الرئيسية / مقالات الرأي / نضال السعوديات: يأس يضيء ولا يحترق

نضال السعوديات: يأس يضيء ولا يحترق

*غادة بن عميرة

ماهي النسوية؟

كأي حركة فكرية سياسية، توجد تعريفات عديدة ومتباينة للنسوية بتعدد وتباين التيارات النسوية الموجودة اليوم، التي قد تتفق مع بعضها وتختلف مع بعضها الآخر تماماً. ولكنني شخصيا أعرف النسوية بمفهومها الأوسع والأعم كحركة فكرية حقوقية سياسية ترفض التمييز القائم على الجنس/ الجندر وتسعى لتحقيق المساواة الحقوقية بين أفراد المجتمع وضمان حصول النساء خاصة على حقوقهن. النسوية اليوم لا تعني أمرا واحدا بل هي مجموع حركات سياسية وفكرية بدأت منذ القرن التاسع عشر في أوروبا ثم انتشرت عبر العالم ونمت وتطورت وتغيرت وستستمر بالتغير والتطور والنمو؛ لذا لايمكن حصرها بتعريف واحد ضيق. ولا يجب على المناضلة في حقوق المرأة أن تُعرف نفسها كنسوية، وقد لا تفقه الجدل الأكاديمي حول المصطلح ولا تعلم ألف باء نضال كما يراه المنظرين، ولكن هذا لا يعني أنه يحق لأي كان أن يملي على النساء كيف يناضلن من أجل حقوقهن أو أن يصمهن بالجهل أو التبعية.

نضال المرأة السعودية

تناضل المراة السعودية على جبهتين متقاطعتين ومتداخلتين؛ جبهة مع الرجل ضد السلطة الشمولية، والجبهة الأخرى مع المرأة ومن أجل المرأة وحقوقها المسلوبة بسبب التمييز الجندري. نعم توجد الكثير من الحقوق التي يحرم منها الشعب بجنسيه؛ والنضال من أجلها ضروري ومشروع، والمرأة تناضل فيه بكونها إنسان لا بكونها امرأة (أي نضال غير نسوي أو غير جندري) فالحقوق هذه حرم منها الإنسان بسبب السلطة الشمولية؛ فالحالة الحقوقية في المملكة العربية السعودية متدنية جدا ، ونعم يعاني المجتمع بجنسيه من اضطهاد وقمع وسلب لحقوقه وحريته بغض النظر عن جنسه. وكان للمرأة السعودية، كما الرجل، دور فعال ومهم في الحراك الحقوقي السعودي، فالمرأة شاركت في حضور محاكمات الاعتقال التعسفي، كما خرجت وشاركت في المظاهرات، وسجنت مثلما سجن الرجل في سبيل المطالبة بحقوق المجتمع السياسية. كما أن المرأة كتبت وقاومت من أجل هذه الحقوق ووقعت وشاركت في البيانات المطالبة بالإصلاح إلى جانب الرجل. بالإضافة لأن العديد من حملات المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين أو رفض الاعتقال التعسفي أو رفض القوانين السياسية القمعية الجائرة تبدأها وتقوم عليها سيدات؛ فهن من يكتبن السير وينشئن المواقع ويترجمنها ويتواصلن مع الإعلام من أجل نشرها.

ساهمت المرأة في كل هذا النضال السياسي إلى جانب الرجل وهي لا تستطيع الخروج من منزلها بدون إذن، ولا تملك وسيلة نقل وتعاني من تسلط ذكوري فرضه عليها النظام السياسي الذي تناضل ضده بجانب الرجل. لذا فالمرأة تواجه عوائق في نضالها السياسي ضد الدولة الشمولية لا تعد ولا تحصى. ومع ذلك نجد أنها شريكة لها ثقل سياسي وحركي في النضال الحقوقي السعودي ضد الدولة الشمولية.

أما النضال الأخر، فهو نضال نسوي ضد النظام الأبوي وذكورية المجتمع تسعى فيه المرأة للمطالبة بحقوقها التي حرمت منها لأنها ولدت أنثى فقط. تسلط السلطة الشمولية سوط قانون الولاية على أعناق النساء السعوديات فتحرمهن من التمتع بحريتهن واستقالالهن المستحق كأفراد بالغات عاقلات راشدات. إذ لا يوجد سن رشد قانوني ومحدد للمرأة السعودية، فهي حسب قانون الولاية تظل قاصرا حتى تموت. وقانون الولاية هذا هو قانون مبني على التمييز الجندري في صميمه، فالرجل لا يخضع للولاية لمجرد أن رجل فقط، فهو يحصل على استقلاله القانوني الكامل ما أن يبلغ الواحدة والعشرين من عمره. أما الولي فلا يشترط أن يكون رشادا قانونيا، فأي ذكر كبر أو صغر يمكن أن يكون وليا على المرأة. وبهذا يكون النضال ضد قانون الولاية الذي تفرضه الدولة ويطبقه الرجال، سواء مقتنعين فيه أو رافضين له، نضال نسوي. فطالما أن القمع يقع على المرأة لأنها امرأة فقط فالنضال ضده هو نسوية بالضرورة، لأن النسوية في أساسها رفض للتميز القائم على الجنس/ الجندر.

ويجب علينا تسلط الضوء والحديث عن معاناة النساء والصعوبات البالغة التي يواجهنها في سبيل نضالهن من أجل حقوقهن في المجتمع السعودي الذي يضع قيمة بالغة على أهمية العائلة، والتي كثيرا ما تكون فوق كل اعتبار.. بل إنها قد تكون أهم بكثير من حياة النساء في هذه العائلة. عندما يناضل الرجل فهو عادة ما يناضل ضد سلطة لا تربطه بها صلة قرابة؛ فهو يقف في وجه كيان لا ملامح له. بينما تضطر النساء في نضالهن ضد النظام الأبوي لمواجهة آبائهن وإخوانهن وحتى القبيلة والمجتمع كاملا، كل هذا في ظل نظام يحرمها من جميع حقوقها. فَلَو جمعت شجاعتها للوقوف في وجه ولي أمرها فلن تستطيع الوقوف في وجه أنظمة الدولة التي ستنقلها من سجن لآخر حتى يقبل ولي امرها باستلامها مجددا؛ وهو الأمر الذي نادرا ما يحدث.

هل نضال المرأة السعودية هو نضال ضد الرجل؟

المتتبع لمواقف الرجال من حملات المطالبة بحقوق المرأة سيظن للوهلة الأولى أن نضال المرأة السعودية لنزع حقوقها هو نضال موجه ضده كرجل. وهذا أمر عار من الصحة وينبع من ذكورية الرجل الذي يظن واهما، وبسبب عيشه في بيئة ذكورية بحته أنه مركز الكون، ولأنه يرى أن حصول المرأة على حقوقها سيجرده من مكتسابته التي تَحصل عليها ضمن هذا النظام الذكوري الذي يعطيه سلطة مطلقة على المرأة، أي امرأة وكل امرأة (لا نستثني الذكوريات من السياق السابق ويقع عليهم ما يقع على الرجل إلا أنهن على عكسه، يظنن أن الرجل، لا أنفسهن، هو محور الكون).

نضال المرأة ضد الرجل، ليس لأنه ذكرا فقط أي ليس بسبب جنسه، ولكن لأن الرجل هو العنصر الفعال في عملية اضطهاد المرأة، سواء من ناحية الحكومة التي تتشكل كاملا من رجال وهم من يصدرون هذه القرارات الذكورية السلطوية الظالمة للمرأة، أو من أولياء الأمور الذين هم رجال بالضرورة، أي جنسهم ذكر، فيظهر أن صراع أو نضال السعوديات أو النضال النسوي السعودي هو نضال ضد الرجل لجنسه وهذا غير صحيح على الإطلاق. فنجد أن النساء النسويات و المناضلات الاتي قد لا يعرفن أنفسهن كنسويات متزوجات من رجال ويحببن رجال وينجبن رجال فمشكلتهن ليست مع الرجل كفرد معزول عن هذا السياق الذكوري بتمظهراته سواء كسلطة أو كولي أمر؛ ولكن ما إن ندخل في سياق مقاومة السلطة الذكورية بشقيها، فالنضال أكيد موجه ضد هذا النظام الذي يُفعله أو ينفذه الرجل سواء كفرد في الحكومة أو كولي أمر.

نضال المرأة السعودية اليوم يشبه لحد كبير نضال النسوة السود في القرن الماضي. فهن كن يناضلن على جبهتين أيضا، ضد العنصرية وضد الذكورية. فهن كن يناضلن من أجل الحصول على حقوق السود السياسية في التصويت والتمثيل السياسي بجانب الرجل وضد العنصرية، ومن جهة أخرى كن يناضلن من أجل حقوقهن كنساء في مواجهة ذكورية الرجال السود والبيض معاً. وللأسف وبعد حصول الرجال السود على حقوقهم السياسية طالبوا النسوة السود من أن يقبلن بأن يكن في مرتبة ثانية ويرضين بدور الداعمات للرجل في معركته لنيل حقوقه وألا يطالبن بحقوقهن التي لم تكن ذات أهمية من وجهة نظرهم.

من المؤسف أن نرى الرجال يرحبون بمساعدة النضال النسائي ضد السلطة ويشيدون به ولكن عندما يصبح النضال ضد الذكورية نجد ردود فعل معارضة أو تقلل من أهمية نضالها ضد النظام الأبوي الذي يعد الرجال فيه عنصرا فعالا يقويه ويزيد من نفوذه وسيطرته. فإن كان هؤلاء الرجال يحاربون على جبهة فإن النساء السعوديات يحاربن على جبهتين!

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

بماذا تطالب المرأة السعودية في العهد الجديد؟

  د. هتون أجواد الفاسي تمر بلادنا بمرحلة تغيير مثيرة للاهتمام.. للجدل.. للاحتفاء.. للتحليل والتفكير.. …

تعليق واحد

  1. حتى النضال السياسي بشقيه للذكور والإناث نضال ضد نظام أبوي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *