الرئيسية / قضية الأسبوع / تطبيع التطبيع #سعوديون_ضد_التطبيع

تطبيع التطبيع #سعوديون_ضد_التطبيع

نظراً لبروز بعض المؤشرات على نزوع بعض الدول العربية ومنها السعودية نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني مؤخرا وما زيارة أنور عشقي ومن معه إلا أحد الأدلة على ذلك، فقد قرر سعوديون بدء حملة #سعوديون_ضد_التطبيع على تويتر. بهذه المناسبة سنعيد نشر بعض المقالات والتدوينات التي كتبها كتاب سعوديون ضد التطبيع وعملية السلام.

againstnormalization

غادة عبدالرحمن – نُشر هذا المقال في موقع  ٌإيوان ٢٤ أولاً

 

تمهيد:

لأن أغلب الاختلافات إنما تنشأ من عدم الاتفاق بداية على معاني المصطلحات، سوف أضع تعريف التطبيع لغة واصطلاحا في بداية المقال.

التطبيع لغة هو جعل الشيء طبيعيا أو عاديا وذلك عن طريق التعويد عليه؛ مثال: طَبَّعَ الرجل ابنه على الصدق أي عوده عليه.

أما اصطلاحا فأضع أمامكم التعريف الذي ارتأته الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل:

تطبيع هو المشاركة في أي مشروع أو مبادرة أو نشاط، محلي أو دولي، مصمم خصيصا للجمع (سواء بشكل مباشر أو غير مباشر) بين فلسطينيين (و/أو عرب) وإسرائيليين (أفرادا كانوا أم مؤسسات) ولا يهدف صراحة إلى مقاومة أو فضح الاحتلال وكل أشكال التمييز والاضطهاد الممارس على الشعب الفلسطيني. وأهم أشكال التطبيع هي تلك النشاطات التي تهدف إلى التعاون العلمي أو الفني أو المهني أو النسوي أو الشبابي، أو إلى إزالة الحواجز النفسية. ويستثنى من ذلك المنتديات والمحافل الدولية التي تعقد خارج الوطن العربي، كالمؤتمرات أو المهرجانات أو المعارض التي يشترك فيها إسرائيليون إلى جانب مشاركين دوليين، ولا تهدف إلى جمع الفلسطينيين أو العرب بالإسرائيليين، بالإضافة إلى المناظرات العامة. كما تستثنى من ذلك حالات الطوارئ القصوى المتعلقة بالحفاظ على الحياة البشرية، كانتشار وباء أو حدوث كارثة طبيعية أو بيئية تستوجب التعاون الفلسطيني-الإسرائيلي.

التطبيع المسكوت عنه

لا شك أن الربيع العربي قد كشف عن الوجه البشع للحكومات، هذه الحكومات المتخاذلة والمتآمرة دوما ضد تطلعات وآمال الشعوب العربية. هذه الحكومات الأنانية المهووسة بالسلطة حد الشبق فلم يتوانى حتى الآن رئيس ولا ملك من أن يبطش ويقتل مئات الألوف من شعبه ليتمسك بكرسيه لبضعة سنوات إضافية. هذا بالإضافة لسجلهم المشين والبائس من التحالفات مع القوى الإمبريالية الغربية ووقوفهم دوما منذ بدايات تشكل الدول العربية واستقلالها في وجه كل ما من شأنه أن يوحد الشعوب أو يصب في مصلحتها. فمن احتلال فلسطين لحركات التحرر الشعبية في الدول العربية المستعمرة، لعبت الحكومات دوما ودن استثناء إلا ما ندر دورا قمعيا ومعرقلا لحركات لمقاومة والتحرر والتوحد، حتى أنها اختارت كثيرا الوقوف مع المستعمر في وجه شعوبها مثلما قامت به الحكومة المصرية أبان حكم الخديوي ضد ثورة عرابي أو حتى ما تقوم به الأن من تنكيل وقمع وحصار للثوار المصريين وتعاونها المشين مع الاحتلال في حصار وتجويع الفلسطينيين في غزة. والحكومة المصرية ليست المثال الوحيد بالطبع، مراجعة سريعة لما قام به زين العابدين في تونس أو ما قام به القذافي في ليبيا يؤكد ما سبق.

وأوضح هذه الأمثلة طبعا النظام السوري المقاوم العظيم الذي ما سير جيوشه وبراميله المتفجرة لتحرير أرضه المحتلة من دولة الاحتلال إسرائيل طوال الأربعين سنة الماضية بل استخدمها للتنكيل بشعبه الذي ثار ضده وضد حكومته القمعية. فعلى تنوع الحكومات العربية من إسلامية وعلمانية وجمهورية وملكية وحتى تلك التي تتشدق بديموقراطيتها إلا أنها تشابهت جميعها في قمعها لشعوبها الثائرة ضدها. لم يتغير الكثير منذ بدايات القرن المنصرم وحتى يومنا هذا. ولن أدخل في تفصيلات تاريخية وتحليلية لأسباب هذه المواقف البائسة للحكومات العربية إذ أن ما دفعني لكتابة هذا المقال هو الأحداث المتتالية الخاصة بالقضية الفلسطينية والمناخ العربي العام في التعاطي مع هذه القضية المتجذرة في الوجدان العربي. هذا التعاطي الذي بدأ يتغير تغييرا مقلقا وخطيرا للغاية. فبالإضافة لسياسات التجهيل الممنهجة التي تخضع لها الشعوب العربية عبر تهميش القضية الفلسطينية وتغيير السياقات الأساسية لإسباب نشوب الأزمة وحذف تاريخها من المناهج الدراسية وحتى تقديم وجهات نظر داعمة للدعاية الصهيونية في القنوات والصحف العربية، يتم اليوم التمرير لقرارات مصيرية خطيرة تطرح بطرق ملتوية وضمن فرقعات إعلامية ضخمة تجعلنا لا ننتبه لخطورة ما يحدث إلا بعد فوات الآوان.

في السادس والعشرين من شهر مارس لعام ١٩٧٩ وقع الرئيس المصري الراحل أنور السادات على معاهدة السلام مع دولة الاحتلال إسرائيل، هذه المعاهدة التي تضمنت الاعتراف بدولة الاحتلال على الأراضي الفلسطينية وإقامة علاقات ودية واقتصادية بين البلدين. من ضمن بنود المعاهدة يوجد بند ينص على اتفاقية تضمن عبور السفن الإسرائيلية عبر مضيق تيران. ومضيق تيران هذا هو معبر مائي يقع بين السويس والجزيرة العربية وتقع فيه جزيرتي تيران وصنافير التي استعادتها المملكة العربية السعودية مؤخرا ضمن اتفاقية سعودية مصرية أعادت ترسيم الحدود المائية بين البلدين. مجددا، لن أقوم بسرد السياقات التاريخية والتحليلة لهاتين الجزيرتين والخلاف عليهما، إذ توجد العديد من المقالات الرصينة التي حللت هذا الجانب بالتفصيل. إنما أريد أن أركز على تبعات هذه الاتفاقية السعودية-المصرية على القضية الفلسطينية.

للأسف كان التركيز الإعلامي على هذا الخبر منصبا على لمن تعود أحقية هذه الجزر، وهل قامت مصر، ممثلة بحكومة السيسي، ببيع أراضيها مقابل الرز السعودي؟ أو هل تملك السعودية حقا سياديا على هاتين الجزيرتين، وتم تغافل ما تعنيه استعادت المملكة لهاتين الجزيرتين. ولم يناقش هذه النقطة حتى كتابة هذا المقال إلا الصحف الإسرائيلية التي انتشت فرحا بهذا الخبر. إذ أن السعودية وافقت ضمن هذه الاتفاقية بالالتزام ببنود معاهدة السلام التي وقعتها مصر مع دولة الاحتلال إسرائيل. أي أن السعودية قد وقعت بطريقة غير مباشرة على المعاهدة ذاتها. أي أن السعودية اعترفت ضمنيا بدولة الاحتلال، الأمر الذي يتعارض تعارضا مباشرا مع نظام مقاطعة دولة الاحتلال إسرائيل السعودي الصادر عام ١٩٦٢ الذي ينص بشكل صريح في مادته الأولى على:

“يحظر على كل شخص طبيعي أو اعتباري أن يعقد بالذات أو بالوساطة اتفاقا مع هيئات أو أشخاص مقيمين في دولة الاحتلال إسرائيل أو منتمين إليها بجنسياتهم أو يعملون لحسابها أو لمصلحتها أينما قاموا وذلك متى كان محل التفاق صفقات تجارية أو عمليات مالية أو أي تعامل آخر أيا كانت طبيعته .”

عندما وقع أنور السادات على هذه المعاهدة انتفضت الشوارع العربية رفضا لهذا التطبيع الصارخ وعقدت القمة العربية اجتماعا طارئا رفضت فيه كل ما نصت عليه المعاهدة ونقلت مقرها من القاهرة وتم توقيف عضوية مصر في جامعة الدول العربية لمدة ١٠ سنوات كرد فعل على هذا التصرف الذي اعتبر خيانة وتنازلا عن القضية الفلسطينية. إلا أننا اليوم نشهد تطبيعا صارخا من أحد أكبر الدول العربية والتي لطالما تغنت بدفاعها عن القضية الأولى للعرب يمر مرور الكرام دون أن ينتج عنه ردة فعل مناسبة لمثل هذا الحدث الجلل. وعوضا عن التركيز على تداعيات هذا الأمر على التعاطي العربي مع الاحتلال وانتقاله من احتلال لدولة طبيعية يتم عقد صفقات واتفاقيات مشتركة معها، انشغل الناس بالاحتراب الداخلي والنزاع على من يملك الأرض السعودية أم مصر، وكلاهما دولتان عربيتان تنازلتا عن الحق العربي في فلسطين للاحتلال الصهيوني.

من المحزن جدا أن نشهد تمرير هذا التطبيع الخطير بهذه الطريقة الناعمة إلا أن مرورها هكذا دون إثارة ردود فعل تليق بحجم القرار قد تكون له مسبباته الواضحة التي تجدر مناقشتها ولفت الأنظار إليها. فمؤخرا بدأت تظهر نزعة عجيبة لدى بعض مثقفي السلطة المنسلخين انسلاخا تاما عن هويتهم وأمتهم ويظنون بغباء أو بمكر أنهم أنما يدعون ويبشرون للسلام بالحديث عن دولة الاحتلال إسرائيل بإيجابية وطلب الاعتراف بها كدولة شرعية والدعوة لتطبيع العلاقات معها ووجوب التقارب معها وبدء علاقات ثنائية بينها وبين البلدان العربية. هؤلاء المثقفين المرتبطين ارتباطا وثيقا بالسلطة كانوا عبر مقالاتهم أو لقاءاتهم أو حتى تغريداتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي يضعون أسس خطاب جديد يهدف لتمييع الصورة المتجذرة في الوجدان العربي عن إسرائيل كاحتلال وتفكيك رمزية هذا الاحتلال عبر تقديمه كأمر واقع يجب القبول به وعبر طرح مقارنات غير متزنة بين وحشية إسرائيل ووحشيه الأنظمة العربية التي ثارت شعوبها عليها وعبر مقارنات لا يمكن وصفها إلا بكونها استشراقية ذاتية تقارن بين تقدم وتطور إسرائيل والمدن العربية التي تحتلها وبين حال العرب. وأنا أركز في مقالي هذا على الكتاب والمثقفين السعوديين الذين علت نبرة مطالاباتهم بالتطبيع العلني مع دولة الاحتلال إسرائيل بشكل يثير القلق في السنوات القليلة الماضية مثل محمد آل الشيخ ومحمد أبا الخيل الذين يمدحون إسرائيل وقوتها في مقالاتهم ويطالبون ببدء علاقات معها قائمة على المصالح.

هذه الدعوات إن استمرت ولم يتم مواجهتها ودحضها قد تؤدي لإحداث تغيير حقيقي وملموس لدى الأجيال القادمة وطريقة تعاطيها مع دولة الاحتلال إسرائيل. وهو أمر أجد أن أثره يتضح في تطبيع السعودية هذا مع دولة الاحتلال إسرائيل. فبعد سنوات من التكييف العقلي وتطبيع التطبيع لدى العامة من قبل مثقفي السلطة كأمثال محمد ال الشيخ ومحمد أبا الخيل وأحد جنرالاتها السابقين أنور عشقي الذي كان يقود حملة إعلامية ضخمة -مسكوت عنها تماما من قبل الحكومة السعودية- للدعوة للتطبيع مع دولة الاحتلال إسرائيل يشاركه فيها الأمير السعودي وصاحب السمو الملكي تركي ابن الملك السعودي الراحل فيصل الذي قام بعمل بطولي لصالح القضية الفلسطينية ألا وهو قطع النفط عن أمريكا- الأمر الذي اتضح زيفه بعد تسريبات وثائق ويكيليكس عام ٢٠١٣-، وضعت الحكومة السعودية المسمار الأخير في نعش ادعاءاتها الوقوف في صف العرب ودعم قضيتهم الأولى فلسطين ووقعت اتفاقية كامب ديفيد مع دولة الاحتلال إسرائيل. نجحت السعودية في تمرير تطبيعها العلني مع دولة الاحتلال دون إثارة أية جدل حقيقي أو حتى ردة فعل تتناسب مع مثل هذا القرار المصيري.

ولا يمكننا حقيقة أن نتحدث عن تطبيع السعودية الذي بدأ يتخذ طابع العلنية مؤخرا، دون الحديث عن تطبيع قطر تلك الدولة العجيبة التي ما فتأت تدعي وقوفها ودعمها للشعوب العربية وهي تتعاون وتتحالف مع أعدائها. بدأت العلاقات التطبيعية بين قطر ودولة الاحتلال منذ عام ١٩٩٦ ووصلت لعرض قطر امداد إسرائيل بالغاز في حال قرر نظام مرسي أن يلغي اتفاقية كامب ديفيد ويقطع إمداد الاحتلال بالغاز. وكصاحب السمو السعودي تركي الفيصل، لم تتوقف اللقاءات والاجتماعات مع قادة الاحتلال الصهيوني، القادة ذاتهم الذين شاركوا مرة تلو الأخرى في قتل وتنكيل الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم وهويتهم وتاريخهم. تطبيع قطر بلغ مبلغا فجا وصارخا عام ٢٠١١ حيث ذهل العرب وهم يتابعون الافتتاح الرسمي لدورة الالعاب العربية الثانية عشرة المقامة في الدوحة إذ عُرضت خريطة مشوهة ومبتورة لفلسطين تقتصر على غزة ورام الله!! كما أن قناة الجزيرة القطرية كانت أول قناة خليجية عربية تضع اسم إسرائيل على خريطة فلسطين في نشراتها الاخبارية، الأمر الذي أثار موجة استياء كبيرة في البداية، ولكن، ولأن هذه هي بالتحديد طريقة عمل التطبيع، اعتاد الناس بعد ذلك على رؤية اسم إسرائيل فوق خريطة فلسطين حتى لم يعد يستنكر الأمر أي أحد. واعتاد الناس على تطبيع بلدانهم الواحدة تلو الأخرى مع دولة الاحتلال حتى لم يعد يثير استنكارهم تطبيع سافر كالذي قامت به السعودية مؤخراً.

التطبيع الناعم

وبعد وصف تطبيع الدول ومثقيفها دعونا نناقش خطورة تطبيع المثقفين الذين يحملون هم هذه القضية ويدافعون عنها.

ضجت مواقع التواصل الاجتماعي الاسبوع الماضي بانتقادات شديدة أو دفاع مستميت لزيارة- أصفها شخصيا بالغريبة- بثينة العيسى وقاسم حداد لفلسطين أو بتعبير أدق للأراضي الفلسطينية التابعة للسلطة الفلسطينية أي أراضي ٦٧.

الكاتبة الكويتية بثينة العيسى كتبت مقالا ردت فيه على المنتقدين ردودا متهافتة وبررت فيه سبب زيارتها لفلسطين وتضمن المقال أيضا دعوة جادة لغيرها من المثقفين المحبين لفلسطين لكسر الحصار الإسرائيلي عليها عبر زيارتها! ومن باب الإنصاف قرأت مقالة بثينة للبحث عن مبرر واحد منطقي لهذه الزيارة فلم أجد إلا تبريرات واهية وغير منطقية ومزايدات فارغة ودعوات ناعمة ورمانسية للتطبيع. وأن كنت أرفض تخوين بثينة أو اتهامها بدفعها لأجندة غامضة – كما قامت هي كما سيأتي ذكره لاحقا- أو التشكيك حتى في حبها ودفاعها عن القضية، إلا أن صدق النية أو الحب لا يمكن أن يكون مبررا لصفاقة التصرف. فالتصرف الخاطئ خاطئ سواء قمت به بدافع الحب أو الكراهية. والتطبيع تطبيع سواء قمت به حبا للفلسطينيين أو كرها فيهم. هذه مغالطة منطقية تعرف بغالطة الشفقة: فلأن بثينة تحب فلسطين فإن فعلها ليس تطبيعيا. والصحيح أن فعلها تطبيعي لأن حبها لفسلطين لا علاقة له بموضوع التطبيع. وبهذه المغالطة بدأت بثينة مقالتها إذ سردت ما سمته حقائق على أنها حجج منطقية تدعم قرارها لزيارة فلسطين قائلة أن الداعي كانت جهة فلسطينية وأنها أقامت في فندق فلسطيني، ولا أعلم حقيقة أين هي الحجة في ذلك؟ تريد بثينة أن تقلل من أهمية وجود ختم إسرائيلي لم تكن لتعبر بدونه وتهميش رمزية هذا الختم بالتأكيد على أن الجهات التي تعاملت معها كانت فلسطينية وأنها نامت في فندق فلسطيني!

ماهي الفائدة الحقيقة في الذهاب بملئ إرادتي وأعطاء الاحتلال القدرة والسلطة على إذلالي وممارسة عنجهيتها علي دون وجود سبب حقيقي؟ أهو جلد ذاتٍ أم مازوخية؟ ماهي الفائدة الحقيقية التي استفادتها القضية الفلسطينية من زيارة بثينة وقاسم؟

أن اذهب بملئ إرادتي بدون أي دافع حقيقي او مبرر مقنع للاحتلال وأسلمه خدي ليصفعه لا لشيء إلا لتصور رومنسي بائس أنني بفعلي هذا اعيش ألم اخي الفلسطيني! الفلسطيني يعيش هذه المآسي اضطرارا وليس جزء من تجربة نفسية او رحلة روحانية لاكتشاف الذات! هذه هي الصفاقة بعينها! إن كان أنصار التطبيع الناعم الرومنسي جادين في رغبتهم في مشاركة اخوتهم الفلسطينيين معاناتهم فسوف اعتبر الختم الاسرائيلي على جوازاتهم نيشان فخر إذا وإذا فقط انتقلوا للعيش في فلسطين وانخرطوا في المقاومة الحقيقية للاحتلال. أما هذه الترهات الفارغة عن التجول في شوارع رام الله لتعيش للحظات بسيطة دور البطولة في رواية للبرغوثي او لكي تلتقط صورة حزينة تشاركها متابعيك المبهورين بشجاعتك الواهية فليس إلا كذب على الذات وتمييع للوقائع وتسطيح للقضية!

وقد صدق تميم البرغوثي إذا قال:

أَحَسبتَ أنَّ زيارةً سَتُزيحُ عن وجهِ المدينةِ يابُنَيَّ

حجابَ واقِعِها السميكَ لكي ترى فيها هَواكْ؟

تتسائل بثينة في مقالها بنفس مؤامراتي بليغ: “من المستفيد من ترويج فكرة التطبيع بهذا الشكل؟” وهذا التساؤل يعرف بالمصادرة على المطلوب؛ إذ تفترض فيه بثينة أن للرافضين لتطبيعها أجندة مسبقة تخدم الاحتلال وهذه مزايدة رخيصة ومناورة رجل القش مفضوحة.

من تخدم هذه الدعاية للتطبيع؟ تخدم نفس الجهة الي تستفيد من هذه الدعوات الصفيقة للتطبيع الناعم، للمقاومة الرومانسية بالورد والموسيقى، بالاستلقاء عزلا أمام محتل عنجهي قاس لكي يدوس علينا لكي نريه ونري العالم أننا مسالمين وأننا نتقن الطرق البلهاء للمقاومة..

عندما يقوم مثقفين عرفوا بدفاعهم عن القضية الفلسطينية أو حتى دعمهم لها بزيارة لفلسطين الواقعة تحت الاحتلال ومحاولة تمرير هذه الزيارة غير الضرورية كفعل مقاومة وتمييع الخطوط الواضحة لرفض التطبيع– الذي يتضمن الاعتراف بوجود دولة الاحتلال والاعتراف بحقها في الوجود على أراضٍ فلسطينية بكل تبعات هذا الاعتراف من تهجير للفلسطين وقتلهم وانتزاع ملكية أراضيهم وطردهم ومنعهم حق العودة- وتشويش معناه لدى العامة فإن هذا له أثر أكبر على الشعوب من تصرفات حكومات قمعية عرفت بتاخذلها واصطفافها الدائم مع الغرب.

إن زيارة فلسطين المحتلة والتقليل من أهمية رمزية وجود ختم الاحتلال على جواز عربي- لن تعلم دولة الاحتلال ولن تهتم إذا ما قامت بثينة برميه أو لا- ومهاجمة الرافضين لهذه “المقاومة الوردية” هو ما يفيد الاحتلال حقا. فمن أين تستمد المقاومة قوتها إن لم يكن من رموزها الواضحة الخالدة؟

من المهم في الختام أن أؤكد على أن تصرفات وقرارات الحكومات العربية من قبل والأن لا تمثل شعوبها، وأن الغالبية من الشعب السعودي لازالت ترفض التطبيع مع دولة الاحتلال رفضا قاطعا وتصر على التمسك بقضية العرب الأولى فلسطين. إلا أنه يتوجب علينا توضيح خطورة هذه القرارات وخطابات المثقفين هذه وتمريرها بطرق ناعمة وخطورة أثرها على تكوين المخيال القومي والثقافي للأجيال القادمة.

“صحيح أن الأنظمة العربية لم تفعل شيئا من أجل المقاومة في يوم من الأيام وإنها عملت حتى على إضعاف القضية الفلسطينية، لكننا كنا وما زلنا نراهن على الشعوب العربية. الشعوب هي المهمة بالنسبة إلينا.” حكيم الثورة: جورج حبش

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

تأريخ العمال وثورة الجائعين

*فاطمة محمد      لم تكن الجزيرة العربية منطقة جاذبة لشد الرحال إليها والعمل بها …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *