الرئيسية / مقالات الرأي / دعوة لمقاطعة أبناء البلد

دعوة لمقاطعة أبناء البلد

رزان الحمّاد

 

على الرغم من أن المرأة السعودية فردٌ فاعلٌ في المجتمع كما الرجل، إلا أنها حتى الآن تعاني من القيود التي تعيق مواصلتها في تحقيق ذلك، أحد هذه القيود هو سلبها حقها في التنقل بحريّة، فالدولة لا تسمح بقيادة المرأة للسيارة، وتشرّع نظام الولاية على المرأة، والذي يجعل حركتها مرهونة بموافقة ولي أمرها.

الغالبية العظمى من العوائل السعودية، تملك سائقًا لنساء العائلة، بينما العوائل غير المقتدرة، والنساء المستقلات ذوات الدخل المحدود، وإن تيسّر لهم شراء سيارة بالأقساط، يبقى مع ذلك عبيء توفير راتب شهري للسائق، وتحمّل نفقات سكن خاص به، مما يجعل طلب سيارة الأجرة يوميًا ضرورةً وحاجة، في ظل انعدام المواصلات العمومية، فالمرأة تستقطع من مصدر دخلها الأساسي، لكي تستخدم وسيلة مواصلات لا تملكها ولا تخوّلها لممارسة ما تريد، عوضًا عن المضايقات التي قد تتعرض لها النساء السعوديات من بعض السائقين بلا رقابة، وبلا قانون واضح يجرّم التحرّش.

“أموال البلد أحقُّ بها أبناء البلد” هذه الجملة التي رد بها شاب، يعمل كسائق في إحدى شركات المواصلات (أوبر – كريم) ليقنع فتاة سعودية، بأن استخدامها لشركات المواصلات، أوفر بكثيرٍ من أن تشتري سيارة تملكها! جعلت الجميع يتساءل مالذي يمنع هذا الشاب من أن يوفر ماله ويستغني عن سيّارته؟

تلى ذلك نقد شديد للخدمة المقدمة من تلك الشركات وسائقي سيارات الأجرة تحت وسم #معًا_لمقاطعة_أوبر_وكريم

فكانت حملة مقاطعة الشركات هذه، مما تسبب بغضب جامح من جانب العاملين فيها، الذين اعتبروا المقاطعة رفضًا لقرار سعودة الشركات، وحسدًا على مكاسبهم، وكأننا أنداد هنا لا “أبناء بلد”، والدولة هنا هي المسؤول الأول عن ذلك، فهي تضع منفعة جنس على حساب جنس آخر، ما يجعل المرأة تعتقد أن الرجل هو المتسبب في ذلك، وتجعل احتجاجها موجهًا ضده، على الرغم من أنه ليس له يد في تشريع القوانين أو منعها.

استعصى على البعض من كلا الطرفين، فهم دوافع المقاطعة، والتي تندرج تحت عنوان رفض الجشع والاستغلال، فشركة أوبر في شركة يونيو من هذه السنة، كشفت عن تركيز معظم استثماراتها في الشرق الأوسط، وأن ٨٠٪ من عملائها بالسعودية هم من النساء. بالطبع لن تسمع تصريحًا مشابهًا لهذا، عن أحد الدول الأخرى التي تتوفر فيها خدمات أوبر، ففي الدول الأخرى التي تمنح الأفراد حق حريّة التنقل، وحق القيادة لكلا الجنسين، وتوفّر وسائل نقل عامة للشعب، لا يكون فيها الفرد مضطرًا لطلب سيّارة أجرة يوميًّا.

نُشر هذا الخبر بعد إعلان رؤية المملكة العربية السعودية ٢٠٣٠، والتي استبقتها الكثير من التنبؤات بتغييرات جذريّة تتعلق بالمرأة، تفائل بها الكثير من النسوة والرجال، أملًا في تحسين الوضع الراهن، وإزالة القيود المفروضة عليهن، إلا أن الرؤية اكتفت بوضع خطة تهدف إلى زيادة مشاركة النساء في سوق العمل بنسبة ٣٠٪، دون التطرق لما دون ذلك، مما أدى إلى الشعور بالإحباط والخذلان، فالرؤية لم تقدم مكانًا واضحًا تقف فيه المرأة، لتكون جزءًا منها. الأمر الذي دفعهنّ لمواصلة المسير في المطالبة بحقوقهن، أقوى من ذي قبل، وبجهودٍ لم يكن لها مثيل، فبدأن وسم المطالبة بإسقاط الولاية منذ ثلاثة أشهر ومازال قائمًا.

أي إنسان يطالب بالحقوق البديهية كحق المرأة السعودية في حريّة التنقل كيفما شاءت، سيدعم حقّ الرجل السعودي المشروع في أن ينتهز فرصة كهذه لكسب الرزق ولأجل تحسين وضعه الاقتصادي. بينما هؤلاء الذين رفضوا المقاطعة، منهم من اعتبرها كتهديد لمصدر رزقهم، مرجعين سبب المقاطعة إلى قرار سعودة شركة أوبر وكريم، ويمكن الرد على هذا الاحتجاج بأن تطبيق كلا الشركتين لا يتيح لصاحب الطلب اختيار جنسيّة السائق مسبقًا. هؤلاء المعارضين والقائمين على هذه الجهات، لا يمكن أبدًا أن يدعموا حق المرأة في القيادة، ما داموا يرون في سلب هذا الحق كسبًا لهم، وعلى الرغم من ذلك تُظهِر هذه الجهات نَفسَها بصورة المساند للمرأة، القائم على تلبية احتياجاتها، ففي صحيفة مكة نُشِرَ مقالٌ قديم في عام ٢٠١٤، عن التطبيقات الذكية التي تحل مشكلة مواصلات النساء، واصفةً إياها “بوسيلة النجاة” التي أعانت المرأة على الاستعانة بالتدابير والبدائل المتاحة لها! وهي في الحقيقة ليست إلا جهات تستغلّ قوانين الدولة، فمثلًا السائقين المعنيِّين بإيصال معلمات المدارس الواقعة في قرى بعيدة عن مقر سكنهن، يدفعهم الجشع لطلب مبالغ طائلة، وفرض قوانين لا حصر لها، كدفع الرسوم حتى في الإجازات، ودفع مبلغ محدد من قبل السائق، لحجز مقعد في السيارة قبل بداية العام الدراسي، ويرضخن لذلك إجبارًا، فلا يمكن أبدًا لهؤلاء المعلمات أن يقاطعن، مقاطعتهن يعني أن يخسرن وظائفهنّ، كل هذه القوانين اعتباطية ومجحفة في حق المرأة العاملة، لا تلتفت لها الدولة ولا تقوم بفرض قوانين محددة لتحمي حقها كمستهلك.

وعلى الرغم من أني أرفض المقاطعة، لأنه لا حل آخر، وبجميع الأحوال لن تستطيع المرأة مقاطعة الجهات كلّها، والتوقف عن الذهاب للعمل أو للجامعة. إلا أنني أفهمها وأفهم أنها شكل من أشكال الاحتجاج. طالما أنها موجّهة أولًا للمشرّع، وتعبّر عن رفض النساء للقوانين التي يبثّها، والتي تكرّس ثقافة التمييز وعجز المرأة، وثانيًا لمن يستغل هذه القوانين بعيدًا عن رقابة الدولة، لا للسعوديين العاملين فيها. مقاطعة هذه الجهات هو رفضٌ لأن تستمر كحل سحري للمشكلة.

 

 

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

دعوة لـ“إنتاج نقاش معرفي تشاركي“، عن المعرفة المتموضعة وسؤال الموضوعية عند دونا هارواي

*مريم الهاجري • الإنتاج المعرفي للنسوية مقدمة تركز هاراوي في مقالتها(١)، على مفهوم المعرفة المتموضعة، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *