الرئيسية / تقارير / العنف ضد المرأة

العنف ضد المرأة

فاطمة محمد 

تعرف الجمعية العامة للأمم المتحدة “العنف ضد النساء” بأنه “أي اعتداء ضد المرأة مبني على أساس الجنس، والذي يتسبب بإحداث إيذاء أو ألم جسدي، جنسي أو نفسي للمرأة، ويشمل أيضاً التهديد بهذا الاعتداء أو الضغط أو الحرمان التعسفي للحريات، سواء حدث في إطار الحياة العامة أو الخاصة.”

ويؤكد بيان الأمم المتحدة بخصوص العنف ضد المرأة عام 1993 : أن العنف ضد المرأة مظهر من مظاهر العلاقة غير المتكافئة عبر التاريخ بين الرجل والمرأة والذي قاد الرجل إلى الهيمنة والتمييز ضد المرأة ومنعها من التقدم. وأدى العنف ضد المرأة إلى وضعها في أحد الآليات الاجتماعية الحاسمة التي تكون فيها النساء مجبرات على أن يتخذن موقع المرؤوس مقارنة بالرجل، وفي عام 1870 تمت إزالة القانون العام من المحكمة الذي يعطي الحق للزوج “بمعاقبة الزوجة جسدياً إذا أخطأت”. وتم في المملكة المتحدة عام 1891 إزالة حق الزوج التقليدي “بإيقاع عقاب بدني معتدل على زوجته لكي يبقيها ضمن حدود الواجب”

كما نوه الإعلان العالمي لمناهضة كل أشكال العنف ضد المرأة الصادر عام 1993 بأن “هذا العنف قد يرتكبه مهاجمون من كلا الجنسين أو أعضاء في العائلة أو حتى الدولة ذاتها.”

وعرف نجيب الخنيزي العنف الجندري (1) في ورقة قدمها في الملتقى الثقافي يناير 2014 بعنوان العنف الجندري ضد النساء و الفتيات: المفاهيم و التفسيرات بأنه: “كل الأفعال العنيفة ضد المرأة التي ينتج عنها أو من المرجّح أن ينتج عنها أذى جسدي، جنسي، معنوي، أو اقتصادي أو أي معاناة للنساء أو التهديد بها بواسطة الإكراه أو المنع التعسفي من الحرية، سواء حدث ذلك بداخل الأسرة أو في الحياة الخاصة“.

وليس خفيا أن نسب العنف ضد النساء في العالم العربي على وجه التحديد مرتفعة جدًا خاصة مع موجة الحروب التي ضربت المنطقة وأدت إلى أبشع أنواع العنف “الجنسي” فقد أصبحت أجساد النساء جزءًا من الصراعات القائمة (2) التي يطول أثرها ويتعمق حيث لا وجود لمنظمات معنية لمساندتهن ومساعدتهن لتجاوز محنتهن.

سنركز في هذا التقرير عن العنف ضد المرأة السعودية، تلك التي تُسلب أهم حقوقها كإنسانة من حكومتها التي تدعي على الدوام أنها داعمة ومنصفة لها عبر القنوات الخارجية، إضافة إلى مناقشة تقارير حقوق المرأة داخل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، حيث يكثف المندوب جهوده لتفنيد تقارير دولية تشكك بجدية الحكومة السعودية بالتزامها بالاتفاقيات الدولية أو بسنّ قوانين تحسّن من وضع المرأة وتساهم في مساواتها مع الرجل وغير ذلك ليسرد أقوال دفاعية عن الحكومة وأنظمتها تناقض ما نعايشه على أرض الواقع.

 

تجريم العنف خطوة متأخرة

طُرح نظام الحماية من الإيذاء أول مرة للنقاش في مجلس الشورى ديسمبر 2012، في خطوة جادة لمواجهة تنامي ظاهرة العنف ضد المرأة  ثم أقرّ مجلس الوزراء في أغسطس 2013 النظام وأعلن إصدار وزير الشؤون الاجتماعية قراراً وزارياً بالموافقة على القواعد التنفيذية للائحة نظام الحماية من الإيذاء مارس 2014.

كما يعرف النظام “الإيذاء في نطاق الأسرة (3) بأنه “كل شكل من أشكال الاستغلال، أو إساءة المعاملة الجسدية أو النفسية أو الجنسية، أو التهديد به، يرتكبه شخص تجاه شخص آخر، بما له عليه من ولاية أو سلطة أو مسؤولية، أو بسبب ما يربطهما من علاقة أسرية أو علاقة إعالة أو كفالة أو وصاية أو تبعية معيشية””

ويفرض القانون عقوبة للإيذاء الأسري تتراوح بين الحبس شهراً وعاماً، و/أو غرامة بين 5000 ريال (1333 دولاراً) و50 ألف ريال (13330 دولاراً) ما لم تنص أحكام الشريعة على عقوبة أغلظ. يمكن للقضاة مضاعفة العقوبات المقررة في حال تكرار المخالفين لأعمال الإيذاء.

وسبق أن قامت مؤسسة الملك خالد بتدشين حملة إعلامية للتوعية بمشكلة العنف الأسري في السعودية، تحت عنوان “وما خفي كان أعظم..معا لمحاربة العنف ضد المرأة” 2013 وهي أول حملة سعودية توعوية تتناول العنف ضد المرأة (4)

وقالت أن “ظاهرة المعنفات في السعودية أكبر بكثير مما هو ظاهر على السطح ومما هو متوقع فيما رأت مديرة برنامج الأمان الأسري الدكتورة مها المنيف أواخر العام الماضي أن معدل العنف ضد المرأة في السعودية متوسط مقارنة بالدول العربية، حيث تصل نسبة تعرض المرأة السعودية للعنف إلى 40% وتنحصر بين العنف الجسدي والسلطة والتحكم والعنف الاقتصادي والعنف النفسي.

وطرحت خمس جهات حكومية 35 عائقا واجهتها في تطبيق نظام الحماية من الإيذاء، إذ شددت وزارة الشؤون الاجتماعية على مواجهتها عائق تأخر البت في القضايا الأسرية لحماية المتضررين، والتهاون الأمني في بعض الحالات وعدم احترام دور الحماية الاجتماعية، وفق ما أكدته مديرة دار الحماية والضيافة الاجتماعية بالرياض الدكتورة موضي الزهراني (5)

وترى هيومن رايتس ووتش أن القانون ولوائحه التنفيذية ينصان بوضوح على إمكانية إدانة ولي الأمر بالإيذاء لكن مفهوم الإيذاء تغاضى عن بعض أشكال الضرر الأخرى، وذكر فقط الإيذاء “الذي يتجاوز حدود ما له من ولاية” هذا التعريف لا يحدد بوضوح الأعمال التي تُعد مقبولة في إطار ولاية الرجل وتلك التي تتجاوزها، أيضا القانون لا ينص صراحة على الإنتهاكات الاقتصادية كجزء من العنف الأسري كما تنص على ذلك المعايير الدولية (6).

كما كشف مستشار وزير العدل لشؤون البرامج الاجتماعية والأسرية د.ناصر العود إن الصعوبات التي واجهت العدل في تطبيق نظام الحماية من الإيذاء تكمن في عدم دراسة النظام من جانب القضاة وبالتالي لا بد من تنظيم حلقات نقاش ودورات حول النظام، وعدم تحديد مفهوم الإيذاء مفهوما إجرائيا بما يمكن القضاة من الرجوع إليه، حيث جاء من ضمن المفهوم (امتناع شخص أو تقصيره في الوفاء بواجباته والتزاماته) ولم تحدد الواجبات والالتزامات بشكل دقيق بما يمكن من إصدار أحكام واحدة في القضايا المشابهة(7).

كما أن من منتقدي القانون من يرى أن الأنظمة القضائية لوزارة العدل تقف أمام قضايا العنف والولاية بدليل إجرائي موحد.

 

رغم وجود قانون، لا تغير ملموس

فبين قصة سمر بدوي 2009 قبل إقرار قانون الحماية من الإيذاء وقصة مريم العتيبي 2016 بعده، لم نلحظ تغيرًا  ملموسًا فرغم تشابه قصتهما مع عنف الولي الذي استغل مكانته التي يمنحها له القانون فالمعنفة إذا ما قررت مواجهة معنفها بالتخلي عن صمتها -وطرق الأبواب التي يفترض أن تكون مفتوحة لتنقذها وتخلصها من ما تعانيه من أقرب الناس إليها- تفاجأ بعقبات تتلوها عقبات أخرى. لتقبل شكواها لدى قسم الشرطة تحتاج “وليها” الذي على الأرجح وفي عدة قصص قرأناها وسمعناها يكون هو المعنف الذي تريد رفع شكوى ضده، وإذا ما قُبلت شكواها دونه، فيمكن لوليها مباغتتها برفع قضية عقوق ضدها كما في حالة سمر بدوي حيث تم احتجازها 7 أشهر بتهمة العقوق، وقد يكون شقيقها “غير الولي” والتي تود رفع شكوى ضده بسبب تعنيفه المتكرر كما في حالة مريم العتيبي ليتم الضغط عليها لتتنازل عن شكواها عن طريق والدها الذي تمكن من رفع شكوى عقوق لتحتجز يومين – و يبدو أنها تنازلت عن شكواها لتنال حريتها- وبذلك وبالاستناد على ثغرات قانونية يستطيع المعنف أحيانا  الفرار من العقاب وتبقى المعنفة في دائرة المأساة.

أما في مارس من عام 2014 اضطرت مواطنة -وخلال فترات عديدة- إلى دفع مبالغ مالية لزوجها، فقط لكي يتوقف عن ضربها وإيذائها هي وأطفالها تحت سن خمس سنوات حتى وصلت المبالغ المدفوعة لقرابة 300 ألف ريال، اضطرت بعدها للجوء للجهات المعنية لفسخ عقد النكاح، بعدما حبسها وأولادَها في المنزل، ووضع إسمنتاً على بابه طيلة خمسة أشهر، ولم تخرج منه إلا بعدما حضرت الشرطة التي فتحت تحقيقاً في الموضوع (٨).

وفي قصة أخرى توضح إنحياز الأنظمة التي تعتبر المرأة ناقصة الأهلية بينما الرجل العليل يكون ولي ويعطى الإذن رسميا بالتلاعب بحياة المرأة حاضرها ومستقبلها ويحولها لجحيم لا يطاق، فقد تمكن مواطن من استغلال ولايته على شقيقاته الثلاثة بعد وفاة والده ومنع الأولى من مزاولة عملها بعد أن قضت 20 عام في التعليم وهي في العقد الرابع من عمرها (٩).

بينما منع الأخريات من الدراسة في الجامعة وضربهن وحبسهن داخل المنزل فيما هو يراقب خارج المنزل بالكاميرات من غرفة معزولة، كما هددهن بالقتل، وبعد شهر من تقديم بلاغ للشرطة توجه رجال الأمن للمنزل وطرقوا الباب ولكن بلا فائدة، مع العلم أن الشؤون الاجتماعية رافقت الدوريات مرة واحدة فقط، ولم يروا منهم أي تجاوب.

بالرغم من أن نظام الحماية من الإيذاء ينص في مادته الثامنة أنه” إذا ظهر لوحدة الحماية من البلاغ خطورة فعليها إبلاغ الشرطة وغيرها من الجهات الأمنية والطلب منها إتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للتعامل مع الحالة بما يتماشى مع خطورتها” وهذا ما تم تجاهله.

وفي مادته السابعة / الفقرة الخامسة تنصّ على: “أنه في حالات الإيذاء غير الخطير-لم يتم توضيح ماهيته- أن تبقى الحالة مع عائلتها مع أخذ تعهد على ربّ الأسرة أو من يقوم مقامه” وسبق أن حدث مثل ذلك في عام 2008 حيث أخذت الوزارة تعهد على ذويّ هاربة من أسرتها إلى دار الحماية ثم تعهدوا بعدم إيذائها مجددًا ليعيدوها معهم ثم بعد أيام علمت الوزارة أن من تعهد بعدم الإيذاء قد قتلها! (10).

وبين الفينة والأخرى تظهر لنا شبكات التواصل الاجتماعي قضايا العنف وكأنها أصبحت أشبه بالظاهرة الصامتة التي تنخر في المجتمع، مع وجود قانون هزيل وتطبيقه يجري بحسب الوضع العام للمعنفة فيمكن أن تتدخل علاقات معنفها في الحد من إيصال صوتها أو حتى الإيقاع به ومحاسبته على تعديه المتعمد على الضحية، كما في حالة أحلام الشمري التي كان مصيرها دار الرعاية للفتيات -وهي تشابه السجن في نظام ادارتها- بعد أن سردت قصتها عبر تويتر وتمكن والدها من إدخالها من مكان كانت تخشاه وتستجدي المجتمع بأكمله -وبمقدمته الحاكم- على أن لا تدخله، لكنه كان الكابوس الذي كان في إاتظارها ولم تستطع الفرار منه وبات النشطاء عاجزين عن إخراجها أو عمل شيء لها حتى من خلال تغريدات، بحيث أصبحت كغيرها من ضحايا العنف في مهب النسيان.

 

مساهمة نظام الولاية في إستمرار العنف

يمكن تلخيص فلسفة الدولة المتّبعة في قضايا المرأة بأنها ناشئة غالبا عن ثلاثة جذور: الأعراف القبلية الأبوية والبعد الديني السلفي للدولة و أخيرا الطفرة المادية المصاحبة لبدايات إنشاء الدولة و مؤسساتها (11)

وعلينا أن ندرك أن أي قانون سيصدر وإن كانت مواده المدرجة أنيقة فإنه سيصعب تنفيذها في واقع مجتمعي معقد وأنظمة جائرة بحق نصف المجتمع بجعل النصف الآخر متحكما ومسيطر على حياتهن وعلى أبسط أمورهن فهن لا يملكن الخيار بل يجبرن على التملق للرجل لإسترضاءه وإستجداءه لإكمال الدراسة أو العمل أوالخروج من السجن وغيرها من أمور متعلقة بأدق تفاصيل حياتهن.

فبالنسبة إلى المرأة السعودية، تُعد حرية الاختيار من الكماليات، حيث يجب أن تتطابق قراراتها مع قرارات ولي أمرها، ووحدها المرأة التي تعيش مع ولي أمر متفهم يمكنها التحكّم بحياتها أما البقيٌة فعليهنّ أن يتعايشن مع القيود التي يفرضها عليهن أولياء أمورهن (12)

فالأولى إسقاط ولاية الذكر عن المرأة منذ بلوغها سن الرشد تماماً كالذكر لتصبح مستقلة بذاتها وتدير حياتها بالشكل الذي هي ترغبه، وليست بحاجة لشخص آخر يكون الوصي والمتحكم بقراراتها المصيرية فهي كاملة الأهلية أمام القانون ويجب أن تعامل على هذا الأساس في القوانين! وإلا فإن أي قانون يستحدث لن يحل القضية بل سيعمق وجودها لأنه لم يمسّ جوهرها.

وسبق أن طالبت المديرة التنفيذية لبرنامج الأمان الأسري الوطني الدكتورة مها المنيف بضرورة إلغاء صك الولاية على المرأة وتعديل نظام الولاية، خاصة بعد أن تبين أنه أحد أسباب ممارسة العنف على المرأة -نوفمبر من عام 2010- وقالت إن الدوائر الحكومية لا تأخذ برأي الأشخاص وإنما تأخذ برأي الولي حيث تم توسيع مظلة الولاية لتشمل كل أمور المرأة من تعليم وعمل وسفر وكأنها سلعة! (13)

وكان من ضمن إقتراحات منظمة هيومن رايتس ووتش لوزارة العمل والتنمية الإجتماعية: تعديل المادة الأولى لنظام الحماية من الإيذاء “بسحب الولاية من كل من اتهم بارتكاب انتهاكات، وكذلك سحب الولاية ممن يرفض إطلاق سراح امرأة من السجن أو يرفض مغادرتها لملجأ كما يجب تعديل مواد القانون التي يبدو أنها تعطي أولوية للمصالحة العائلية على حساب حماية المرأة أو التي توفر ملجأ فقط للحالات التي تعتبرها الوزارة خطيرة (14)!”

وسبق أن صنف رئيس جمعية حقوق الإنسان الأسباب التي يتم من خلالها نزع الولاية من الولي، قائلا إن ذلك يتم في حدود معينة، منها إذا كان الولي يعاني مرضا عقليا، أو يمارس العنف الأسري، وعضل النساء عن الزواج، والحرمان من الميراث، وإدمان المخدرات، كاشفا أن هناك أولياء كالإخوة المتسلطين، ويتم إسقاط ولايتهم بعد التأكد من ذلك من قبل الجهات القضائية (15)

وقد يقول أحدهم أن المرأة تستطيع أن تذهب للمحكمة وتطالب بإسقاط وليها السيء لكن ليس من السهل الحصول على حكم لصالحها بل بحسب مزاج القاضي فهي مضطرة لإقناعه أولاً بأن وليها غير جدير بهذه المسؤولية وأن تثبت أنه مصدر للضرر عليها وتطول القضية وربما تتعقد لدفع المرأة لليأس والتوقف، وإذا ما صبرت واستمرت قد يصدر الحكم بنقل الولاية من شخص لآخر وهي على الأغلب أن تكون الولاية للمرأة نفسها في حدود ضيقة إذا كانت أرملة أو مطلقة ” بعد أن يرى القاضي أنها قادرة وتستحق”.

وطبقاً لمحامية تعمل مع الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان فإن إلغاء ولاية الأب، حتى لو كان مسيئاً، هي إحدى أصعب القضايا التي يمكن توليها، ولا تتعدى نسبة النجاح فيها 1 إلى 2% (16)

كما أوضحت عضو جمعية حقوق الإنسان السعودية، الدكتورة سهيلة زين العابدين: أن أكثر الجرائم التي تعاني منها المرأة تتعدى العنف الجسدي إلى القانوني، فبحسب القانون السعودي في حال أقدمت امرأة على جريمة حتى ولو كانت بسيطة مثل جريمة أخلاقية في الشارع، لا تستطيع الخروج من السجن إلا بموافقة ولي أمرها، وتضيف “كثير من السعوديات مسجونات حتى بعد أن أنهين فترة سجنهن، حاولنا في الجمعية أن نجد حلولا لهذه المشكلة الكبيرة، للأسف هناك تناقض كبير في النظام، فالمرأة تُعامل كإنسان كامل الأهلية عند تطبيق العقوبة عليها، ولكن عندما تنتهي العقوبة يعود النظام ليعاملها كإنسان ناقص يحتاج لولي يستلمه، ويحكم في كثير من الحالات أن تقضي كامل حياتها في السجن بسبب خطأ قد لا يقارن بما يفعله الرجل من جرائم. ولا تستطيع مغادرة السجن إلا بموافقة ولي أمرها (17)”.

وسجلت المحاكم في عدة مناطق 50 قضية خلال العامين الماضيين تطالب فيها نساء بنزع الولاية بعد تعرضهن للعضل والعنف والحرمان من رواتبهن وممارسة العنف اللفظي تجاههن.

 

تفاعل الجمعيات مع اليوم العالمي لمناهضة العنف

أطلقت جمعية وئام للتنمية الأسرية بالمنطقة الشرقية حملة “إفهمني” بالتزامن مع اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة الجمعية نشرت عبر حسابها في تويتر منشورات وصفتها بالتوعوية، لكن حقيقه الأمر أن المنشورات كانت مسيئة للمرأة وترسخ الفكر الذكوري بالمجتمع إذ أنها حملت المرأة المعنفة مسؤولية ما تعانيه وظهرت المرأة كجارية تتوسل العفو والمغفرة على جُرم لم ترتكبه “التعنيف” من سيدها الذي لم تحملة الجمعية أي مسوؤلية تجاة تعنيفه بل وبررت له وتحدثت بلسانه بلوم المرأة على الروتين ومطالبة إياها بالتغيير وكأن هناك مبرر يمكن قبوله كدافع للتعنيف!

الجمعية لديها برنامج لتأهيل الشباب المقبلين على الزواج استفاد منه أكثر من 20 ألف متدرب حسب موقعها ولنا أن نتصور الأسلوب المتبع لتلقين الأزواج الجدد الدور المستقبلي حسب الجنس لا كشركاء في أسرة واحدة.

الحملة واجهت موجة غضب عارمة حيث أطلقت ناشطات هاشتاغ #لسنا_خادمات_يا_جمعيه_ويام وهاجمن الجمعية والقائمين عليها مما دفع الجمعية لحذف جميع منشوراتها والاعتذار من النساء بتصريح مدير الجمعية د.محمد عبدالقادر عبر قناة العربية  أن الجمعية أخطأت ولم توفق في إبراز ما أرادت أن توصله.

وفي جولة سريعة على الجمعيات الأخرى فقد أطلقت جمعية الوليد الإنسانية حملة #سكوتك_علامات_الرضا وهي حملة توعوية للحد من العنف ضد المرأة ونشرت فيديو لفتاة تتلقى الصفعات دون أن تتحدث أو تدافع عن نفسها ولو بيدها، الفكرة لم يوفق القائمين عليها حيث جعلوا الصمت دليل للرضا بينما من الممكن أن يكون له دلائل أخرى كعدم قدرتها على الوصول أو التواصل مع لجان الحماية بسبب المعنف نفسه.

أما هيئة حقوق الإنسان السعودية فقد اكتفت بالتذكير ببعض مواد نظام الحماية من الإيذاء.


🌷 تنامي العنف

تعزّز دراسات أعدّها “مركز رؤية للدراسات الاجتماعية” أنّ 83% من الزوجات المعنّفات تعرّضن للعنف الجسدي، فيما أكّدت دراسة متخصصة أخرى أنّ ثلاث سعوديات من أصل خمس يتعرّضن لعنف منزلي وكذلك في مكان العمل. وتقول المتخصّصة الاجتماعية نوف العلي إنّ “المرأة -سواء أكانت أماً أو أختاً أو ابنة- تتعرّض للعنف بسبب رواسب ثقافية مجتمعية منحت الرجل السلطة العليا. يأتي ذلك إلى جانب تدنّي مستوى دخل بعض الأسر، الأمر الذي يضطر المرأة إلى تحمّل العنف خوفاً من عواقب الطلاق، لعدم توفّر ملاذ آمن يحميها”

وكشف تقرير للجمعية الوطنية لحقوق الإنسان عن أنها تلقت 111 قضية عنف كانت ضحيتها نساء في الأشهر الستة الأخيرة فقط، فيما سجّلت في العام الماضي 317 قضية عنف في حقّ امرأة واستقبلت المحاكم السعودية 11 ألفاً و130 قضية إعالة وولاية في مختلف المناطق.

وبلغت حالات العنف الأسري التي تلقتها الداخلية خلال 5 أعوام 12267 قضية، بينما بلغت الحالات بحسب إحصاءات العدل 1110 قضايا عنف ضد المرأة خلال 3 أعوام (18)

وفي مارس الماضي أُطلق مركز بلاغات العنف الأسري التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية لتلقي شكاوي العنف الأسري، فتلقى المركز 1890 في الأيام الثلاثة الأولى (19)

وكشفت دراسة أعدتها الباحثة نجوى الثقفي -ونشرتها جامعة نايف للعلوم الأمنية- عن جرائم العنف الأسري في المجتمع السعودي أواخر للعام الحالي أن تفوق المرأة التعليمي على الرجل يعرضها في العديد من الحالات إلى أن تكون ضحية للعنف (20)

وأضحت الدراسة أن “أهم العوامل الاجتماعية المؤثرة في جرائم العنف الأسري الوضع الاقتصادي، والتنشئة الأسرية، وتباين المستوى التعليمي”، وذكرت الدراسة أن “الوضع الاقتصادي من أهم العوامل المؤثرة في جرائم العنف الأسري، حيث يعاني الجاني من أزمات اقتصادية تزيد من وتيرة الخلافات، فيرى أن مرتب الزوجة من حقه، وفي حال رفضها منحه إياه يستخدم العنف معها”. وأضافت أن “أهم العوامل الاقتصادية المؤثرة في جرائم العنف الأسري البطالة التي يعاني منها الجاني، فيشعر بتدني منزلته ومكانته، فيمارس العنف ضد المرأة”.

وهي مطابقة لدراسة أجراها مركز”عالم بلا مشكلات” للاستشارات الاجتماعية والتربوية عام 2012 حيث كشفت أن 50% من حالات العنف ضد المرأة العاملة سببها العنف “الاقتصادي”، والمبني على حرمان المرأة من حقوقها المادية، والاستحواذ على أي دخل شهري ثابت لها، سواء من الميراث الشرعي، أو الكسب الوظيفي، أو معاشات التقاعد والضمان الإجتماعي. (21)

وعن ارتفاع عدد حالات العنف الأسري في القصيم إلى 1135 حالة مقارنة بالعام الماضي 1021علق أمير القصيم بأن “القوامة هدف لحماية الأسرة ويجب ألا تكون تسلطًا استبداديًا ومصادرة لرأي المرأة وإزدراء شخصيتها. (22)”

فيما استقبلت وحدة الحماية الاجتماعية بالدمام 1154 بلاغا لحالات اجتماعية خلال العام الماضي 1437هـ ، عبر مركز البلاغات جرى التعامل مع 1101 حالة، بينما 53 حالة منها قيد المعالجة . (23)

 

خاتمة

نصت المادة الثامنة من القانون الأساسي للدولة على المساواة بين المواطنين السعوديين ونبذ التمييز على أساس الجنس، ومع ذلك تواجه المرأة السعودية نظام التمييز ضدها في غالبية أنظمة الدولة مما يعني إستمرار سلطة الرجل وامتيازاته في النظام الأبوي باستمرار خضوع النساء و قبولهن (24)، لكن مؤخرا ظهر جيل واعٍ يرفض الدور الهامشي المفروض عليهنّ عن طريق التمرد عليه بالحديث عن ما يعانينه في كافة شؤون حياتهنّ وإطلاق حملات تطالب بحقوقهن مثل إسقاط الولاية وقبلها قيادة السيارة. سيقلقنّ المجتمع ويلفتنّ نظر السلطة وسيتوقفنّ حين يغيرنّ ما يهدف إليه النظام بجعلهنّ كائن ضعيف تحت وصاية آخر لا يسمح لهنّ بتقرير مصيرهنّ.

النظام الذي يضع المعنفة أمام خيارات ضيقة بعد هروبها من معنفها لدار الحماية فهي تجبر على اختيار واحد من بين ثلاثة في غاية الظلم والجور: العودة لمعنفها، تزويجها للخروج من الدار، أو البقاء داخله في مواجهة بيئة غير صالحة للحياة الآدمية.  

ينبغى أن تقرّ السلطة بوجود قوانين تمييزية وأن تغيرها لا أن تجملها وأن تقف في صف الضحية لا جلادها، أن تمنحها الأمان لا الخذلان، فالسلطة أقرتّ مبدئيا بذلك بإنضمامها إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة”(سيداو) عام 2000 رغم تحفظاتها وهي مُلزمة بإلغاء التمييز ضدّها، لكنها كعادتها لا تلتزم بإتفاقيات من شأنها تغيير الوضع الحالي للأفضل، والسلطة وحدها من وضعت كل هذه القوانين وفرضتها على المجتمع الذي لطالما كان الشماعة لحرمان النساء من حق ما، فإذا ما أراد والد إحداهن إسقاط ولايته عن ابنته البالغة على سبيل المثال فإنه لن يستطيع، كذلك إذا سمح لها بالقيادة فإنها لن تستطيع، فهناك قوانين وضعتها السلطة كقيود لا يمكن التحرر منها إلا عن طريق تغييرها من صاحب القرار ذاته وليس المجتمع أو أي تيار آخر.

 

المراجع:

(1) https://saudiwomenrights.wordpress.com/2014/03/01/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%86%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%AF%D8%B1%D9%8A-%D8%B6%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B3%D8%A7%D8%A1-%D9%88-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81/

(2) http://news.bbc.co.uk/2/hi/4078677.stm

(3) http://www.assakina.com/rights/human-rights/31476.html

(4) http://www.bbc.com/arabic/middleeast/2013/04/130430_saudi_arabia_violence_compaig

(5) http://makkahnewspaper.com/article/67683

(6) https://www.hrw.org/ar/report/2016/07/16/292114

(7) http://makkahnewspaper.com/article/67683

(8) https://sabq.org/BluGHe?w=ac2

(9) http://www.alweeam.com.sa/429067/%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%B7%D9%86-%D9%8A%D8%AD%D8%A8%D8%B3-%D8%A3%D8%AE%D8%AA%D9%87-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%84%D9%85%D8%A9-%D9%88%D8%B4%D9%82%D9%8A%D9%82%D8%AA%D9%8A%D9%87%D8%A7-%D9%85%D9%86%D8%B0/

(10) https://saudiwomenrights.wordpress.com/category/%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D9%86-%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B3%D8%A7%D8%A1-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF/

(11) https://halahayat.wordpress.com/2014/11/11/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%8A-%D9%86%D8%AD%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%87%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%83/

(12) https://www.foreignaffairs.com/articles/2016-08-29

(13) http://www.alyaum.com/article/2801238

(14) https://www.hrw.org/ar/report/2016/07/16/292114

(15) http://alwatan.com.sa/Nation/News_Detail.aspx?ArticleID=274958&CategoryID=3

(16) https://www.hrw.org/ar/report/2008/04/19/255717

(17) https://www.alaraby.co.uk/society/2016/11/25/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%B6%D8%AD%D9%8A%D8%A9-%D9%82%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%86-%D9%84%D8%A7-%D8%AA%D8%AD%D9%85%D9%8A%D9%87%D8%A7-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%86%D9%81

(18) https://www.alaraby.co.uk/society/2016/9/27/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%B3%D8%B9%D9%8A-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%81%D9%83-%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AC%D9%84

(19) http://www.alriyadh.com/1141423

(20) http://www.alwatan.com.sa/Nation/News_Detail.aspx?ArticleID=282482&CategoryID=3

(21) http://www.alwatan.com.sa/Nation/News_Detail.aspx?ArticleID=85210&CategoryID=3

(22) http://www.okaz.com.sa/article/1510484/%D9%85%D8%AD%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%AA/%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B5%D9%8A%D9%85-%D9%85%D9%86%D8%B2%D8%B9%D8%AC%D8%A7-%D9%85%D9%86-1135-%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%B9%D9%86%D9%81-%D8%A3%D8%B3%D8%B1%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D8%A7%D9%85%D8%A9-%D9%84%D9%8A%D8%B3%D8%AA-%D8%AA%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%A7-%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D8%B1%D8%A9-%D8%B1%D8%A3%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9

(23) http://www.alyaum.com/article/4168743

(24) https://halahayat.wordpress.com/2014/11/11/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%8A-%D9%86%D8%AD%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%87%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%83/

 

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

النساء السعوديات وقانون الوصاية

وفاء صالحة أتابع تويتر منذ أكثر من خمسة أعوام. ويسعدني ازدياد عدد النساء السعوديات من مختلف المناطق والأعمار …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *