الرئيسية / المرأة صوتًا وصورة / ‏الجسد،المرأة، الفن..دردشات على جوانب تويتر

‏الجسد،المرأة، الفن..دردشات على جوانب تويتر

 

 

*هند السليمان

(1)

نغوص يومياً وسط قنوات السوشيال ميديا بحثاً عن ما يجذب إهتمامنا، يُربك مشاعرنا، أو يعبث بافكارنا. خلال ذلك نقابل من يثيروننا إما بتشابههم أو بإختلافهم عنا. نمارس الغوص وكأننا أسماك نتنقل ما بين بحور و أنهار، مابين أعماق غائرة أو شطآن راكدةتسمح لنا السوشيل ميديا بعيش حياة نختارها نحن، نقرر فيها ذواتنا وقبيلتناوعالمنا المفترض. ككائنات أفتراضية نتخفي وراء كلمات وصور. صور إما بلقطات منتقاة بعناية أو رمزية لتكون ذواتنا أمام من يشاركونا حب ذات اللعبة، لنبدأ اللعب المتواطئ. فاطمة الزهراء على، كاتبة صومالية ومترجمة مهتمة بالسياسة والفلسفة، جمعنا الإهتمام بثقافة الجسد والإحتفاء بجمالياته، ومن هنا كان هذا الحديث. هو ليس حوراً محكماً بسؤال وجوابولكن ضجر تويتر منح الخاص فيه، فرصة لأحاديث كهذه.

  • هند السليمان: جمانه حداد، ألفة يوسف، أحلام مستغانمي، سلوى النعيمي، بمنظار نسويَ كيف يمكن قراءة أعمالهن؟ هل ترين نصوصهن تندرج ضمن فكرة تسويق شعبوي لثقافة الجسد؟ أم أن نصوصهن ماهي إلا غوايات جسديةبممارسات ثقافية ولست ضد فعل الغواية هنا. لماذا لم تستطع أغلب الكاتبات التخلص من سطوة حضور الجسد بأعمالهن؟ أم هو إمتثال تدفعه ضرورة لما نادت به هلين سيكسوس بأن على الكاتبات أن يضعن أجسادهن في كتاباتهن؟
  • فاطمة الزهراء على: قد نستطيع القول ابتداءً أن النصوص الأدبية والفكرية التي تناولت موضوع الجسد بأقلام نسائية عربية هي تعبير احتجاجي على الغياب أو على الحضور المنقوص من خلال منظور الرجل فقط، ومحاولة لمنح الصوت النسائي حق التحدث عن أكثر المواضيع التصاقا بالمرأة. إلا أنه من المُجحف بطبيعة الحال أن نختزل تلك النصوص في إطار واحد ونضعها كلها في ذات السلة لمجرد أن الجسد” – بكل ما يكتنف تناوله من شبهة وارتياب يجمع بينها كثيمة أساسية؛ فهي تتفاوت في أسئلة الجرأة والدهشة التي تثيرها، وفي جودتها اللغوية وقوة حبكتها وبنائها العام، وفي موضوعاتها ونضجها وعمق الأفكار التي تناقشها.

أكثر نصوص د. ألفة يوسف جرأة في نظري بخصوص موضوع الجسد وردت في كتابها (حيرة مسلمة). ولا أستطيع القول أن نصوصها إجمالا تمثل تسويقا شعبويا لثقافة الجسد بقدر ما تجسد دعوة للتمرد على سلطة الرجل المتوسلة باجتهادات الفقهاء للتحكم بجسد المرأة واحتياجاتها الجنسية التي كثيرا ما تُقابَل بامتعاض ذكوري يرتبط بخوف الرجل من غموض متعة المرأة لأنها لا تتصل بعلامة مادية قاطعة، ذلك الغموض بعبارات ألفة يجعل متعة المرأة قابلة للإيهام ومن ثَمَّ قادرة على تشكيك الرجل في فحولته. وتقول أن تشديد الفقهاء بوجوب طاعة الزوج في الفراش يستند إلى مخيال اجتماعي سائد في تلك العصور يتقبل إمكانية امتلاك الإنسان جسد إنسان آخر. هذا المخيال تجسد في عدم اكتراث الفقهاء بمتعة المرأة الجنسية مقارنة بحرصهم على إشباع شهوة الرجل الجنسية (امتناع الزوج عن مضاجعة زوجته نهائيا بدون سبب مثلا أمر جائز عند الشافعية، لأن المضاجعة حق له كسائر حقوقه وليست واجبة عليه) والمرأة في تصور الفقهاء إجمالا موضوع لرغبات الرجل. تعي ألفة تماما الإشكاليات الخطرة التي يطرحها نقدها الجرئ للشريعة الإسلامية بخصوص قضايا المرأة، وهي ترى أن تحرر المرأة لا يكون بنبذ الدين بل بانتقاد الموقف الأصولي الذي يرى بـ أحادية الحقيقة ويدعي امتلاكها“. أعمال ألفة النقدية في النهاية ليست سوى محاولة لمناقشة التأويلات البشرية التي غدت بفعل تطاول الزمان من المسلمات.

إذا كانت ألفة قد حاولت تحرير الجسد الأنثوي من خلال التمرد على تراث الفقهاء ونقد تأويلاتهم للنصوص الدينية؛ فإن سلوى النعيمي قد سعت في روايتها (برهان العسل) لتثوير إن صح التعبير الجسد الأنثوي باستخدام ذات التراث ولكن بطريقة مبتكرة. فهرس (برهان العسل) جاء في هيئة أبواب تشبه طريقة الفقهاء في تصنيف كتبهم، والرواية مملوءة باقتباسات مأخوذة من مدونات الفقهاء عن الجنس التي تداخلت ببراعة مع أحداثها؛ في محاولة لاستعادة حضور الجسد الذي لم يكن غائبا عن كتب التراث العربي والإسلامي. تصور سلوى للإدراك الإنساني يشبه تصور الفيلسوف ديفيد هيوم؛ لأن الوعي كما تقول لا يتشكل إلا عبر الإدراك الحسي الذي ينصرف في سياق روايتها إلى الإدراك الجسدي“. تقول سلوى عن روايتها: “كل ما كتبته حقيقي وكل ما كتبته مُتخيَّل؛ ووصفها يحمل مضمونا مركبا. فالجزء الحقيقي من الرواية تُجسِّده المقتطفات المأخوذة من التراث والجزء المتخيل تمثله بطلة الرواية، وتحرير الجسد الأنثوي هنا يتم باستدعاء ما هو موجود في التراث لإحداث شرخ في جدار التابوه الحقيقيالمحيط بهذا الجسد وذلك للخروج به إلى فضاء الحرية المتخيَّلفي أحداث الرواية. وعلى غرار سلوى النعيمي؛ فإن جمانة حداد تعتبر الكتابة عن الجسد خطابا يستمد بعض تحريضاته من التراث العربي والإسلامي، الأمر الذي يفسره المعترضون تترسا ذرائعيا بالتراث لإسباغ نوع من الشرعية على هذا النمط من الكتابة المستفز. عمدت جمانة من خلال قصائدها ومقالاتها إلى التأكيد على أن الجسد هو هويتنا الفردية والجماعية والطريق إلى كل منا، وعلامتنا الفارقة التي كثيرا ما تحضر في ثقافتنا حضورا مُدانا ومشوها. وهي إذ تنفي عن نفسها صفة الانسياق وراء العناوين الكبرى المكثفة والضاغطة مثل حقوق المرأةتؤكد أن محركها الأول في الكتابة عن الجسد هو الشغف بالحرية، والشعر، والكتابة، والحب، وإن كنتُ أعتقد أنه يصعب فصل هذا الشغف عن سياقاته التحررية الضاغطة. ثمة مسافة بين الذات والموضوع بداخل ثقافتنا في كل مقاربة إشكالية تتعلق بأحد التابوهات، ولا ينحصر الأمر في الجسد، والسؤال الذي تطرحه جمانة باستمرار هو: ماذا لو حاولنا ردم تلك المسافة؟ ولماذا يتقبل الكثيرون حضور الجسد الطاغي في أعمال الآخرالفنية والأدبية والفكرية، بل وربما قدم توصيات تشيد بقيمتها في حين أن حضوره في أعمالنا خطيئة أو جريمة. تناقض غريب يذكرني بمن يتغنى بالعدالة وتوزيع الثروة والحريات والحقوق المدنية ويتحاشى تشخيص واقعه أو حتى ملامسته عن بُعد

  • هند السليمان: نقلا عن عبدالله البياري يقول ماثيو دوبوا كل شيء في الجسد واضح وبسيط، إنه شبيه بمنطق البوح وماهو موجود فوق المعطى الواقعي …. ذلك أن الغموض واللبس يتنافيان مع فكرة البورنوغرافيا، لذلك قد تكون حالة التمثيل هذه هي أول نوع تنتفي فيه عملية التأويل“. ليستخلص البياري من هذا أن غياب التأويل هو غياب للتوسط أيضاً، إنه غلغاء للمعاني المضافة التي تتسرب إلى الجسد من خلال عمليات التمثيل، والسباحة في الخطاببالتالي فالجسد يغوي بلباسه لا بعريه، فالعري يسلب العين حق الإستيهام وسلطة خطابها الذي تصوره“. ينتهي نص البياري هنا والذي يمنح للعين البشرية سطوة التأويل والإشتهاء بل وسلطة الخطاب. مابين هذا وبين الإيمان بقوة العين في فعل الحسد لدى الثقافات التقليدية، أو إعتبار التحديق بشهوة والتلصص الجنسيكأحد الإضطرابات الجنسية في معاجم الامراض النفسية الحديثة. وأيضا مابين العين كأن تكون عين الله الساهرة أوعين الشيطان المتربصة، نتسائل أي قوة تمتلك أعيننا؟ وماذا عن الوجه، كيف نقراء وجوهنا، وهل تأخذ وجوهنا قوة حضور مستمدة من قوة حضور العين؟ في المقابل، مابين مقالة فتحي المسكيني بعنوان وجه الجامعةمن وراء نقابونص لبروتون يقول فيه الذي يمحو جسده أو وجهه من رتابة الأجساد أو الوجوه الأخرى يعرض نفسه لمحو حقيقي لحضوره من خلال الموت“. هل الوجه وحده مصدراً لهويتنا، وبالتالي محاولة إخفائه دلالة على إشكالية في هويتنا الذاتية أوالثقافية\المجتمعية؟ الأمر الآخر، مقال المسكيني حول الحجاب، وعلى غير عادة المسكيني، بالغ الحدة والإنفعال في الموقف من الحجاب. فهل حدته هنا إمتداد لطبيعة علاقتنا المتوترة مع الحجاب؟ فمن يطالب بالتحرر ينطلق من مبدأ سواسية البشر، ذكور ونساء، أولاً، وثانياً الحق الإنساني بإمتلاك الفرد لخياراته الفردية، وبالتالي يصبح الحجاب مقبول كخيار فردي. في المقابل الحجاب ينطلق من خطاب قد يتعارض مع المبدأ الأول. هذا التعارض بين المبدأ الأول والثاني يربك علاقتنا مع الحجاب ليظهر الموقف المتوتر من الحجاب. الأمر الآخر، هل يتأثر إدراك المرأة لجسدها، أي إدراكها لجماليات الجسد الأنثوي أوالذكوري، ومفهوم الفتنة في الأجساد بكون المرأة محجبة أو لا؟ كيف نعرف الحجاب من خلال علاقة الذات بالجسد؟
  • فاطمة الزهراء على: كلام ماثيو دوبو بخصوص البورنوغرافيا وثيق الصلة بمقال المسكيني عن النقاب. هناك لذة حقيقية للنظرة على الصعيد الفيسيولوجي، وقد أشارت صوفية السحيري في كتابها (الجسد والمجتمع) إلى أن ما يُسمى بـ التلصص الجنسييمكن فهمه في ظل مجتمع ينظم ويقنن النظرة في أدق تفاصيلها متذرعا بالروابط العميقة بين النظرة والغريزة الجنسية. لن أتحدث هنا عن أي قوة لعين متربصة تتحكم بنا ما خلا العين الذكورية التي خلقت للمرأة قالبا جماليا تتغنى به وقالبا شهوانيا تحذر منه؛ هذان القالبان تسربا إلى اللغة التي وضعت مفردات شتى لكل تفاصيل جسد المرأة. انتفاء إمكانية التأويل في حالة البورنوغرافيا نظرا لوضوح تفاصيل الجسد ينطبق على حالة الحجاب الكامل التي تنعدم فيها تفاصيل الجسد. العين لا تخلق المعنى الجسدي إلا عبر وسيط ثقافي، وهذا الوسيط قد يكون اللباس أو المعتقدات أو التقاليد؛ وفي حالة البورنوغرافيا لا توجد تفاصيل وفي حالة الحجاب الكامل لا توجد خصوصيات، وفي كلتا الحالتين لا وجود لوسائط تأويلية تصنع قالبا جماليا.

علاقة الذات بالجسد علاقة معقدة متعددة الأبعاد؛ ويذكر الأستاذ عبدالله البياري في محاضرة ممتعة له أن الجسد هو أول تمظهر للهوية الإنسانية، والمحيط المادي يعقلن الجسد ويمنح معنى لوجوده يختلف حسب الزمان والمكان وطبيعة المؤسسة الاجتماعية. ويشير الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلوبونتي في سياق حديثه عن سبب وصفنا للجنس بـ الأمر المثيرورهن حياتنا الشخصية به إلى أننا نعدُّ أجسادنا مرآة لكينونتنا لأنها أنفسنا الطبيعية ووجودنا المادي المتدفق. كلام ميرلوبونتي يقودني للحديث عن إشكالية إلغاء الجسد الأنثوي بالحجاب الكامل كخيار شخصي؛ هنا ينبغي التمييز  بين السيرورة الاجتماعية بخصوص موضوع اللباس الذي يتضمن التطور بقدر ما يسمح بالتنوع وبين التأثير الخفي لخطاب الامتلاك الذكوري، علاقة خطاب الامتلاك الذكوري بحجاب المرأة يظهر في الهوامش الملحقة بنصوص الحجاب التي تأمر المرأة بألا تتزين إلا لزوجها، إذ تبرز صعوبة تخليص خيارات المرأة الشخصية بخصوص علاقتها بجسدها من إكراهات سلطة الرجل بالنظر لتماهيها أي تلك السلطة مع حميمية إنسانية تتمثل المرأة الفاضلة في صورتها المُستترة (المحجبة) أكثر من تمثلها لها في صورتها المرئية خارج الحدود (العارية).  

  • هند السليمان: الاعمال الفنية، اللوحات تحديداً، لا تقدم زخرفة فنية بمقدار ماتقدم منظاراً للعالم وللذات، قد يتقاطع معنا ليستفزنا، يثيرنا، أو يدفعنا للتسائل. فمثلاً لوحة المرأة المرآة لرينية مارغريت*، أجدني أتوقف عندها متسائله: هل تُدير المرأة ظهرها لتُخبي مواطن الإثارة في جسدها العاري، ولتجد نفسها تكشف عن إثارة أخرى؟ المرآة في اللوحة تفضح جسدها..وكأن الجسد..لا مجال لإنكار فتنته. في المقابل المرأه في اللوحة بإيماءات جسدها: تنظر للأسفل مع إحناء رأسها بإنكسار أو خضوع وكذلك حركة يديها التي تحاول إخفاء ثدييها، هل يعكس هذا شعوراً بالخجل أو العار من الجسد؟ ثم إن كانت تحاول تغطية ثدييها بكلتا يديها، فمن تلك اليد التي تحمل المرآة؟
  • فاطمة الزهراء على: وفقا للكاتب الفرنسي ميشيل كاروجي فإن الرسم السريالي هو ثورة جذرية ليس فقط ضد الأيديولوجيا القائمة أو النظام السائد ولكن أيضا ضد عقلانية ديكارت وفولتير، وضد الفلسفات المجردة التي استعبدت العالم، وضد الفن الكلاسيكي. السريالية كما يعتقد كاروجي  تدعو إلى ثورة فكرية وفنية واجتماعية، والمرأة دائما حاضرة بقوة داخل إدراك الفنانين السرياليين، فهي في أعمالهم تلك الذات المخبأة في الغابة“.الصورة السريالية بطبيعتها صورة غير واضحة وشفافة في ذات الوقت، توليفة من الحقيقة والخيال، ومن الممكن والمستحيل، وفي هذا الإطار يمكننا أن نضع لوحة رينيه ماغريت صِلات خطرة” Les Liaisons dangereuses، كدعوة لإثارة التفكير والنظر إلى جسد المرأة بشكل مختلف. ماغريت يتحدانا ويسائل ما تراه أعيننا وما نعتقد أننا نعرفه، ويفتح أمامنا قراءات محتملة لا محدودة. هل ننظر إلى امرأة واحدة أم إلى امرأتين؟ ولماذا تستخدم المرأة المرآة كدرع تحتمي به؟ ولماذا تكشف المرآة الدرع تفاصيل الجسد العاري؟ ربما أراد ماغريت أن يقول أن جسد المرأة غير قابل للتغييب وأنه حاضر حتى  في حالة التورية. بعض النقاد يقرأون لوحة ماغريت في إطار الغرابة الكامنة في محاولات الأنثى التغلب على حرج الظهور والتعبير عن ذاتها، كون اللوحة محملة بدلالات الأنوثة والبراءة والحرج والفتنة والخصوصية والكشف

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

في أزمة الخليج، نحتاج رأي رشيد بدل التأجيج

د. فوزية أبوخالد                                      من حق الدول والحكومات أن يكون لها مواقف من بعضها البعض …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *