لم ترَ أي من هذا، فياسمين محظوظة بوالد سوي منحها حريتها واستقلاليتها التي تستحقها لكونها بالغة عاقلة مستقلة. وهذه هي مشكلة أصحاب الامتيازات، فهم لا يستطيعون الإحساس بغيرهم ممن لم يحظو بذات الامتيازات، والأسوأ أنهم ينزعجون عندما يبدأ البائسون حولهم بالتعبير عن بؤسهم. رحم الله ماري انطوانيت وكعكها.

قد تكون ياسمين كتبت مقالتها لتسمع العالم الغربيصوتها وتجربتها الخاصة كسعودية، إلا أن ياسمين غفلت عن حقيقة أن التقرير لم يكن يتحدث عن حوادث فردية، ولا عن المحظوظات صاحبات الامتياز. ونحن حينما نكتب للمطالبة بإلغاء هذا النظام وننتقد المدافعين عنه لا نناقش قضايا فردية أيضاً، فانتقادي هنا حقيقة ليس لياسمين الشخص بل ياسمين الحالة. ولقد حاولت جاهدة أن لا يكون انتقادي لها شخصيا، فالنقاش والموضوع ليس شخصيا إطلاقا. ولكن، وبما أن ياسمين اختارت أن تستخدم حياتها الخاصة للدفاع عن هذا النظام فأنا مضطرة لانتقاد هذه النقاط الشخصية للرد على جميع من يدافع عن هذا النظام أو يهاجم المطالبين بإلغاءه. وعلى ياسمين التي اختارت أن تنشر مقالة تتباهى فيها بحياتها الرائعة أمام من يعانين، في وقت متأزم بما فيه الكفاية بالعديد من قضايا العنف ضد النساء وخلال حملة كبيرة مطالبة لإلغاء نظام ظالم للنساء، أن تستوعب حجم ومدى الهجوم على مقالتها التافهة. ومع بالغ الاحترام لشخص ياسمين، إلا أن ما كتبته غير جدير بالاحترام مطلقا، فهو فوقي ومتعال وأناني للغاية ويمكن استخدامه كمثال رائع على متلازمة عبيد المنزل. فكل ما استفدته منها هو أنها كانت محظوظه بوالد رائع وأنها لم تضطر يوما للكفاح للحصول على أبسط حقوقها، فهي وجدتها نساء مستقلات، بالتالي لا يوجد مضطهدات، أليس كذلك؟ عزيزتي دعينا لا نبالغ، فليست جميع السعوديات محظوظات مثلك.

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

تأريخ العمال وثورة الجائعين

*فاطمة محمد      لم تكن الجزيرة العربية منطقة جاذبة لشد الرحال إليها والعمل بها …

7 تعليقات

  1. مقال ممتاز..وللامانه لم اقرا مقاله ياسمين ..ولكن يبدو لي انها لم تعش بالسعوديه..وانا سعيده انها لم تعني حتى ولو انها لا تشعر بمعاناه غيرها

  2. شكرا جزيلا لك وشكرا لكل النساء الواعيات الرافضات للظلم ، فعلا عبرتي عن رأيي اللي ماقدرت اصيغه.

  3. أولا: أقول لماذا المرأة السعودية تضع بوصلة حريتها من باب المرأة الغربية ،المرأة الغربية لها نضالها الحقيقي الذي من خلال أصبحت مساوية للرجل بشكل عام .لو تتبعن المرأة الغربية من الزاوية الصغيرة لراينا أشياء مؤلمة مثلها مثل أي نسائي في العالم.
    المرأة المصرية كانت تملك حقوق وحرية اكثر من المرأة الغربية .ارجع وأقول لبد للمرأة السعودية ان تتعلم حقوقها لا تدرسها .
    المرأة السعودية هي امرأة متعلمة لكنها لا تملكك تجارب .وهذه قصة للمرأة السعودية بشكل مبسط كان احدى الاخوة يضرب اخواته الثلاثة الى ان شكل لهم إرهاب في المنزل وافقدهم الثقة في انفسهم ،بعد سنوات انجب هذا الأخ بنات وكبر حتى دخلوا مجال الطب ،إعادة عمتهم سؤال لهم وهي سن الأربعين لماذا ابوكم ليس عنيف عليكم مثل ما كان قبل سنوات عنيف علينا وحنن في عمركم ،إجابة ابنت الأخ يا عمتي لقد اعطيتم ابي اكثر من حجمة المطلوب لقد تعدى خصوصيتكم .

  4. مقال في صميم القلب

  5. اعيش بمجتمع عنصري

    http://time.com/4413608/saudi-women-guardianship/

    مقالة ياسمين

  6. مقال رائع.
    اتفق معاك في غالبه، ماعدا تبريراً لياسمين بصفتها صاحب امتياز او محظوظة. حتى المحظوظ منا بولي امر شرعي متفهم و وواعي و متفتح تنتابها الحرقة و الغبنة في كل تره اقدم طلب توظيف او علاج او حتي دراسة حين يطلب موافقة “فرد” بعض النظر عن عمره او مستواه التعليمي و الاجتماعي لا يفرق بينك و بينه سوى جنسه. في هذا نقص لحقي كإنسان عاقل قادر على إدارة شؤوني الخاصة. يتناقضون كثيرا في ولاية الحكومة حين يوهمون الناس في منحهم النساء بالدولة المناصب العليا كمجلس الشورى في حين اجزم ان أعلاهن درجة لا تستطيع حتي ان تصدر شريحة اتصال من دون “محرمها”

  7. السيدة ياسمين باقر كما قال أحد المغردين تستحق فعلا جائزة اسوأ مقال وتستحق كل السخرية التي نالتها. انسانة مرفهة تكتب من برجها العاجي في نيويورك مدافعة عن نظام مجحف تعاني منه ملايين السعوديات هي انسانة لا تستحق أي احترام .

    الشكر لك غادة على المقال و على الوصف البديع “عبيد المنزل” الذي ينطبق على ياسمين ومثيلاتها من المترفات الأنانيات الكاذبات .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *