الرئيسية / تُرجمان / صحيفة نسائية هندية تنتقل إلى العالم الرقمي لمحاربة التابوهات الجندرية

صحيفة نسائية هندية تنتقل إلى العالم الرقمي لمحاربة التابوهات الجندرية

وفاء صالحة

وبخ كبار المنزل ميرا* لوصولها بعد حلول الظلام بعد أول يوم عمل لها، وصرخوا بها: “ما نوع العمل الذي يجعلك تبقين خارج المنزل إلى هذا الوقت المتأخر؟ لن تستمري في هذا العمل. أخبريهم أنك لن تعودي الى العمل غدا. ماذا سيقول أهل القرية إن علموا أنك كنتِ في الخارج بمفردك حتى هذا الوقت؟”

كانت ميرا طالبة جامعية في عامها الثاني؛ وكانت تعمل كصحفية للجريدة المحلية الجديدة بهدف تمويل دراستها.

في يومها الأول، قامت وصحفية أخرى، كافيتا*، بعمل لقاءات في قرية تبعد 700 كيلومتر، وحل الظلام قبل وصولهن.

تقول ميرا: “لم أكن أستطيع الرد حينذاك كما أتحدث معك الآن. كنت هادئة ومعتادة على فعل ما أؤمر به. لكن كافيتا تحدثت مع عائلتي وأقنعهم ببقائي في العمل.”

ميرا الآن، وبعد أربعة عشر عاماً، هي رئيسة الصحفيات في نفس الجريدة، خبر لاهريا “أمواج الاخبار”. وهي الجريدة الأولى والوحيدة المكونة من طاقم عمل نسائي بالكامل، معظمهن من طبقات منبوذة ومن خلفيات قروية.

تغطي الجريدة المواضيع القروية والمحلية لولايات اتر براديش، ماديا براديش، وبهار البطرياركية “الأبوية” المتشددة تجاه حقوق النساء. عندما بدأت ميرا عملها، كانت الجريدة تطبع كل أسبوعين وتوزع باليد من قبل الصحغيات اللاتي كن يجلن القرى لجمع القصص والأخبار. أما الآن، فإنها تغزو العالم الرقمي، وتحاول جني المال عن طريق الإعلانات بدلاً من الإعتماد على التبرعات من المنظمات الغير حكومية.

ومع انتشار خدمات الإنترنت والهواتف الذكية في القرى الهندية، اعتمدت “خبر لاهريا” استراتيجية رقمية. تقوم الصحفيات برفع تقارير فيديو، وإرسال تحديثات فورية عبر الواتساب والفيسبوك بهدف الوصول لجماهير جديدة. لقد تم تدريبهن وتزويدهن بهواتف ذكية حتى يقمن بتصوير وإرسال تحديثات عن الأخبار في طور حدوثها. بلغ عدد زوار الموقع، ما بين أبريل ويونيو، أكثر من 700000 شخص، بينما تتمتع الصحيفة -التي تطبع بشكل أسبوعي الآن- بأكثر من 50000 قارئ وفي.

تقول ميرا: “لقد ساعد استخدام الفيديو في زيادة اعتبارنا. فمن ناحية هو سهل الاستخدام ومن ناحية أخرى فهو يظهر للناس أننا متواجدون في مكان الحدث فعلاً والأخبار التي ننشرها هي حقائق، وليست مختلقة. المشكلة الوحيدة التي نواجهها هي عند حصول حدث كبير يستدعي تواجد طواقم إخبارية من القنوات المشهورة، حيث يفضل الناس أن يجروا مقابلات معها أولاً رغم أنني أخبرهم أن هواتفنا الصغيرة تقوم بنفس عمل الكاميرات.”

اجتاحت الثورة الرقمية الهند خلال العقد الماضي، وأصبح بإمكان أكثر من 350 مليون هندي الوصول إلى الإنترنت، عبر الهواتف الذكية غالباً. وبالرغم من أن ملايين الأشخاص في القرى الهندية من دون كهرباء، لكن معظم المنازل لديها شاحن واحد -على الأقل- يعمل على الطاقة الشمسية لشحن بطاريات هواتفهم. ومن دون أجهزة تلفاز أو سهولة زيارة المراكز المدنية الحديثة، تصبح الهواتف الحديثة المصدر الوحيد للترفيه. تقول سوهاز ميشرا -وهي سيدة أعمال مستثمرة في الجريدة: “يبحث الناس في القرى الهندية عن الأخبار المحلية، ولا يوجد أحد يزودهم بها باستثناء خبر لاهريا.”

تقول لاكشميا شارما، منتجة الفيديو لدى الجريدة في المكتب الرئيسي في دلهي: “يمتلك الجميع هاتف ذكي واحد على الأقل. ويحرصون على توفر رصيد كافٍ للوصول إلى الإنترنت حتى لو لم يستطيعوا شراء أي شيء آخر.” تصل التنبيهات إلى هاتف شارما من مختلف أنحاء المنطقة الوسطى، حيث تقوم الصحفيات بإرسال مقاطع الفيديو التي قاموا بتصويرها باستعمال هواتفهن الذكية لها. وعملها هو أن تقوم باستقطاب الأفكار وتحرير الفيديو للموقع وإضافة الأصوات ومتابعة الصحفيات في الميدان.

لم تتوقع شارما أن تصبح صحفية، كمعظم النساء اللواتي يعملن في خبر لاهريا. تقول: “ولدت في قرية مازالت النساء يعشن فيها خلف الستارة” -مشيرة إلى التقليد الذي يعزل النساء. ” المرة الأولى التي غادرت المنزل وحيدة فيها هي عندما بدأت العمل. عندما خضت امتحانات الصف الثامن كنت متزوجة، وعندما أصبح عمري خمسة عشر عاماً أنجبت طفلي الأول؛ لكني لم أستطع البقاء في المنزل والانشغال بالأعمال المنزلية طوال اليوم.”

كانت شارما أول من حصل على هاتف ذكي في العائلة، حيث أهداها إياه زوجها تعبيراً عن دعمه لها. تقول: “لطالما أحببت الأمور التقنية. أنا الشخص الذي يعرف الكثير عن الهواتف والتكنولوجيا في المنزل. يندهش الناس دائماً بمقدار ما أعرفه.”

وبالرغم من أن الهواتف الذكية سهلت التواصل بين الناس إلا أن الاتصال في القرى مازال يشكل مشكلة كبيرة. تقول كافيتا التي ترأس القسم التقني: “تصلني مكالمات من صحفيات يخبرنني أنهن صورن عدة تقارير منذ يومين أو ثلاثة، لكنهن لم يستطعن الحصول على إشارة 3G  لإرسالها. تسافر بعضهن 20 أو 35 كيلومتر بالباص أو على الأقدام للحصول على إشارة لإرسالها.”

تقول شاليني جوشي، المشاركة في تأسيس خبر لاهريا، أنه عندما أُنشأت الجريدة كان هناك عدد قليل جداً من النساء يعملن في مجال الصحافة في ريف الهند، وقليل من الصحف المستقلة. “أقصد بمستقلة التي لم تتأثر بأجندات السياسة أو الشركات. لقد وجدت فجوة في منطقة اتر براديش الريفية، وأردت أن أفسح المجال للمزيد من النساء للعمل في الصحافة أن أؤسس صحيفة مستقلة.”

وتقول أن الصحيفة تهدف إلى سرد القصص من وجهة نظر نسوية. “نحاول أن نمنح النساء صوتاً، وأن نسرد القصص من وجهة نظرهن كلما أمكننا. لدينا صفحة كاملة مخصصة لقضايا النساء في الصحيفة وعمود نسائي على الموقع الإلكتروني.”

مايزال عمل النساء في المنزل هو المتوقع في القرى الهندية؛ ومازال نقل الأخبار ومناقشة السياسة يعتبر عملاً للرجال. وبسبب ذلك فقد واجهت العديد من النساء في خبر لاهريا التهديدات والخطر أثناء عملهن. تقول جوشي: “يتم ترهيب العديد من النساء والسخرية منهن أثناء قيامهن بعملهن. لقد تم تهديد إحدى الصحافيات بشكل جدي من قبل زعيم قرية لدرجة رفضها الخروج من منزلها وإخبارنا بما حدث. لقد اضطررنا للتحدث معها ومواساتها لساعات قبل أن تستطيع العودة لعملها.”

تتذكر ميرا تغطيتها لقصة عن نزاع على أرض ما؛ تقول: “كنت ألتقط الصور خارج المنزل، فقام صاحبه بإدخالي قسراً، ثم سدّ مدخل المنزل بدراجة نارية. قال لي: “إن كنتِ تحبين التقاط الصور، فتعالي لنأخذ بعض الصور في غرفة نومي.” ولكني استطعت الخروج وإبلاغ الشرطة.”

غيّر العمل في صحيفة خبر لاهريا حياة العاملات. تقول شارما: “هذه هي وظيفة أحلامي. لم يكن أهل القرية مؤيدين لنا في البداية، أما الآن فيقولون: “أنتِ أول امرأة من قريتنا تعمل كصحفية.” بل أنهم يقومون بقص مقالاتي وتعليقها على الجدران في أُطر. تأتي الفتيات الصغيرات إلي أحياناً ويقلن: “نريد أن نصبح مثلك يا أختي.” وهذا يُشعرني بالفخر.”

*تم حذف الألقاب بناء على طلب النساء حيث أن استخدامها يؤدي إلى تمييز طبقي.

 

المصدر

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

سيلفيا فيديريتشي: حول الرأسمالية، الكولونيالية، النساء، وسياسات الغذاء.

*ترجمة: مايا سليمان مقابلة مع سيلفيا فيديريتشي حاورها ماكس هايفين نُشر بتاريخ ٣ تشرين الثاني …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *