الرئيسية / مقالات الرأي / سوزان أوكين .. والمرأة في ميزان التراث الفلسفي الغربي

سوزان أوكين .. والمرأة في ميزان التراث الفلسفي الغربي

d12a9315-c740-44b4-ae8c-67f4755300ed-250X250 (1)

 أحمد العمر 

عالجت الراحلة سوزان مولر أوكين الناشطة الاجتماعية والأستاذة الجامعية النيوزيلاندية في كتابها: “النساء في الفكر السياسي الغربي” موضوع النساء في الأعمال الفلسفية الكلاسيكية لدى مفكرين عظام أمثال ”أفلاطون” و ”أرسطو” و ”ميل” و ”روسو” بمراجعة لأفكارهم الفلسفية السياسية والاجتماعية التي تبلورت فيها صورة المرأة و تكونت عندهم. فتعد الراحلة من أوائل الكتاب الذين عمدوا على تحليل التراث الفكري و الفلسفي الغربي بتناول علمي. عارضة في كتابها لحجج هؤلاء الفلاسفة الأربعة حول موضوع النساء: طبيعتهن وتنشئتهن الاجتماعية وتعليمهن ودورهن المناسب ووضعهن في المجتمع، وبقراءة لسيرورة تاريخية تهدف بشكل أو بآخر لفهم الأثر الهائل للأوضاع الاجتماعية في تشكيل الإطار الذي يتم وضع المرأة فيه.

فتبتدئ الكاتبة في الجزء الأول من كتابها متحدثة عن عراب الجمهورية الفاضلة الفيلسوف اليوناني أفلاطون و الذي تبدو أفكاره في البداية لغزاً لا يقبل الحل، فكيف لفيلسوف متسق التفكير بصفة عامة أن يؤكد من ناحية أن جنس الأنثى خلق من أنفس الرجال الشريرة الغير العقلاء، ثم يقترح من ناحية أخرى أن على الرجل و المرأة أن يتلقيا تربية متساوية ودوراً إجتماعياً واحداً. ولا شك أن نغمة الكراهية في التراث والأدب اليوناني غير مستغربة، كأعمال هوميروس و هزيود. ففي رواية هزيود التي ظهرت فيها شخصية باندورا الأسطورة اليونانية التي جلبت معها الشرور و الشقاء للعالم ”ومنها ظهر جنس خبيث و قبائل من النساء، و مصدر عظيم للأذى” و كانت المرأة في التراث اليوناني عموماً بمثابة العقاب الأزلي للرجل. و أبرز أشكال التمييز التي برزت في التراث اليوناني بين الرجل والمرأة هو تمييز الفضائل بإعتبار أن هنالك فضائل خاصة للرجل وفضائل خاصة للمرأة تبعا لما تمليه وظائفهم عليهم إنطلاقاً من مفهوم ”الطبيعة” الذي سنتوسع به عند الحديث عن أرسطو. ولا شك أن أفلاطون يشارك رفاقه الأثينيين في إزدراء المرأة التي يضعها مع الأطفال والحيوانات والمرضى والضعاف في محاورة القوانين. وعندما نتحدث عن فلسفة أفلاطون للجمهورية الفاضلة وبالذات في محاورة الجمهورية فيجب أن نفهم أنه ينطلق من أن الفن الحقيقي للحكم هو تقديم أعظم قدر من السعادة للمجتمع بأسره من خلال القيم الثلاث وهي: الإنسجام والفاعلية والخير الأخلاقي. و مفهوم الخير الأخلاقي هو أن يعنى رجل السياسة بإصلاح أخلاق المجتمع، وليس فقط أن يحافظ على حياتهم، عن طريق التربية والقانون؛ ولا يمكن أن يتم ذلك حسب تصور أفلاطون إلا بإلغاء الملكية الخاصة؛ فالشخص الفاضل حسب تعبير أفلاطون هو الذي يتجاوز مصالحه الخاصة ويفصل نفسه عن عاطفة الاقتناء قبل كل شيء، وبذلك يضمن أمن الدولة و رخائها.

فيجب أن نفهم جيداً أن موقف أفلاطون موقف راديكالي في جمهوريته ودولته المثالية الذي عمل على التشكيك بمعظم عادات و تقاليد معاصريه. ولأن أبرز الطبقات التي تشغل اهتمام أفلاطون في جمهوريته هي طبقة الحراس عمل جاهداً على تخليصهم من جميع الارتباطات والعواطف التي يمكن أن تقلل من تكريس جهودهم للدولة من خلال إلغاء الأسرة كونه يرى أن هنالك تطاحناً بينهما، ولكي يضمن الولاء الكامل من الحراس للدولة فقد ألغى الأسرة ببساطة، والذي دفعه بذلك ”مضطراً” على حسب تعبير سوزان أوكين لإلغاء دور المرأة التقليدي الذي كان منحصراً حول الأسرة و جعل جنس الأنثى مشاركاً لجنس الذكور في التربية و في كل أنماط الحياة إلى أقصى حد ممكن، وأن يتلقيا الوظائف المطلوبة للدولة بالأخص بما في ذلك: الحراسة و الفلسفة. هذا الموقف الراديكالي من أفلاطون لم يكن انطلاقاً من مفهوم تقدمي إيماناً بالقدرات الكامنة عند جنس الأنثى، فتحرير الحراس من النساء لم تكن قضيته إطلاقاً، بل قضيته هي إلغاء الأسرة التي قادت بشكل مباشر إلى تحرير الحراس من النساء. وذلك يتضح في مدينة أفلاطون الثانية “محاورة القوانين” عندما فشل المشرع الأثيني عند أفلاطون تطبيق هذه المفاهيم في حالات كثيرة، ومنذ أن اقتنع أن الملكية لا يمكن أن تكون مشاعاً بين المواطنين، كانت إعادة وضع الملكية الخاصة أمر ”تلقائي” مرتبطاً بعودة نظام الزواج والأسرة وإعادة حصر المرأة في إطاره كملكية خاصة للرجل.

تنتقل الكاتبة في الفصل الثاني من الكتاب للحديث عن أرسطو حيث أنه على –حد تعبير أوكين– يختلف عن أفلاطون من حيث كون أفلاطون ناقداً يثير أسئلة راديكالية، أما أرسطو فإنه يشرع في تحصيل المعرفة عن الطريقة التي يوجد بها العالم. فهو بنفسه الذي أنشأ المذهب الوظيفي أو النظرة الهيراركية التصاعدية الذي يرى الكون مرتباً من النبات إلى الإنسان، فالإنسان عنده هو قمة الموجودات الفانية والموجودات البشرية هي الموجودات العليا. و لكن نجد أن النظام الهيراركي يتدعم و يجد حضوره حتى داخل الجنس البشري، و لذلك نجد أرسطو يستخدم كلمة الإنسان طوال حديثه أو الموجود البشري؛ لكن سرعان ما نجد أن فئة قليلة وضئيلة جداً من جنس واحد من الجنس البشري ينطبق عليها هذا اللفظ، فالنساء و العبيد و الحرفيين و الصناع هم ليسوا سوا أدوات مساعدة على تحقيق السعادة القصوى للإنسان؛ فالإنسان عنده ليس سوى الرجل الحر المترف، وبذلك هو يبرر بشكل غريب وضع الرق ويصفه بأنه مفيد وعادل، ويبرر سيطرة وهيمنة الرجل على المرأة بكون المرأة هي أدنى من الرجل تبعاً لطبيعتها ولوظيفتها التي يدعي أنها تفترض عليها ذلك؛ فالمرأة عنده كائن لا يتجاوز وظيفة الإنجاب وواجبات المنزل، فهذا هو المبرر الوحيد بالنسبة له لوجود الأنثى على الإطلاق. ويرى أنه لا ينبغي على المرأة أن تكون ذكية وقوية وشجاعة ولا أن تحكم لأنها لا تستطيع أن تحوز على العقل التام الذي هو شرط الحكم عنده ولا تحتاجه فلا وظيفتها ولا طبيعتها تتمازج مع العقل و الفكر، و يقارن علاقة السيد بالعبد بعلاقة الزوج بزوجته، و بذلك يهبط بالمرأة إلى أدنى منزلة من الموجود البشري.

ومن ثم تذهب الكاتبة لحقبة نشوء و تدشين الفلسفة السياسية الحديثة التي تأسست مع أب فلسفة العقد الاجتماعي توماس هوبز لتتحدث عن فيلسوف مثير للريبة كجان جاك روسو الذي يعتبر نموذج من نماذج فلاسفة العقد الاجتماعي ومذهب المساواة الحديثة وبنفس الوقت يعتبر رائد التراث الأبوي البطرياركي الحديث والمنظر له فهو يقدم نفسه كمفكر وفيلسوف وتربوي مثالي؛ فأفكار روسو عن النساء تتمحور حول طبيعتهن وتعليمهن ووضعهن المناسب في الجسم والنظام السياسي والاجتماعي. فهو يحمل تأييداً ودعماً للتراث البطرياركي المتمثل في أفكار أرسطو في حصر المرأة من ناحية التحديد الوظيفي لخلق تبريرات النقص والعجز عن التفكير بخلاف الرجل الذي يملك القوة اللا محدودة في التفكير العقلي والإبداع، وتأكيد مسألة الأبوة والسيطرة المطلقة للأزواج وحصر المرأة في المنزل، وذلك لكونه عنى عناية تامة بالأسرة النووية كونها مؤسسة طبيعية محارباً أفلاطون في جمهوريته عندما ألغى الأسرة. وبات يبرر أوضاع المرأة الاجتماعية وحالة اللا مساواة مع الرجل بقوله: أن هذا الوضع لا يمكن أن يكون مجرد عرفاً اجتماعيا أو من صنع الإنسان، بل هو حكم العقل.

فعندما يناقش مسألة طبيعة المرأة ودورها يجب أن نفهم أن جانب كبير من كتابات روسو مخصصة لما نسميه بتأليه الطبيعة، فهو يرى أن السلبية والخضوع والخجل ونقص العقل عند المرأة ليست ناتجاً عن عوامل تطور النظم الاجتماعية والإقتصادية التي فرضت عليها وإنما كلها خصائص فرضتها ومنحتها لها الطبيعة  ومن ثم يجب أن تسوَر و تؤطر من خلالها. فهو عندما تحدث في كتابه ”التفاوت بين البشر” كان يؤكد على أن: الطبيعة لا تفعل شيئاً باطلاً ولا تكذب. لكن التفاوت بين البشر و حالة اللا مساواة لم تكن بسبب الطبيعة، فعندما يرجع ليتحدث عن الإنسان الطبيعي والحالة الطبيعية التي كان يعيش عليها في المجتمع البدائي معزولاً متجنباً للتعاون إلا في اللقاءات العابرة المؤقتة لدوافعه الجنسية، وكون البشر أحراراً مستقلين، فباعتباره فهو يبرهن على أن الإنسان بطبيعته خيَر بناء على حالة الطبيعة التي كان يعيشها. ولكن ما أن بدأت الأحداث الحاسمة لحظة بداية التعاون المنظم بين البشر فظهرت الأنانية وتلوث الجنس البشري ويظهر هذا التلوث متشكلاً في إقامة الملكية الخاصة وتقسيم العمل الذي ساهم بشكل أساسي بأن يهم بعض الناس في إفساد غيرهم واستعبادهم. وهذه الأحداث هي التي تفصل بين حالة الطبيعة للجنس البشري عن بداية المجتمع المدني كما في كتابه ”أصل التفاوت“. الجدير بالملاحظة أن حالة اللا مساواة البشرية التي يتحدث عنها روسو في كتاب ”أصل التفاوت” التي يرى أنها نقطة التحول السيئة للإنسان الخير عن طريق إرساء الملكية الخاصة كانت فقط تتمحور حول حالة اللا مساواة بين ذكر وذكر، فهو ببساطة يشير إلى النساء بلا وخز ضمير بأنهن: الجنس الذي ينبغي عليه أن يطيع؛ فطاعة المرأة و هيمنة الذكر و سيادته ناشئة لدى روسو من أهمية الأسرة النووية عنده، ففي روايته ”أميل” عندما يقال لصوفي: “عندما يصبح أميل زوجك فإنه يصبح سيدك. تلك هي إرادة الطبيعة التي ينبغي عليك طاعتها”. يتجلى التناقض الصارخ عند روسو عندما يهاجم الرق ومؤسسة الرق ويرفض سردية أرسطو التي تتعاطى مع الرق على أنها ”حالة طبيعية” فيقول: أن استمرار مؤسسة الرق ناتج عن القوة التي أنتجت أول العبيد وجبنهم الذي جعل هذا الوضع يدوم. هنا يتعامل روسو مع الحالة بقراءة للظروف البيئية و الاجتماعية و السوسيولوجية و يرفض مفهوم الطبيعة، و لكنه لا يتورع في أن يتعامل مع المرأة بهذا التصور المبتسر بأن وضعها الإجتماعي وعبوديتها ما هو إلا أمر الطبيعة.

وعندما نمر على مفاهيم المساواة والحرية في الفكر السياسي عند روسو نجد أنها تنصب حول قضية التفاوت وعدم المساواة التي شغلت أعظم اهتمامه، فهو ينطلق بنظرية العقد الإجتماعي التي يراها الحل الوحيد لمشكلة السلطة السياسية التي كانت في السابق تقوم على الخضوع للقوة والثروة، وتجعل من إرادة الناس ذات سيادة. وإذا عدنا إلى معالجة روسو لموضوع النساء فإن مفهوم المساواة السياسية لديه محصور برؤساء الأسر البطريركية الأحرار المتساوين، ومن ثم ضرورة إبعاد المرأة من الحقل السياسي بل ونزعها من إطار المواطنة السياسية والمساهمة  في تشكيل الإرادة العامة وحصرها في إطار الحمل و الولادة في الأسرة و الأسرة فقط. هذا التمييز عند روسو يتضح أكثر عندما نفهم تصوراته التربوية و الأخلاقية، فالرجل المثالي المتجسد في شخصية أميل في روايته ”أميل” هو الرجل المستقل والذي لا ينبغي أن يعتمد على الآخرين دون نفسه وأن لا يشعر بخضوعه لسلطة شخص آخر. أما المرأة المثالية في تصوراته التربوية فهي مختلفة تماماً، وتتجسد في شخصية صوفي في ذات الرواية والتي يجب أن تكون أبعد ما تكون عن الشخص المستقل ذاتياً، بل أن الإناث يجب شكمهن من الصغر، كما ولا بد أن يخضعن طوال حياتهن لقيود قاسية ومستمرة على حد تعبير روسو، وعند الكبر عليهن أن ينجبن أطفالاً أقوياء ويربين أطفالهن بحكمة. ولا تكون المرأة قوية إطلاقاً عند روسو إلا عن طريق الاستغلال الناجح لسحرها الأنثوي فقط.

ومن ثم تأتي الكاتبة لتتحدث عن الفيلسوف الذي شكل نقطة انتقالية ومفصلية في التراث الغربي الفكري والفلسفي الحديث, عن الفيلسوف الذي أطلق عليه ”نصير المرأة”: جون ستيوارت ميل، فهو الفيلسوف السياسي الليبرالي الوحيد الذي شرع صراحة في تطبيق مبادئ المساواة الحديثة ومفهوم التعاقد السياسي على النساء، ناسفاً بذلك الحواشي الأرسطية التي طغت في التراث الغربي وصولاً إلى فلاسفة العقد الإجتماعي من هوبز حتى جان جاك روسو. فناقش ميل في كتابه ”استعباد النساء” فكرة الخضوع المشروع من أحد الجنسين للآخر، والذي يراه خطأ في حد ذاته ومن أكبر العقبات الرئيسية لتحسين أحوال البشر. فمن منطلق التصور النفعي الذي يؤمن به ميل فالتقدم العقلي و الأخلاقي للجنس البشري سوف يؤدي إلى سعادة أعظم تكون فيها الفضيلة الأخلاقية حاضرة. ولذلك فالمجتمع في أعلى صوره عند ميل هو مجتمع الأنداد و النظراء لا مجتمع المهيمن و الخاضع. ويؤكد ميل على حق المرأة في التعليم والعمل وحق المشاركة السياسية وأن تكون فعالة في مجتمعها كي تكون نداً للرجل، فإستثارة التنافس النسائي بالنسبة إلى الرجال و صحبة شريك متعلم بالمثل سوف يؤدي إلى تطور عقلي أعظم عند الرجال.

فقد كان ميل واعياً بالنتائج الضارة للعلاقات اللا متماثلة، فعندما يتزوج الرجل امرأة غير متعلمة و طائشة و تافهة تفقد العلاقة تلقائياً الاحترام و التقدير المتبادل، فالإنسان على حد تعبير ميل لا يمكن أن يحترم شخصاً يعتبره أٌقل منه منزلة و اعتبار. ويعد ميل أول فيلسوف كبير منذ أفلاطون يذهب إلى أن الخير واحد بالنسبة للرجل و المرأة، وبذلك يرفض بشدة سردية النظرة الوظيفية التي ترى أن دونية المرأة وإقصاؤها والهيمنة عليها حالة ”طبيعية” تبعاً لما تمليه عليها وظيفتها ويعلق بتساؤل ذكي قائلاً: هل كانت السيطرة في أي وقت من الأوقات غير طبيعية في نظر من يقومون بها؟ فمثلما أن الأسياد في عهد أرسطو كانوا ينظرون للرق كمسألة طبيعية، و النبلاء في عهد الأقنان و سيطرتهم على الأقنان كانت كذلك، فمن المفهوم أن طالما كان استعباد النساء من جانب الرجال عادة فإننا لا نندهش من شعور المجتمع بأنه طبيعي. وكان ميل على إدراك للمدى الذي تستخدم فيه كلمة ”الطبيعة” لجعل العرف مشروعاً و مقرراً و مهيمناً  وغير قابل للنقاش حوله. ومساهماته الفكرية و دفاعه عن المرأة و مطالبته بإعطاؤها حريتها لم تكن رغبة منه في إضفاء السعادة على النساء أنفسهن، و إنما تعود كذلك إلى رغبته في تقدم المجتمع ككل. ولذلك ينبغي أن نشير أن قناعات ميل المناصرة للمرأة التي اعتنقها في فترة مبكرة من حياته كانت نتاج تأثير متبادل بين عدد من المفكرين الذين اختلط بهم أمثال أصحاب مذهب المنفعة العامة والنقابات الاشتراكية المبكرة والراديكاليين النفعيين.

و بعدما تقوم سوزان موللر أوكين بقراءة سريعة للمذهب الوظيفي في الماضي و الحاضر تستنتج أن السمة العامة الأكثر أمناً للتراث الفلسفي الأوروبي هي أنه عبارة عن سلسلة من الهوامش على فكر أرسطو، مختلفة مع موقف ألفرد نورث وايتهد الذي يرى أن أفلاطون الذي كان حاضراً في جملة الفكر السياسي الغربي، موضحة أثر و تداول المفاهيم الأرسطية في العصر الحديث -نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين- بين كثير من علماء الاجتماع والنفس.

و بذلك تختتم كتابها في الفصل الأخير: الأشخاص و النساء و القانون، بالأثر الهائل للأوضاع الإجتماعية في مجتمعها الأمريكي و المواقف و الممارسات القضائية و القانونية في مختلف الولايات منذ القرن التاسع عشر و حتى بدايات القرن العشرين من حيث الممارسات الإقصائية للمرأة وحرمانها من حقوقها السياسية والاجتماعية بتبريرات أرسطية حول طبيعية هيمنة الذكر وسيادته في مؤسسة الأسرة و من ثم صهر المرأة في الأسرة كجزء من سيادته، وافتراض هوية لما يعرف بأنه مجال للمرأة أو وظيفتها. ورغم أن القوانين والمواد الدستورية كانت تصاغ للمواطنين وللأشخاص إلا أن المرأة في تراث الفلسفة الغربية عموما مقصاة من مفهوم الجنس البشري (الموجود البشري) وبالتالي مقصاة أيضا من مفهوم المواطنة والشخص في القانون الأمريكي الذكوري صراحةً؛ كما صرحت و أكدت المحكمة العليا بولاية ماساتشوستس بعدما أنكرت أهلية النساء في الانضمام إلى هيئة المحلفين بقولها: لا يصح أن يستنتج من حذف كلمة ذكر أن هنالك نية لضم النساء. واستمر ذلك حتى منتصف القرن العشرين وبعد أن نالت النساء حق الإقتراع بفترة طويلة، وكانت ولاية ميسيسيبي هي آخر ولاية أبطلت قوانين استبعاد النساء من هيئة المحلفين في عام 1968. لقد أخذ التغيير الجاد في القانون الأمريكي وتعاطيه مع المرأة وقتاً ليس باليسير. وفي بداية السبعينات بدأ الكثير من القضاة في المحاكم العليا يعترفون بالجنس -كالعرق و الأصل القومي- بكونه ”تصنيف مشكوك فيه ذاتياً” وأن القوانين لا ينبغي أن تصاغ للمرأة تبعاً لمفهوم الجنس و الطبيعة الوظيفي، وأن ذلك ليس له علاقة بقدراتها ودورها في المجتمع، بل يجب أن تكون الأعباء القانونية مرتبطة بالمسؤولية الفردية أكثر من أي شيء أخر.

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

دعوة لـ“إنتاج نقاش معرفي تشاركي“، عن المعرفة المتموضعة وسؤال الموضوعية عند دونا هارواي

*مريم الهاجري • الإنتاج المعرفي للنسوية مقدمة تركز هاراوي في مقالتها(١)، على مفهوم المعرفة المتموضعة، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *