الرئيسية / تقارير / أدب السجون

أدب السجون

فاطمة السلمي

يعرّف الكاتب والشاعر السوري ممدوح عدوان في كتابه “حيونة الإنسان” أدب السجون على أنه:

“نوع من الأدب الذي استطاع أن يكتبه أولئك الذين عانوا السجن والتعذيب، خلال فترة سجنهم وتعذيبهم أو بعدها، أو كتبه الذين رصدوا تجارب سجناء عرفوهم أو سمعوا عنهم.”

سأستعرض بعضا من روايات أدب السجون، والتي سطر فيها كُتّابها معاناتهم وتجاربهم، كيف تحملوا رؤية سنين حياتهم تتآكل خلف الجدران الضيقة؟ بماذا كانوا يفكرون؟ وكيف كانوا يقضون يومهم؟ وبأي صبر و إيمان تحملوا الضربات واللكمات واللعنات؟

تدهشك هذه الروايات وتدفعك للتساؤل: كيف يمكن للإنسان أن يفعل بأخيه الإنسان كل هذا؟ ومن أين أتى بكل هذه القسوة والجبروت؟!

تزممارت

تزممارت الزنزانة رقم 10 لأحمد المرزوقي

يعتبر معتقل تزممارت من أشد صفحات تاريخ المغرب قتامة، حيث سجن فيه من تورطوا في محاولة الإنقلاب على ملك المغرب في العاشر من يوليو عام 1971، والتي عرفت بإنقلاب “الصخيرات.” وبعد فشل الإنقلاب، وجد أحمد المرزوقي -والذي كان ضابطا حينها- نفسه في السجن العسكري مع عدد من زملائه، والذين بلغ عددهم ثمانية وخمسون، حيث قضى فيه سنتين ثم انتقل إلى معتقل تزممارات الذي يروي لنا بشاعة عشرين سنة قضاها فيه بهذه الرواية، الصادرة عن دار طارق للنشر عام 2009.

إن أفظع ما حدث هو تساقط المعتقلين الواحد تلو الآخر وموتهم نتيجة القهر والأمراض والجنون، ومنهم من اختار أن يحسم الأمر وينهي هذه المأساة بالانتحار.

يقول المرزوقي بعدما شاهد صديقه محمد لغالو وقد فارق الحياة في زنزانته نتيجة الأمراض التي لحقت به:

“كيف للغالو أن يصمد مدة طويلة على هذا الحال المفجع الرهيب، بينما أصحاب النعيم والرخاء يموتون سراعا كالذباب في عيادات باريس ولندن الباذخة؟ هل خلت البلاد كلها من رجل أبيّ واحد ينتصب في وجه هذا الظلم الذي يهتز له عرش الرحمن سخطا وغضبا؟ ثم قبل وبعد هذا، أي ربح يجنيه الجلادون من كل هذا التنكيل؟ أما كان لهم أن يختزلوا هذا التعذيب الفظيع برصاصة واحدة رحيمة.”

القوقعة

القوقعة: يوميات متلصص لـمصطفى خليفة

لم يدر بخلد الشاب المسيحي مصطفى خليفة بأن حياته ستأخذ منحنى آخر عندما تطأ قدمه مطار بلاده بعد عودته من فرنسا إلى سوريا. تم اعتقاله من هناك وزج به في سجن تدمر لمدة ثلاث عشرة سنة بتهمة الانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين؛ وبسبب وشاية رفعت إلى الجهات الأمنية بأنه تلفظ بعبارات مهينة بحق رئيس الدولة.

ثلاث عشرة سنة تعرض خلالها للجلد والإهانة والشتائم. والأقسى من هذا كله هي العزلة التي عاناها طيلة هذه السنوات. يصف مصطفى كيف للموت بأن يكون جزءا من السجين قائلا:

“ومع الأيام وتتابع سلسلة الموت تكثر الأجزاء التي تموت بداخلنا…تكبر المساحة التي يحتلها الموت.”

كانت روايته مؤلمة بحق؛ فأبشع ما يمكن تخيل حدوثه في السجون قد حدث فعلا لمصطفى خليفة.

ايام من حياتي

أيام من حياتي لـزينب الغزالي

تعتبر رواية أيام من حياتي من أقدم الروايات المصنفة من ضمن أدب السجون، حيث صدرت عام 1999 عن دار التوزيع والنشر الإسلامية. تروي فيها السيدة زينب وهي عضوة في جماعة الإخوان المسلمين ما تعرضت له من محاولة للاغتيال ثم الاعتقال لاحقا والحكم عليها بالسجن إبان حكم الرئيس جمال عبد الناصر.

لايسعك وأنت تقرأ هذه الرواية إلا أن تتعجب كيف لها أن تتحمل كل هذا الضرب والترويع وحبسها في زنزانة متسخة.

تقول زينب في روايتها:

“عندما تصير الأمور إلى الأقزام، وعندما يكون الحل في أيدي الجهلة الغافلين تنقلب السلطة تسلطا ويكون الرأي وبالا والحكم غبنا، لأنه يصدر عن هوى ويشبع ميلا ويقيم زيفا.”

السجينة

السجينة لـمليكه أوفقير

كيف لفتاة تربت في القصور الفارهة محاطة بالخدم وذاقت حلاوة العيش المنعم أن تدفن مع عائلتها في الصحراء لمدة خمس عشرة سنة؟ لقد دفعت عائلة الجنرال أوفقير ثمنا باهظا نتيجة قيامه بمحاولة الإنقلاب العسكري.

قد تظن وأنت تقرأ الرواية بأنها من نسج الخيال. تتحدث مليكة في الرواية عن حياة البذخ التي كانت تعيشها، ثم الانتقال إلى المعتقل، وكيف ساهمت في تعليم أشقاءها الصغار عبر إلقاء المسرحيات واللعب معهم حتى لا ينسوا بهجة ومتع الحياة.

تلخص مليكة تجربتها في السجن بالقول:

“إن التجربة التي خضتها في داخل السجن كانت أغنى ألف مرة من تجارب آخرين خارجه، لقد اختبرت الوجه الآخر للحياة من ألم وخوف ورعب ومعاناة وجوع وبرد… تأملت ماذا تعني الحياة وماذا يعني الموت وتأملت مليا في الخلق والكون؛ واكتشفت نفسي ومن أكون.”

تلك العتمة الباهرة

تلك العتمة الباهرة للطاهر بن جلون

هذه الرواية مستلهمة من شهادة عزيز بنين وهو أحد المعتقلين في سجن تزممارت، أو مقبرة تزممارت كما يقول:

“كان القبر زنزانة يبلغ طولها متر ونصف أما سقفها فواطئ جدا يتراوح ارتفاع بين مائة وخمسين ومائة ستين سنتيمترات، ولم يكن بإمكاني أن أقف فيها.”

يحكي عزيز في الرواية عن والده الذي كان مقربا من الملك ولم يسع إلى إطلاق سراحه، بل طلب من الملك ألا يؤاخذه بما فعل ابنه. كما يصور لنا كيف تصبح الأعمال الروتينية اليومية أمنية لمن تنتزع منهم الحياة بقوله:

“إن أكثر الأمور الإعتيادية تفاهة تصبح في المحن العصيبة غير إعتيادية؛ لا بل أكثر ما يُرغب فيه من أمور الدنيا.”

الرواية نص أدبي فاخر، وحصلت على جائزة إمباك الأدبية. كما أنها مليئة بالمشاهد المروعة التي لا يقبلها ضمير انسان سوي. وستشعرك الرواية بأنك بحاجة لترتيب أولوياتك ونظرتك للحياة، فالشمس التي تراها بشكل يومي كانت أمنية للسجناء لا تتحقق إلا عندما يخرجون لدفن صديق لهم.

يا صاحبي السجن

يا صاحبي السجن لأيمن العتوم

تحكي رواية يا صاحبي السجن عن تجربة الشاعر والروائي الأردني أيمن العتوم عندما تم اعتقاله بين عامي 1996 و1997ك وعن تنقلاته بين ثلاثة سجون: سجن المخابرات، وسجن الجودة، وسجن سواقة. كما تطرقت الرواية للأحداث التي مرت فيها الأردن خلال تلك الحقبة.

يحكي العتوم في روايته، التي صدرت عن المؤسسة العربية للأبحاث والنشر، عن أهمية نظرة الإنسان لنفسه:

“عندما يحتقر الإنسان نفسه من الداخل تتهاوى أمامه جُدر الكرامة ويبدأ يسوّغ كل خطأ ويهون من أمر كل مذلة.”

سجينة طهران

سجينة طهران لمارينا نعمت

“عندما كنت في العاشرة من عمري تمنيت أن أصبح في السابعة عشر. اعتقدت وقتها أنه سيمكنني فعل أي شيء، لكنني الآن سجينة سياسية محكوم علي بـالإعدام.”

مارينا نعمت فتاة إيرانية اعتقلت إبان الثورة الإسلامية وأودعت في سجن إيفين لمدة عامين وشهرين. بعد عشرون عاما من خروجها من المعتقل، قررت مارينا أن تخرج من صمتها في الحديث عن ما جرى لها؛ لذا بدأت روايتها بقولها:

“ما دمت لا أستطيع النسيان، فربما يكون الحل في التذكر.”

تبدأ حكاية مارينا عندما اعترضت على معلمة التفاضل لحديثها في الشأن السياسي، لتقوم المعلمة برفع اسمها بتهمة معاداة الثورة الإسلامية وصلتها بالجماعات الشيوعية. تم الحكم عليها بالإعدام إلا أن الحكم خفف للمؤبد بعد تدخل الضابط بالحرس الثوري، علي موسوي، الذي تزوجها فيما بعد قسرا، لتعاد محاكمتها والحكم عليها بـثلاث سنوات.

الرواية تعطي لمحة عن المجتمع الإيراني من الداخل قبل وبعد الثورة الإسلامية. كما تسلط الضوء على حجم الإنتهاكات التي حصلت في حق كل من عارض الثورة ومنها أحكام السجن المؤبد التي لم تستثني من لم تتجاوز أعمارهم الخمس عشرة سنة حتى.

 

ختاما:

“ما من انسان يدخل السجن ويخرج منه كما دخل. السجن يحدث آثارا تدميرية هائلة في نفسية السجين، آثارا غير منظورة. يكذب عليك أي سجين يدعي أن تجربة السجن لم تغيره ولم تبق معه طيلة حياته.”

 

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

العنف ضد المرأة

فاطمة محمد  تعرف الجمعية العامة للأمم المتحدة “العنف ضد النساء” بأنه “أي اعتداء ضد المرأة مبني …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *