الرئيسية / قضية الأسبوع / أبطال وليسوا ضحايا

أبطال وليسوا ضحايا

*غادة بن عميرة

“ليتك عرفته قبل الثورة وبعدها”
هكذا بدأ صديق حديثه عن صديقه السوري العظيم الذي تعرف عليه أيام دراسة الدكتوراة، قائلا ليتك عرفته قبل الثورة، لقد كان شخصية رائعة ومدهشة قبلها وزادته الثورة عظمة. ثم حدثني عنه واصفا إياه بطريقة أثقلت روحي وعصرت قلبي إذ كنت اقرأ بين السطور أسماء أولئك الثوار والثائرات الذين سقطت أسماؤهم سهوا من ذاكرة التاريخ والذين يصر كل من الإعلام والنَّاس على وصفهم بالضحايا وما هم بضحايا. كنت أفكر في قصصهم، أسمائهم، أعمارهم، كيف كانوا مهووسين بالنظافة مثلا فشفتهم الثورة والانشغال بأعباء الحرية هوسهم، أطفالهم، آباءهم، خوفهم وطموحاتهم ونضالهم! كم ثائر كصديقنا المجهول لا نعرف عنه؟ كم ثائر أو ثائرة تحولوا لمجرد رقم في إحصائية لضحايا الثورة؟ والأهم كيف زُين لنا أن نختصر كل هذه العظمة هذه الثورية هذه القوة والكرامة في لفظة بشعة كضحايا؟

أن تصف شخصا بأنه ضحية يعني أن تصفه بالضعف والعجز والحاجة لمساعدة الغير، وهذا وصف أبعد ما يكون عن ثوار سوريا، فهم ليسوا ضحايا، لأنهم ليسوا ضعيفين ولا عاجزين. والسنوات الست الماضية دليل دامغ على قوتهم وصلابتهم المهولة؛ إذ لم يتبق صنف من صنوف العذاب والخذلان إلا ذاقوه، ومع ذلك لم يسقطوا ولم يضعفوا ولم يستسلموا ولم يتنازلوا عن حريتهم، حريتهم! تلك الكلمة التي عرفوا قيمتها ومعناها وبذلوا من أجلها أرواحهم.

في الثورات من أجل الحرية والحروب التي تشن ضدها قيم ومعانٍ كثيرة، اختيار أي هذه القيم والمعاني ليتم التركيز عليها هي ما يخلق المخيال العام والتاريخي عنها ويشكله. ولهذا أجد أن من أسوأ صور خذلان الثورة السورية هو التركيز على تصويرها ككارثة إنسانية فقط وتصوير السوريين كضحايا مساكين، حتى أصبحت لفظة سوري تستلهم مشاعر الحزن والشقفة بدلا من أن تستلهم معاني القوة والإصرار والفخر والإعجاب والإكبار؛ وهي معانٍ صورتها وقدمتها الثورة السورية على مدى ٦ سنوات من النضال والصبر والإصرار والتمسك بالحرية والكرامة! بدلا من التمسك بهذه المعاني العظيمة وتربية أطفالنا على تشربها، نصر بكل صفاقة على التمسك بخطاب إنسانوي لا يشير لهم إلا بكونهم ضحايا! السوريون ليسوا ضحايا هم أبطال حقيقيون يعون تماماً الثمن الذي تتطلبه حريتهم ومستعدين لبذله. أما نحن فلأننا عاجزون وجبناء ولأننا لا نعي معنى بذل الغالي والرخيص ثمنا للكرامة والحريّة نحاول تغطية عجزنا هذا بتصوير السوريين كمساكين وضحايا وأنهم في حاجة لنا، وكل ذلك لأجل أن نوهم أنفسنا أننا مفيدون و قادرون على إحداث تغيير بحفنة ريالات نتصدق بها وبضعة تغريدات نغرد بها لنرضي بها ضمائرنا الخاملة.

وهذا الخطاب المدفوع بدوافع إنسانية سيضر بقضية السوريين الحقوقية المستقبلية سواء داخل سوريا أو خارجها كلاجئين. ويجب علينا في خضم تعاطفنا المشروع والمفهوم معهم أن نكون واعين لخطورة وتبعات الخطاب الإنسانوي الذي يحصر تجارب البشر بوصفهم ضحايا، وهو ما عبرت  عنه ليسا مالكي في قولها “بالطبع تقوم الإنسانوية بتحويل الأشخاص إلى ضحايا، ضحايا بشكل نقي”، ويشرح نايف الهنداس في مقالته عنف الإنسانوية مقولتها هذه بدقة قائلا إن الإنسانوية “تجرد الإنسان من تفاصيل حياته وتقدمه كضحية وتتجاهل حقيقة مشاكله، هو شكل من أشكال العنف بالتأكيد. مثالٌ جيد على هذه التعرية والتجريد للإنسان هو التعامل مع اللاجئين، فهذا الأمر يجعلهم قابلين للتشكل في الخطاب الإنسانوي ليكونوا أهدافًا للشفقة والتبرعات، لا لأن يكونوا ضحايا في أعين القانون الذي يجعلهم قادرين على استرداد حقوقهم فعلًا.”

كما أن من الأثار النفسية السلبية لحصر تصوير السوريين كضحايا فقط يغير من طريقة تعامل الناس معهم على مستوى معيشي خاصة في البلدان التي تستضيفهم كلاجئين. فالناس تنفر منهم وتنزعج من وجودهم الذي يعكر صفو حياتهم الرتيبة ويذكرهم بالموت والقتل. والأهم أنه يذكرهم بضعفهم وعجزهم. فالناس في البلدان المضيفة يشعرون بأنهم مثقلون بالسوريين مما يجعل السوريين يشعرون بأنهم متطفلين وعالة، ففوق ألم الثورة والنضال والثمن الباهض الذي دفعوه في سبيل حريتهم وكرامتهم وبعد أن خسروا بيوتهم وأرضهم ومستقبلهم الذي خططوا له يخسرون أيضا أسمائهم ومكانتهم وكرامتهم ويشار له إما كرقم ضمن إحصائية قتلى أو كلاجئين وضحايا.

ولكي تعوا خطورة اختزال معاني الثورة في صورة ضحايا فقط، انظروا للثورة الجزائرية والمخيال الجمعي عنها، لا أحد يشعر بالشفقة والحزن عند الحديث عن ثوار الجزائر على الرغم من الويلات التي عاشوها على مدى ١٠٠ عام. ولكم في فلسطين مثال آخر، فعلى الرغم من صور النكبة والنكسة الأليمة إلا أن التعاطف مع القضية الفلسطينية لا يكون مدفوعا بدوافع شفقة أو رحمة كما يحدث عند الحديث عن الثورة السورية.
ختاما، يجب أن تكونوا واعين للمعاني التي تستخدمونها في حديثكم عن ثوراتكم وثواركم، ولا تشاركوا برسم مخيال تاريخي للثورة السورية يتكون من أشلاء وضحايا فقط، ولا يتم الحديث عنهم إلا بأسى وحزن وشفقة. ولا تزرعوا هذا المخيال لدى أطفالكم خاصة، بل علموهم معاني الحرية والإباء والكرامة بأن تضربوا لهم ثوار سوريا كمثال. فإن أضعف الإيمان فيما يمكننا تقديمه للسوريين هو أن نحفظ كرامتهم وألاّ نشارك في تسطيح نضالهم وحصره بصورة سلبية مهينة.

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

ماذا تعني القضية الفلسطينية للحراك النسوي في السعودية؟

*فيصل أحمد تكمل حملة إسقاط الولاية عن المرأة في السعودية عامها الأول وهي تخطّ مساراً …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *