الرئيسية / دراسات وأبحاث / المرأة في الخطاب السعودي

المرأة في الخطاب السعودي

womens

 

*نهى صالح

رغم التقدم الذي شهده ملف حقوق المرأة في السعودية في السنوات الأخيرة، إلا أنه مازال بطيئا وشكليا ولا يوافق التطلعات.  وهو يبدو كما لو كان يعالج مشاكل المرأة في التسعينات، في حين أن الفتاة السعودية أصبحت ترغب بالمزيد، ولم يعد كافيا أن تعين بضعة نساء من الطبقة المرفهة لتمثيلهن في مجلس الشورى.

إن المطالبات الأخيرة التي عبرت عنها شريحة عريضة من النساء بإلغاء قانون الولاية على المرأة والسجال الشرس حول هذا الموضوع يعيدنا إلى لب المشكلة التي تدور حولها قضايا المرأة وتعود إليها: المرأة في السعودية مواطن من الدرجة الثالثة، بعد الرجل والصبي. هذه الحقيقة أنتجتها وشكلتها خطابات عدة تعاضدت سوية ضد المرأة: الخطاب السياسي، الخطاب المؤسساتي، الخطاب الديني، والخطاب الاجتماعي. وهذا الأخير تشارك فيه المرأة أيضا – بصفتها عضوا في المجتمع – ضد نفسها وجنسها بوعي أو دون وعي.

ما المقصود بالخطاب هنا؟ إن ما استندنا عليه في هذه الدراسة هو خطاب ميشيل فوكو، وهو كما يعرفه “مجموعة من المنطوقات بوصفها تنتمي إلى ذات التشكيلة الخطابية، فهو ليس وحدة بلاغية أو صورية […] بل هو عبارة عن عدد محصور من المنطوقات التي تستطيع تحديد شروط وجودها”[1]. وهذه التشكيلة الخطابية هي عبارة عن منظومة المنطوقات العامة. فالخطاب إذن، وممارسات الخطاب خاضعة لقواعد وشروط، كما ترتكز على دعامة مؤسساتية وظيفتها هي الحفاظ على الخطابات وتوجيهها وإنتاجها وإعادة إنتاجها. هذا الإنتاج خاضع لعدد من الإجراءات، فهو “إنتاج مراقب، ومنتقى ومنظم، ومعاد توزيعه”[2]. إن ما يعنينا في هذه الدراسة هو الخطاب من حيث هو حلقة الوصل بين ثنائية السلطة / والمعرفة، وكيف يمكن لهذا الخطاب أن ينتج المعرفة ويشكل الوعي. وسأستعرض في هذه الدراسة أنواع الخطاب في المجتمع السعودي وصورة المرأة في هذه الخطابات.

 

الخطاب السياسي / القانوني:

حين أتحدث هنا عن القانوني أو السياسي في فقرة واحدة وأستخدم أحد المصطلحين للحديث عنهما كليهما فذلك للأسباب التالية: أولا: ضبابية الخطوط التي تفصل بين مهام وصلاحيات السلطات التشريعية والتنفيذية.

ثانيا: قيام السياسي بدور القانوني والسياسي معاً.

ثالثا: غياب الدستور والقوانين المكتوبة.

رابعاً: جهل المواطن والمواطنة بحقوقهم وبما لهم وما عليهم وبتلك القوانين المكتوبة، وجهل كثير من الموظفين بها كذلك، فالموظف قد يطلب منك ما ليس موجودا في اللوائح التي يعتليها الغبار داخل درجه.

خامسا: غياب الجهات القانونية المحايدة، فما يمرر عبر هذه الجهات إنما يعبر عن رؤية وأهداف السياسي. فبلا شك، من يسن القوانين ويصوغ التشريعات ومن يقوم على تنفيذها هي السلطة السياسية وحدها وذلك حسب ما تراه مناسباً. وقد يختلط لدينا الخطاب السياسي بالديني أيضا، لاعتبارات عدة: أهمها أن المناهج والفتاوى الدينية بموافقة وتفويض السياسي، كما أن مناصب الإفتاء بتعيين من السياسي. لكني سأتحدث بالتفصيل عن الخطاب الديني لاحقا، وأعود إلى نظم إنتاج الحقيقة عن دور المرأة ومكانتها في الخطاب السياسي.

على مدى هذه السنوات كانت المرأة تعاني وهي ترى أنها تأتي ثانيا وثالثا بعد الرجل، في حق التعليم، في حق العمل التوظيف، حصولها على الهوية الوطنية، وصولها لمجلس الشورى، وصولها لمناصب وزارية، حصولها على رخصة محاماة. وما زالت قائمة الحقوق تنتظر: إلغاء قانون الولاية، والذي يكفل لها حق تقرير مصيرها دون تقييد أو منع من وليها الرجل، حق قيادة السيارة، حق حصولها على القرض العقاري قبل سن الأربعين ودون زواج، وغيرها الكثير من حقوق المواطنين رجالا دون النساء.

مما يعود بنا إلى “الحقيقة المدعاة” عن نقصان الأهلية والكفاءة لدى المرأة السعودية، هذه الحقيقة التي ترتبط “بأنساق السلطة” كما يقول ميشيل فوكو، “السلطة التي تنتجها وتدعمها وبالآثار التي توّلدها وتسُوسها”.[3] وقد نتساءل هنا، كيف يمكن للمرأة أن تقبل بهذا الخطاب، وترضى بقوانين تنتقص من قدرها وتهضمها حقها؟ ويجيب فوكو: “إن ما يجعل السلطة تستوي في مكانها ويجعل الناس يتقبلونها فلا تثقل عليهم كقوة تقول لا، لأنها تنتج الأشياء، وتستخلص اللذة، وتصوغ المعرفة، وتنتج الخطاب”. [4] إذن نحن أمام مؤسسات رسمية تنشر خطابا مدروسا وتمرره عبر شبكات تتخلل النسيج الاجتماعي كله، وتضع المرأة في هذا الخطاب موضع الأقل شأنا.

في كتابه عن حقوق الفرد المدنية في السعودية، خصص المحامي وليد الماجد فصلا عن حقوق المرأة المهدورة قانونا أو عرفا، تساءل في مقدمته: “كيف تجذر هذا الظلم الطاغي في حق المرأة السعودية؟”.[5] ويضع يده على جوهر المشكلة حين يجيب: “في أحضان خطاب متأزم تجاه كل ما يحيط بالمرأة [عمد إلى] شيطنة مصطلح حقوق المرأة وإلباسه لبوس التغريب ونظرية المؤامرة” ويكمل: “[هذا الخطاب] نجح نجاحا باهرا في تفريغ هذا المصطلح [حقوق المرأة] من قيمته وأهميته في المجتمع وساهم بشكل كبير في خلق شعور تنفيري تجاهه وكان سبباً في إقامة فجوة كبيرة بين المجتمع وبين كل ما يتعلق بحقوق المرأة”.[6] يناقش الكتاب العديد من القوانين التي تهضم المرأة مثل التفرقة بين الرجال والنساء في نظام الجنسية، وفي نظام القروض، وكذلك الثغرات الموجودة في القوانين المتعلقة بالطلاق والنفقة والحضانة، وبالمساحة الهائلة المتروكة لتقديرات وظروف القضاة ومزاجاتهم، والتي غالبا ما ينتج عنها حكما في صالح الرجل.

إن ذكورية الخطاب القانوني ليست مقتصرة على سن القوانين والأنظمة التي تنحاز للرجل، وإنما في غياب القوانين التي تحمي المرأة كذلك. فقوة خطابٍ ما تكمن فيما يقول ويكشف، وفيما يسكت عنه أيضا. فمثلا غياب قانون واضح وصريح يحمي المرأة من العنف الأسري، وغياب قانون ضد التحرش بها، ينبئ باستعداد القانون لترك المرأة ضحية للرجل وعدم التدخل إلا إن كان في صالح الرجل فقط. إن الواقع الحقوقي المتأزم للمرأة قد نتج بسبب الغياب التام “لمؤسسات تمثل المرأة […] دون وساطة الرجل الذي نصبناه بقوة التقليد الوصي المقدس”.[7] هذه الوصاية -التي تشكل الآن حجر الأساس للمطالب الحقوقية النسوية- “إنما تكون على الشخص فاقد الأهلية”[8]، أما المرأة إذا بلغت سن الرشد والتكليف “زالت عنها ولاية وليها أو الوصي عليها، سواء كان أبا أم غيره، فيكون لها التصرف الكامل في شؤونها المالية والشخصية”.[9] وهكذا تستمر جميع التشريعات والأنظمة السعودية على التفرقة بين المواطنين بناء على الجنس، ويستمر الخطاب السياسي والقانوني على تصوير المرأة شخصاً فاقد الأهلية، ولا تملك حق التصرف في شؤونها دون موافقة الرجل.

 

الخطاب المؤسساتي:

إن الحقيقة المدعاة عن نقصان الأهلية والكفاءة لدى  المرأة بلغت من الانتشار والقبول بها حد اليقين، دون تشكيك أو تساؤلات لأنها تأخذ شكل الخطاب العلمي -في المناهج التربوية على سبيل المثال-، وهي تعتمد على المؤسسات التي تنتجها: أجهزة الإعلام، المدارس والجامعات، الكتابة والنشر، وغيرها. يقول عبد الله الداوود -وأنا أستشهد به هنا لا في الخطاب الديني رغم انتمائه للتيار الإسلامي، لأنه كاتب وإعلامي ومعلم وله حضور فعال في تويتر وغيره، أي أنه مساهم في مؤسسات إنتاج الخطاب الرسمية المدرسة، الكتابة، الإعلام -: “وليس بالضرورة أن تكون الزوجة دائرة معارف متنقلة ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، فالزوج ليس في حاجة إلى زوجة مثقفة تزعج عقله بأطروحاتها الفكرية والعلمية”.[10] ثم يقول: “المرأة البحر لا تزيد ثقافتها وعلمها بطريقة عشوائية وليست مغرمة بالثقافة العالية وحسب بل تبحث عن العلم لتنتفع به في حياتها وآخرتها ومن ذلك اطلاعها على كتب التربية من أجل تربية أبنائها”.[11]  ويشاركه الدكتور ظافر العمري عضو هيئة التدريس في جامعة أم القرى ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للأدب العربي قائلا: “أدب المرأة في قلة بيانها، وطيّ لسانها”.[12] ولعل أهم الأمثلة على الخطاب المؤسساتي ما يرد في المقررات الجامعية والمناهج التعليمية. فمثلا يصور مقرر الإسلام وبناء المجتمع في جامعة الملك سعود وجامعة شقراء وغيرها من الجامعات السعودية، وضع المرأة في الغرب  “من حضيض إلى حضيض”، وذلك بسبب مطالباتهم “بالمساواة بين الرجال والنساء واستقلال النساء بشؤون معاشهن”.[13] وفي كتاب لغتي الجميلة للصف الخامس، ترد أنشودة عن الرياضة في وحدة “أجسامنا وصحتها” وفيها:

فروضوا الأجسادا          ومرنوا الأولادا

ليصبحوا أبطــــالا          ويتقنوا الأعمالا

ويخدموا الأوطانـا          ويدفعوا العدوانا[14]

ونلاحظ هنا تغييب الفتاة عن أهمية الرياضة لصحة جسدها، وتغييبها كذلك عن أدوار البطولة وإتقان العمل، وعن خدمة الوطن. ولأن الخطابات تدعم بعضها البعض، فإن القوانين الرسمية تبدو تطبيقا عمليا على ما يرد في هذا الخطاب المؤسساتي ومن تلك القوانين: تخلف المرأة عن الرجل في التعليم واحتكاره لبعض التخصصات، وتبعية أقسام البنات التعليمية في عدد من الجامعات للفرع الرجالي، حيث لا استقلال إداري لرئيسة القسم بالوكالة.

 

 

الخطاب الديني:

هذا الخطاب هو أشد الخطابات تأثيرا، وذلك لأنه يمد الخطاب السياسي بشرعيته، كما أنه مصدر أساسي للخطابين المؤسساتي (بإسهامه في المناهج التعليمية) والاجتماعي (بتشكيله لوعي المجتمع بنسبة كبيرة). ولا بد أن نفصل هنا بين خطابين: خطاب متزلف، وهو الذي يربت على رأس المرأة ويدعي حمايتها، ويبدأ كل مرة بالجملة ذاتها: الإسلام كرم المرأة وأعلى من شأنها بعد أن كانت مظلومة في الجاهلية… إلى آخره. هذا الخطاب الحاني يستخدم الحقيقة ويروضها حسب ما تقتضيه مصلحته، لكنه لا ينتجها. “فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد. وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها. فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل”.[15] الإسلام شريعة وأحكاما وضع لتيسير مصالح العباد -ذكورا وإناثا-، هذه حقيقة. وليس في النصوص القرآنية ما ينتقص من قدر المرأة أو يجعلها دون الرجل، فهما مكلفان بالعبادة نفسها، -إلا بعض الاستثناءات التي وردت فيها الأدلة كسقوط الصلاة والصيام في الحيض والنفاس، وسقوط الجمعة والجماعة وليس هذا مبحثا فقهيا للتوسع أكثر- وهما محاسبان أمام الله خيرا أو شرا دون تفرقة، فالله “لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم” وزاد مسلم: “وأعمالكم”. فالنية والعمل لا تفرقة فيها بين الجنسين، هذه حقيقة لا يستطيع الخطاب الديني إنكارها، ولا إنكار غيرها فيما يتعلق بحقوق المرأة في الإسلام، لكنه يتجاهل منها ما يناسبه، أو يفسرها ويلوي عنقها حسب ما يناسبه أيضا.

أما الخطاب الديني الآخر وهو الخطاب العنصري المنسوب للدين زورا، فيقوم على إنتاجه رجال الدين الذين يخلطون بين الخطابين ليشكلوا الحقيقة المدعاة: المرأة ليست كالرجل أهلية وعقلا وفضلا. فهم حين يتقربون لها مستخدمين ما ذكرته آنفا عن الخطاب المتزلف وحقيقة إعطاء الشريعة للمرأة حقها، يحصل لهم ما أرادوا من قبول المرأة لخطابهم، ثم يمررون عنصريتهم ويسقطون تأويلاتهم الذكورية، فيختلط الحق بالباطل وتغيب الحقيقة. وسأذكر بعض الأمثلة على هذا الخطاب الديني وما يخالفه من الأدلة النقلية والعقلية. يقول صالح الفوزان عضو اللجنة الدائمة للإفتاء وعضو هيئة كبار العلماء في لقاء مع صحيفة المدينة: “يجب أن يستفاد من هذه الأجهزة [أجهزة الجوال وغيرها] فيما ينفع وتكون بأيدي العقلاء [من الرجال] وأهل الدين والمروءة لا بأيدي النساء والأطفال”.[16] لنوضح أولا ما معنى “عاقل” في الشريعة الإسلامية، وما هي تبعاتها، وما الفرق بين العاقل والسفية أو المجنون، وبين البالغ والطفل، فيما يتعلق بالأحكام. يقول أبو حامد الغزالي: “وشرط المكلف [بالعبادة] أن يكون عاقلاً يفهم الخطاب، فلا يصح خطاب الجماد والبهيمة، بل ولا خطاب المجنون والصبي الذي لا يميز، لأن التكليف مقتضاه الطاعة والامتثال […] لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المعتوه حتى يبرأ”.[17] إذن يساوي الإسلام بين المرأة والرجل -في حال تحقق شرطي البلوغ والعقل- بالتكليف بالعبادات، ولولا تلك المساواة لما فرضت عليها أي عبادة، ولكان التكليف مقصورا على الرجال. لكن الفوزان اختار أن ينفي عن المرأة صفة العقل والدين ويضعها في خانة واحدة مع الأطفال،  مساهما وداعما بخطابه حقيقة نقصان أهليتها عن الرجل.

تزخر فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ، مفتي العام المملكة حتى وفاته عام ١٩٦٩م بمثل هذه العنصرية الفجة ضد المرأة فيقول: “ألا ترى الإفرنج […] جعلوا للمرأة حقوقا وتطالب بحقوقها، هذا من الفساد […] والمرأة من جميع النواحي حتى مصالح نفسها لا تصرفها، ولهذا جعل الشرع ولاية نكاحها إلى وليها لما فيها من صفات النقص، وهي خلقت منتفعاً بها مستعملة”.[18] ولننظر هنا إلى توظيف كلمة حقوق في سياق الذم فهي من التغريب والفساد، لكنهم يعودون لاستخدامها عند الحديث عن حقوق المرأة في الإسلام بما يتناسب وأهواءهم. ثم ذكر أن المرأة في “جميع النواحي” حتى مصالح نفسها لا تصرفها. ونتساءل هنا هل تصلي المرأة بنفسها أو يصلي عنها وليها؟ هل تطعم المرأة نفسها أو يطعمها وليها؟ هل تحمل المرأة طفلها وتلده وترضعه وتربيه ويأتمنها الدين والمجتمع على مصالحه؟ إن العقل السليم يرفض هذه الحجة الباطلة، وما ورد من سيرة النبي وأمهات المؤمنين والصحابيات اللواتي قمن بمصالحهن ومصالح غيرهن وبذلن من أجل الأمة الكثير وروين حديث النبي وشاركن في حروبه ودافعن عنه ما يرد على ادعاء ابن إبراهيم. ثم يقول وهي خلقت منتفعا بها مستعملة، حيث جعل الغاية من خلق الله للمرأة لا لعبادته ولا لمشاركة الرجل في إعمار الأرض وتنميتها، كما وردت بذلك النصوص، وإنما خلقت أداة لاستعمال الرجل فقط، كيفما شاء استعمالها.

وأذكر أخيرا مثالا لابن باز مفتي عام المملكة السابق، ورئيس هيئة كبار العلماء ورئيس اللجنة الدائمة للإفتاء حتى وفاته عام 1999 م، في فتوى عن حكم دراسة المرأة للهندسة والكيمياء والجغرافيا: ” ليس للمرأة التخصص فيما ليس من شأنها، وأمامها الكثير من المجالات التي تتناسب معها مثل الدراسات الإسلامية وقواعد اللغة العربية، أما تخصصات الكيمياء والهندسة والعمارة والفلك والجغرافيا فلا تناسبها”.[19] وهو هنا  يقدم اجتهادا وتصوراً ذكوريا بحتاً عما يناسب المرأة ولا يناسبها، دون الاستناد على دليل من الكتاب والسنة ودون قياس أو منطق. وهو لا يجد حاجة لذكر أي تبرير وسبب مقنع لرأيه، إذ أن الخطاب هنا يقدم نفسه مصدرا للمعرفة والحقيقة ويستمد القوة من ذاته. فهل في هذه التخصصات ما يشمل حراما ومنكرا؟ وإذا كانت الإجابة بنعم، فهل هي حلال على الرجال؟ وإذا كانت لا -وهي كذلك- فهو ينتج معرفة زائفة، لتعزيز الخطاب العنصري، معتمداً في ذلك على سلطته الدينية التي تسيغ للسامعين قبول هذا الخطاب والتسليم به.

 

الخطاب الاجتماعي:

هذا الخطاب هو حصيلة للخطابات السابقة، مع ما يلتصق بها من موروث العادات والتقاليد. فنسمع في خطاب أفراد المجتمع ترديداً لما درسوه في المدارس، أو سمعوه في الإعلام، أو فتوى لشيخ، أو توظيفا لكلمات مثل الغيرة والرجولة والشرف وغيرها، وهي وإن كانت مستحبة لكن ما لصق بها من المعاني، والسياقات الثقافية والاجتماعية التي تستدعي حضورها، أدت إلى وصمها بالذكورية البحتة. إن خطر هذا الخطاب يكمن في مشاركة المرأة فيه – وليس قبولها به فقط – فمثلا تقول أ. ع. وهي معلمة أربعينية وأم لثمانية أطفال أكبرهم في الجامعة: “الرجل مهما كان أعقل من الزوجة، إذا افتعلت مشكلة لا بد أن يربيها”، وفي سياق آخر استخدمت كلمة: “يروضها”[20]. هذه المرأة المتعلمة لا تدرك دلالات خطابها وماتتضمنه من الحط من شأن المرأة إلى درجة تتساوى فيها مع البهيمة التي تحتاج الترويض أو في أحسن الأحوال مع الطفل الذي يحتاج إلى تربية. وتقول أ. س. وهي خريجة جامعية من كلية التربية، في معرض الحديث عن الفتاوى المتعلقة بالمرأة مثل كشف الوجه ولبس البنطلون: “أنا لم أقرأ كتابا عن هذه الأمور، لكنه شيء كبرنا عليه وعرفنا أنه حرام، الجميع يقول ذلك”[21]. وبهذا تثبت المرأة قبولها لهذا الخطاب وما يحمله، دون تشكيك.

إن جميع ممارسات المجتمع رجالا ونساء، ومنظومة المثل والقيم الاجتماعية، تشي بذكورية هذا الخطاب الاجتماعي. فمثلا نرى في كلمة رجولة دلالة على العديد من القيم، وقد تكون قيمة في حد ذاتها. بينما لا تدل كلمة أنوثة إلا على معايير محددة للمظهر الخارجي للمرأة، وقد تدل أحيانا على الضعف. والمجتمع أيضا يميل إلى الحكم على الخطأ وتقييمه حسب جنس مرتكبه، بغض النظر عن درجة هذا الخطأ التي تتراوح بين الزلة والجريمة، فيقزم أخطاء الرجل ويغفرها ويستر عليها، ويضخم أخطاء المرأة ويصورها هدماً للمجتمع بأكمله. وهنا يقع الخطاب الاجتماعي في فخ التناقض: بين تقديم المرأة شخصاً فاقد الأهلية والكفاءة، وتحميلها في الوقت ذاته مسؤولية الحفاظ على هذا المجتمع وقيمه. يعمد الخطاب الاجتماعي كذلك إلى لوم المرأة على كل خطأ ومشكلة وإن كانت ناتجة عن قرارات الرجل، ولعل المثل الشعبي: “إذا صاحت المرأة افزع للرجال” يدل على ذلك. كما نجد في حالات الطلاق لوماً مباشراً وغير مباشر لشخصية المرأة عبر ذكر عيوبها ومساوئها مقابل تفهم لأسباب الرجل في الطلاق. ومثل هذا اللوم نجده في حوادث التحرش، فبين: لو فعلت المرأة ولو لم تفعل، يكمن السبب الذي دعا الرجل الفاضل بفطرته لارتكاب هذا الذنب. ولا غرابة في أن تشارك المرأة في عملية اللوم والاتهام والانتقاص من نفسها وجنسها، إذ أن جميع قنوات الخطاب قد شكلت وعيها منذ طفولتها، وتظن أن هذه هي الحقيقة لا محالة.

 

هذه أهم أنواع الخطاب السعودي الذي يضع المرأة في المنزلة الأدنى، وينتج ويعيد توزيع ويدعم الحقيقة المزيفة عن عدم كفاءة المرأة ويستمد سلطته من هذه الحقيقة في الوقت ذاته. إن هذه الحقيقة التي ينتجها الخطاب بثقله ومؤسساته وأطيافه، “خاضعة لنوع من التحريض الاقتصادي والسياسي الدائم: من أجل الإنتاج الاقتصادي أو من أجل السلطة السياسية”.[22] بالرغم من أن تمكين المرأة من حقها سيعود بالنفع على السلطة والمجتمع، اقتصاديا وسياسيا وإن على المدى البعيد، لكن المنتفعين من وضعها الحالي يقفون عقبة أمام هذا التغيير.

كتاب مفهوم الخطاب في فلسفة ميشيل فوكو. الزواوي بغورة. القاهرة: المجلس اللأعلى للثقافة، 2000. ص 95.  ميشيل فوكو: مقتبساً في[1]

 ميشيل فوكو: نظام الخطاب. ترجمة: محمد سبيلا. بيروت: التنوير، 2012. ص 8.[2]

 ميشيل فوكو: نظام الخطاب. ترجمة: محمد سبيلا. بيروت: التنوير، 2012. ص 95.[3]

 المرجع السابق: ص 84.[4]

 وليد الماجد: أسوار الصمت: قراءة في حقوق الفرد المدنية في السعودية. بيروت: التنوير. 2012. ص 110.[5]

 المرجع السابق: ص 110 – 112.[6]

 المرجع السابق: ص 138.[7]

 المرجع السابق: ص 140. وقد استفاض المؤلف فيما يتعلق بقانون الولاية في هذا الباب بعنوان: حق رفض الوصاية.[8]

 عبد اللطيف بن سعيد الغامدي: حقوق الإنسان في الإسلام. الرياض: أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية، 2000. ص 208.[9]

 عبدالله الداوود: المرأة البحر والرجل المحيط.  ص 36.[10]

 المرجع السابق. ص 37 – 38.[11]

 ظافر العمري: حسابه الشخصي في تويتر 21/8/2016 – 7:48 صباحا.[12]

 مقرر الإسلام وبناء المجتمع في جامعة الملك سعود. مجموعة من المؤلفين. ص 14.[13]

 مقرر لغتي الجميلة. الصف الخامس الابتدائي. الفصل الدراسي الأول. ط 2013. ص 149.[14]

 ابن القيم: مقتبساً في كتاب تزييف الوعي. فهمي هويدي. القاهرة: الشروق، 2005. ص 75.[15]

 صالح الفوزان: صحيفة المدينة. بتاريخ: 21/7/2012.[16]

 أبو حامد محمد بن محمد الغزالي: المستصفى في علم الأصول. بيروت: دار الكتب العلمية، ط 1. ص 67.[17]

 محمد بن إبراهيم آل الشيخ: فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم. ج 12. ص 176 – 177.[18]

 عبدالعزيز ابن باز: فتاوى ابن باز. مجلد 24. ص 40.[19]

 حديث شفهي شخصي.[20]

 حديث شفهي شخصي.[21]

 ميشيل فوكو: نظام الخطاب. ترجمة: محمد سبيلا. بيروت: التنوير، 2012. ص 93.[22]

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

الجسد، المرأة، الفن: دردشات على جوانب تويتر – الجزء الثاني

*فاطمة الزهراء علي ثمَّة مُتَّسع هائل في وسائل التواصل الاجتماعي لدهشة الاقتراب من “البعيد” بكبسة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *