الرئيسية / مقالات الرأي / ولي الأمر: هروب منك أم معك

ولي الأمر: هروب منك أم معك


د.هند السليمان

 

‏لعقود ظلت الأخبار تنقل لنا أحداث القتال في أفغانستان التي يحركها صراعات الكبار من قبائل ودول وأيدلوجيات متناحرة، بينما ظلت معاناة “الصغار” من أفراد هامشيين بعيدة عنا لا نعرف شيئًا عما يحدث داخل تلك البيوت: كيف تعيش النساء تفاصيل يومهن؟ وما موقفهن مما يحدث حولهن؟ كيف يربين أولادهن وسط تلك الفوضى؟ و‏كيف هي علاقتهن بالرجل؟ وماهي المتع التي يعيشنها أو يخترعنها وسط تلك الحياة القاسية. تساؤلات لا نملك إجابات عليها، ولعلنا لم نكن مخلصين في محاولة معرفة ما يحدث هناك.

‏كل مانعرفه عن نساء الأفغان هو لباس التشادور الذي يغطي كافة جسدهن بفتحات صغيرة عند العين ليسمح ببعض الرؤية. ليصبحن وهن يمشين في  الشوارع كبيوت متحركة مغلقة على عوالمها الداخلية، إلا من شباك صغير يطًلع على العالم.
من الشباك، الصورة تبدو أضيق وقد لا تساعد على رؤية الصورة كاملة. كما أن الشباك يعمل كعازل يمنع المرأة من التواجد الفعال وسط الآخرين والتواصل معهم خارج هذا الشباك. ‏ولأن الروح “نزاعة” وجدت نساء أفغانستان وعبر الشعر متنفس لهن، وتحديداً في شعر اللاوندي.
إن تمعنا قليلاً في هذا الشعر، بقراءه نفسية لا أدبية. سنجده مجالاً لنساء يعبرن فيه عن رغباتهن المحرمة  إجتماعياً بكلمات قصيرة حادة، لاهثة، وصريحة. يعلن فيها رفضهن لقيم مجتمعهن التقليدي، ولنمط عيشهن، وما يُفرض عليهن من شكل للعلاقة مع الرجل ومع أجسادهن. ‏في شعرهن هناك، دوماً، إمرأة تخاطب رجل ما. في خطابها تطلب منه أن يتوقف، ينصت قليلاً، أن يكف عن الفعل وأن يمنحها لحظةً  للفعل. ‏وكأنها تقول له لا تخف، إمنحني يدك، دعني هذه المرة، وهذه المرة فقط، أقودك، وسترى حينها، طريقاً مختلفاً عما إعتدته. ‏طريق أو طرق أكثر جمالاً ومغامرة. إنها تطالب الرجل بأن لا يخاف من اللحظة التي يستسلم فيها لها.  فهي لن تضيُعه معها. فإنها وإن كانت تتبعه طوال الوقت، فلا يعني هذا أنها لا تمتلك أو تعي طريقها الخاص  الذي تخبئه عن الآخرين، القساة.

هو ليس ‏شعراً أيروتيكياً فقط، ولا يمكن إختزاله بذلك، بل هو أيروتيكي بوعي إمرأة تريد أن تختار لحظتها:

“اجمع الحطب وأوقد نارا كبيرة…إعتدت أن أمنح جسدي في وجه النور”.

كما تختار رجلها:

“إذا كنت أتفرس فيك بهكذا إلحاح….فلأني أرى فيك تارة أنك عشيقي المقبل”.

أو أن تعيش متعتها كما تشاء هي، لا وفقاً للوصاية التقليدية:

“يريد عشيقي إبقاء لساني في فمه…لا من أجل اللذة ولكن ليفرض حقوقه الدائمة علي…فمي هو لك…ارشفه ولا تخف… فهو ليس من السكر…الذي قد يذوب”.

إنها إمرأة لا تخاف التواصل مع الرجل أو الحب، فهي تعرف حتى أحاديثه:

“ضع فمك على فمي…ولكن اترك لساني طليقا ليحدثك عن الحب”.

وحتى الخيانة الزوجية تصبح مبررة لزوج يختاره المجتمع فيتم وصفه شعراً بالبشع الصغير، في إيحاء إنتقاصي لعضوه وقدراته الذكورية:

“يا حبيبي…اقفز الى سريري…ولا تخش شيئا…وإذا انكسر…فإن البشع الصغير…هنا لإصلاحه…عندما تأتي الينا…يا عاشقي…يغضب البشع الصغير…فلا تأتي بعد الآن…أنا التي سأمد لك فمي…من صفقة الباب”

الشعر هنا، ماهو إلا نداء خافت عذب لإنهاء ولاية الأمر، على المشاعر ورغبات الجسد. إنها صرخات نساء تقول  للرجل امنحني يدك ولنهرب سوياً من غباء هذا العالم الذي يقتل لذاتنا ورغباتنا. إنه يخنق متعتنا بإشتراطاته لشكل علاقتنا، عبر فرضه لك أن تكون أنت قامعي. إنهن لا يريدن الهروب من عالم الرجل، بل هو هروب معه لعالم أجمل، ليستطيع كلاهما التحرر من سطوة هذا المجتمع، وكأن إستغاثاتهن الشعرية ماهي إلا محاولات لإنقاذ وتحرير ذاتها وكذلك شريكها، الرجل.

لا ندري ما الذي أحدثه هذا الشعر في المجتمع الأفغاني، ولا نعرف مصير من كتبنه، فحتى أسمائهن ظلت مجهولة. ‏ولكن نداء المرأة للتخلص من سطوة المحرم تكرر في أماكن أخرى بأشكال مختلفة. فإن كان الخطاب الشعري لنساء الباشتون يرتكز على التحرر وجدانياً وجسدياً، وهو أمر يتناسب والنص الشعري، فإن الحملة الحالية للمطالبة بإلغاء الولاية في السعودية ترتكز على مطالب حقوقية لتحقيق تغييرات إجرائية قانونية محددة. هذه المطالبات تتخذ فضاء الإنترنت مجالها الأوسع، متخذه شكل هاشتاقات تتجدد يومياً، تُقدم فيها مبررات أو قصص لنساء يتعرضن للظلم بسبب نظام الولاية المجحف. بالإضافة لخطاب معروضي يستهدف جمع أكبر عدد من الموقعين تأييداً لتلك المطالب.

‏ما الذي يجمع نساء أفغانستان ونساء السعودية بخلاف غطاء الجسد الكامل المفروض عليهن؟ كلاهما تشكلت لديهن فئات تطالب بالتخلص من وصاية الرجل المفروضه عليهن، كل منهن بطريقتها. ليس أن المرأة الأفغانية أكثر شاعرية لتتخذ مطالبها شكلاً شعرياً، بينما المرأة السعودية أكثر عملية فتتخذ مطالبها شكلاً قانونياً. فمن المؤكد ‏أن في أفغانستان ناشطات في المجال الحقوقي وكذلك لنساء السعودية أشعارهن الأيروتيكة التي يخبئنها في دفاتر أسرارهن أو يبثثنها عبر مواقع التواصل الإجتماعي بأسماء مستعارة. ما يهم هو أن المطالبة ذاتها تتخذ أكثر من شكل واحد. ليصبح السؤال المطروح هنا، إن كان للمطالبة أكثر من شكل، فهل معنى هذا أن هناك طريقاً لتحقيقها أفضل من آخر؟ وهل الهاشتاقات أو رفع خطاب لمسؤول قادر على إحداث التغيير المطلوب؟ أم أن كتابة ذاك الشعر بأسماء خفية، يثير الخيال، ويحرك المشاعر، ويستنهض تساؤلات عن الواقع هو القادر على إحداث ذلك التغيير؟

‏‏للإجابة على هذه الأسئلة لننظر للموضوع من زاوية أخرى. أغلب الناشطين في الهاشتاق الخاص بإلغاء الوصاية هم إما نساء عانين من الأمر ويردن حياة أكثر كرامة، أو رجال ونساء من المهتمين بالشأن الحقوقي والثقافي في المجتمع. أي ما يمكن أن نطلق عليهم مثقفين، وإن كان المسمى مجازي هنا. مالذي يعنيه أن تكون مهتم بالشأن الثقافي في المجتمع؟ وما دور أو تعريف المثقف؟ أليس المثقف وبأسهل تعريف، هو من يمتلك مشروع  فكري متسق لإعادة تفكيك الأفكار التقليدية السائدة ومن ثم إعادة بنائها بما يتناسب وطبيعة العصر الذي يعيشه المجتمع. فمجال عمل المثقف هو الأفكار، عبر قرائتها نقدياً لمحاوله حلحلتها وكشف تناقضاتها لإيجاد طرق أفضل لمعالجتها بعيداً عن السائد والمرضي عنه. فإن كان دور المثقف تفكيكاً للأفكار السائدة، ألا يفترض أن يكون هو ذاته قادر على تجاوز هذه الثقافة على المستوى الشخصي؟ هل إستطاع المثقف سلوكياً تجاوز السائد بما يتناسب والخطاب الذي يدعو إليه؟ نستطيع أن نكتب أجمل الأفكار والروئ في مواقع التواصل الإجتماعي ويبقى الأهم هنا، وقبل تفكيك خطابات المجتمع، تفكيك الخطابات الداخلية ‏لدى حامل الخطاب لإعادة تشكيلها بتناقض أقل. هذا التناقض الآتي من ثقافة تقليدية في رؤيتها للعالم والآخر من جهة، ومن جهة أخرى قراءة تنويرية تؤسس لرؤية للعالم والآخر وفق قيم ومفاهيم مختلفة. لا يعني هذا أن المثقف يمارس النفاق الإجتماعي، فجميعنا نحمل درجة من التناقض، نحن بشر ولسنا مياه كاملة النقاوة، هذا إن وجدت هذه المياه.

بمعنى آخر، هل تم تحويل الخطاب التحديثي الذي يطرحه المثقف إلى سلوكيات يمارسها شخصياً على أرض الواقع؟ المثقفين رجالاً ونساء ممن إشتغلوا على خطابات رفض الولاية، إلى  أي درجة إستطاعوا على المستوى  الوجداني التخلص من مفهوم “المحرم”؟‏ وهنا نتسائل عن الوجداني لا السلوكي، فطموحنا متواضع وواقعي. ولسؤال أكثر تحديداً: هل يستطيع  المثقف أو المثقفة التعامل مع مثقف آخر بذات  الطريقة بإختلاف الجندر؟ فمثلاً، إن تواصلت مثقفة مع زميل مثقف لإجراء نقاش ثقافي ألا يستحضر كل منهما حقيقة إختلاف جندرهما؟ قد يقول أحدهم ولكن هذا يحدث في كل مكان. نعم هو يحدث، ولكن لدينا يحدث -إن حدث- لدرجة أن يصبح الحديث كحديث شخصين مصابين بالحبسة اللغوية. هذا بإفتراض حسن النية عند الطرفين أما في حالة سوء النية فتصبح دعوة النقاش مجرد غواية لتحقيق علاقة محتمله. الأمر ليس إلقاءً للتهم على المثقف، فكلنا متورطون بشكل أو بآخر بهذه الثقافة، بقدر ماهو تبيان لحقيقة أننا نحتاج لأكثر من زاوية للعمل عليها.

من السهل أن ترفع خطاباً لمسؤول تطالب بتغيير ما، لتقابل بالرد المعتاد: “المجتمع غير جاهز”. إن تأملنا العبارة، هي عبارة ليست عبثية خالية تماماً من الصحة، حتى وإن أسيء إستخدامها كشماعة لإبقاء الحال على ماهو  عليه إرضاءً لأطراف معتبرة في المجتمع. ولا نقصد هنا أن لتحسين وضع المرأة على أفراد المجتمع جميعاً أن يتغيروا، مقابل الفكرة النقيضة التي ترى أن على المسؤول وحده مسؤولية تحقيق التغيير المنشود. إنها ليست قضية على وزن البيضة أم الدجاجة. التغيير يتطلب تغيير البنية المؤسسية وكذلك الذهنيات التي تتفاعل معها. ففي المحصلة “المحرم” ثقافة جميعنا نحملها، والقانون كرسها. العملية متداخلة، فالعمل الحقوقي خطوة جيدة تدل على نمو الوعي لدى الناشطين فيه، ولكن الأمر يتطلب وجود خطاب داخلي عميق وصلب بداخل الأفراد حول الآخر والعلاقة معه، ليدعم الخطاب الخارجي الموجه للمسؤول. فالمسؤول ليس وحده الفاعل هنا، بل الذات أيضاً. قد تكون لخطابات المطالبة فعاليتها، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ولكن من المهم تأسيس واقع ما، يبدأ من الفرد ذاته في علاقته بالآخر أثناء انتظار إصدار الفرمان المنشود. ومن جهة أخرى، تواجد أفراد سلوكياتهم اليومية تعد تمثيلاً فعلياً لخطاب المثقف، دون أن تستحضر هذه السلوكيات إدانه أخلاقية صارخة، يقلل المخاوف من التغيير التي تطالب بها نخبة ما. مخاوف يستحضرها أي تغيير قد يفتح باباً لمستقبل مجهول. بالإضافة إلى أن المخاوف تتضاعف في موضوع كهذا: مجموعة نساء يطالبن بالتمرد على الرجل، “تقودها نسويات غاضبات يكرهن الرجال”. ومن هنا فإن إستحضار شعر نساء أفغانستان في هذه المقالة فهو للفت النظر، إلى أنه حتى النساء اللاتي يردن الإستمتاع مع وبالرجل، بل ويعلن عن رغباتهن الجنسية بإقامة علاقة شغوفة مع الرجل يردن أيضاً التخلص من الولاية. لأن الولاية لا تساعدهن على إكتمال لذتهن مع شريكهن، الرجل. وبالتالي يصبح المطمح ليس هروباً من الرجل، بل هروباً معه لعالم أفضل.

 

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

الظهور الثالث للمرأة – وكاريوكا التي أحببناها

    *مصطفى شلش ليس من السهل أبدًا الكتابة عن الحركة النسوية وخصوصًا إن كنت تُحسب …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *