الرئيسية / المرأة صوتًا وصورة / الجسد، المرأة، الفن: دردشات على جوانب تويتر – الجزء الثاني

الجسد، المرأة، الفن: دردشات على جوانب تويتر – الجزء الثاني

*فاطمة الزهراء علي

ثمَّة مُتَّسع هائل في وسائل التواصل الاجتماعي لدهشة الاقتراب من “البعيد” بكبسة زر، للنقاش وطرح الأفكار وتبادل الآراء، للتأمل والتأويل، للترفيه والترويح، للتعرف على أصدقاء جدد، للوقوف على صور متعددة للجمال، للعثور على ملاذ ينسينا لبعض الوقت وطأة الواقع؛ ورغم أن الصورة الكاملة لهذا العالم الافتراضي ليست بطبيعة الحال وردية تماما في كل تفاصيلها إلا أن التعرف على من يشاركوننا اهتماماتنا الثقافية والفكرية يظل من أجمل الهدايا التي تقدمها لنا وسائل التواصل الاجتماعي..أشخاص كان من الصعب أن نلتقيهم على أرض الواقع بسبب حاجز المسافات أو لظرف آخر. هنا استكمال لدردشات مع هند السليمان؛ صديقة من هذا العالم الافتراضي، جمعنا الاهتمام المشترك بجماليات الجسد وإشكالاته. هند أخصائية نفسية من السعودية، وأستاذ مساعد بقسم علم النفس، مهتمة بالنسوية وتحديدا إشكاليات الجندر. في هذه الدردشة؛ تجيب هند على تساؤلاتي حول الجمال الأنثوي بصورة عامة، زينة المرأة وعلاقة الرجل بها، ودلالات العُري.

فاطمة الزهراء علي: وجوه النساء المتبرجة والمطلية بالمساحيق في لوحة “الوصيفات” Les Menines التي رسمها دييغو فيلاسكيز Diego Velasquez عام 1656 توحي بأن تزين النساء كان أمرا مقبولا في تلك العصور، لكن في الواقع كانت نظرة الرجال لتزين النساء في أوروبا عصر النهضة متسمة بـ”التوتر” بصورة تشبه توتر الرجال حاليا في مجتمعاتنا المسلمة تجاه نفس الموضوع. تحكي إمرأة اسمها بيغي بين Peggy Pen أن النساء في لندن عام 1660 كُنَّ لا يدخلن بيوتهن قبل تخلصهن من المكياج والمساحيق والشامات لأن “أزواجهن وآباءهن لا يتقبلن تجمّلهن”، مسرحيات موليير أظهرت المرأة التي تستخدم المساحيق بمظهر”السخيفة”، الأديب دو لا سير وصف استخدام المراة للمكياج في كتابه (الاستيقاظ الصباحي للسيدات) بأنه نوع من الخداع، وأقسى العبارات ضد من تتجمّل كانت من رجال الدين حيث وصفوها بـ”المرحاض المُطيَّب بماء الورد”، بل ذكر الراهب فينيلون في كتابه (تربية الفتيات) أن الجمال “مضرّ إلا إذا كان وسيلة لتزويج الفتاة”؛ ما هو تفسيرك لكل هذا التشاؤم من جمال المرأة أو محاولتها للتجمّل؟ ما هو سر الاعتقاد بأن التزين والتجمل مفسد لأخلاق النساء؟ هل النفور من تجمّل المرأة تعبير عن خوف من إفلاتها من وصاية الرجل؟ أم أنه مجرد كراهية لمشابهة البغايا اللواتي اشتهرن باستعمال المساحيق؟

هند السليمان: تتبع تاريخ الجسد، وتحديداً جسد المرأة، باعتباره الحلقة الأضعف، وما تعرض له هذا الجسد من أشكال القمع أو الإباحة هو في حقيقته غوص للتعرف على الصراعات الفكرية في أي مجتمع. فالجسد هو “الفضاء الذي تتمّ فيه ومن خلاله كتابة القوانين وترك بصمات الإمضاءات والامضاءات المضادّة بخطّ غليظ وواضح للقوى الاجتماعيّة المتصارعة”. وهو ما أشار إليه محمد تركي الربيع بقوله “عندما تعتمد النساء أشكال لباس جديدة، فإنهن يضعن أنفسهن في الوقت نفسه تحت سلطة أشكال جديدة من المراقبة، مع اكتساب حريات جديدة بشكل من الأشكال” ومن هنا، فبالعودة للتاريخ سنجد أن العلاقة مع الزينة لم تكن علاقة خطية. أدوات الزينة استخدمت منذ القدم عند حضارات العراق ومصر واليونان والصين وكانت تستخدم إما في الطقوس الدينية أو لممارسات السحر وفك الطلاسم أو للعروض الدرامية والاحتفالية أو للتجمل. وكانت تستخدم من قبل الرجال والنساء على حد سواء لدى بعض الحضارات. وأغلب مواد الزينة مستخرجة من الطبيعة سواء النباتات أو الحيوانات، بل ووصل الهوس إلى حد استخدام مواد كيميائية، كالزرنيخ، بحالتها الطبيعية وما قد يحمل هذا من ضرر، فقط نشوداً لجمال ولتجاوز ما منحته الطبيعة من صفات للفرد. في العصور الوسطى؛ حدث التحفظ وبدأت عملية القمع، وهل هناك طريقة أكثر فعالية للقمع من تصنيف سلبي لممارس السلوك المنشود قمعه وتركه؟ ولعل هذا أحد أسباب حصر المكياج والزينة للمومسات. هنا؛ لم يحدث منع مباشر،؛ ولكن حصر له بفئة غير مرغوبة اجتماعياً مما يسهل النفور منه!

مع نهايات القرن التاسع عشر، عادت زينة الوجه للظهور في أمريكا وفرنسا تحديداً بتأثير راقصات الباليه الروسي. الملاحظ أن عودة المكياج بدأت أولاً بعودة البودرة لطلاء الوجه والكحل للعين، وآخر ماتم قبول استخدامه من دون استهجان هو حمرة الشفاه. فما دلالة هذا؟ الفم والشفاه تحديدا هي أول معاقل الشهوة الظاهر للعيان، بل وموضع محتمل لممارسة جنسية، لذا كانت آخر ماتم القبول بتزيينه. فالتزين هنا يعني إطلاق الجسد للعرض، للرغبة، للوجود. وهذه كلها يجب أن ترضخ لسيطرة القوى المهيمنة في المجتمع حتى لا يحدث مالا تحمد عقباه. حمرة التزيين في حقيقته هو إعلان للغواية، اعتراف بها وتصدير لها. فهل تتسامح المجتمعات مع هذا الإعلان، أم أن هذا الإعلان يربكها فيحصل المنع؟ وفي هذا يقول فوكو “الجسد ليس مجرد كيان طبيعي، وإنما هو كيان ينتج اجتماعيا،من خلال نظم المعرفة والسلطة”. لتوضيح أكثر، في أرياف الشرق الأوسط، حيث القبلة الحميمة بين الرجل وامرأته تتم تقليدياً على الخد لا الشفاه، فكان التزين يركز على حمرة الخد لا الشفاه، ولأنه من المعيب أن تعلن المرأة عن رغباتها، فكانت تتحايل بفرك بقايا الفواكه أو قرص خدودها لتظهر حمراء متوهجة وشابة شهية للقبل، وكأن الطبيعة هي من منحتها هذا ولم تفتعلها، لأنه من العيب أن تسعى المرأة لشهوة القُبَل.

في مجتمعنا وإلى زمن قريب كان يعاب على الفتاة غير المتزوجة أن تضع المكياج أو حتى التجمل وفق اشتراطات النظافة، كإزالة شعر الجسد الزائد. عليها أن تحافظ على براءة ووحشية جسدها حتى يحولها الزواج إلى كائن يتجمل،إلى امرأة. ما الدافع لهذا؟ إنه خوف من أن تكتشف الصبية جسدها قبل أن يكون لهذا الجسد مالك ما”زوج”. الخوف من اكتشاف الصبية جسدها، لذته أو لجماليته،مما قد يدفعها لمحاولة إرضاء هذا الجسد. ولهذا يتم تأجيل اكتشاف لذة وجمالية جسد الفتاة حتى يوجد الآخر الغريب ليكون هو وحده، ووحده فقط، مصدرا وحارسا لهذا الجسد، وأي لذة محتملة له.

التزين هو التفات للجسد واعتراف بقيمته، هذا الاعتراف أمامه عقبات، ومن هنا كانت العلاقة مع الزينه والمكياج مرتبكة ومتذبذبة طوال تاريخ البشرية. في اليونان قديماً، سمي التزين فن الجسد أي تم عده كأحد الفنون. وهنا لابد من التطرق للموقف الإسلامي من التزين، لكشف كيف يلعب مفهومنا عن الذات والجسد دورا في موقفنا من التزين. النص القرآني يقول “ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن” فهنا لم يتم منع الزينة أو حتى تحديد لنوع الزينة، فكل زينة مقبولة ولكن مجالها هو المحدد بالمحرم. في ذات الاتجاه نجد في آية أخرى “فأتوا حرثكم أنى شئتم” إنه إطلاق مفتوح للعلاقة الجنسية ضمن مجالها الشرعي: الزواج. أي لا يوجد تحفُّظ على زينة الجسد ولا يوجد كذلك تحفُّظ على نوعية الممارسات الجنسية طالما بقيت بين الزوجين. أيعبر هذا الموقف المشترك منهما، الزينة والممارسة الجنسية، من علاقة ما تجمعهما تكشف عن التصورات الإسلامية عن الجسد؟ ألهذا نجد في الحضارة الإسلامية فقهاء كتبوا نصوصا أقرب للأدب الإيروتيكي؟ بل وفن التزين إسلاميا كان يندرج ضمن حقل الطب. في المقابل، وكما تصف بيغي بين، نساء اوربا، كن يمسحن الزينة قبل دخولهن المنزل حتى لايراها الأزواج. ولا يمكن أن نستحضر هذه المقاربة، دون الإشارة إلى التحفظ في العلاقة الجنسية بين الأزواج في الثقافة المسيحية الغربية التي جعلت كتاب كاماسوترا يشكل ثورة في ستينات القرن الماضي لانفتاحه مقارنة بتحفظ الثقافة المسيحية حول الجنس والجسد وقتها.

فاطمة الزهراء علي: هناك مفارقة لافتة حدثت في فرنسا في نهاية القرن التاسع عشر وهي أنه عندما بدأت المرأة الباريسية تطالب بحيز أكبر في المجال العام ظهر عليها سيماء “الترجل” المتمثل في ممارسة أنشطة كانت محظورة في السابق على بنات جنسها (مثل: رمي الرصاص، الجري في الغابات، السباحة في البرك العامة، ممارسة التمارين الرياضية..إلخ) وفي نفس الوقت بدأت تظهر على الرجال سيماء “التأنث” المتمثل في الأناقة والهندام الرقيق والثياب الضيقة، واستخدمت مفردة “اللبؤة” لوصف تيار النساء الجدد المطالبات بالمساواة بالرجال – النشيطات، كثيرات المشي والحركة، والمنغمسات في الرياضة حتى غدت الواحدة منهن غلامية القوام – حيث ذكر فريدريك سولييه في روايته (اللبؤة) قصص هؤلاء اللبؤات، وعبر على لسان إحدى شخصيات الرواية (فكتور أماب) عن شفقته على “هذا المخلوق الضعيف الذي تجاوزت شجاعته قوته”. وبالمقابل توسع الكُتَّاب في وصف “الأشكال الرجولية التي أصبحت فجأة لينة العريكة” كما في ملامح شخصيات الرجال الرئيسة في مجموعة (الكوميديا البشرية) التي تصور نموذجا للجمال الذكوري الذي يجمع بين القوة والرقة وبين الحزم والهشاشة. السؤال هنا هو: ما سر هذه المفارقة التي أصبحت ملازمة لغالبية المجتمعات المتحضرة؟ هل المسألة لها علاقة بسهولة الحياة المدنية المعاصرة (إن كان ذلك صحيحا فلم انعكست إيجابا على الرجال ولكن سلبا على النساء!) أم أن الموضوع له علاقة بانقلاب مفاهيم ثقافية تتعلق بالذكورة والأنوثة؟ هل لأدبيات المساواة علاقة في تحجيم المسافة بين أنماط الحياة التي يتبعها الرجال والنساء؟

هند السليمان: لعلني أكثر ميلاً إلى التفسير الأخير الذي طرحته. الاكتشافات التي حدثت في حقل الطب والمفاهيم والتصورات التي قدمتها العلوم الإنسانية وكذلك القراءات الموازية للنفس البشرية التي قدمتها الفنون من رواية وشعر ومنحوتات فنية كلها عملت على الإعادة المستمرة لاكتشاف الذات ولاكتشاف الآخر بالمقابل. هذا الأمر تطلب إعادة تعريفنا لمفهوم الجندر التقليدي. في السابق، تم تقسيم النوع الإنساني إلى ذكور وإناث بحدية قاطعة لامجال لوسط بينهما. وكان الاستثناء مرتبطا بالعمر وتحديداً بفترة المراهقة عند الذكور بمسمى الغلمان الذي أنتج أدبيات وثقافة انتشرت في اليونان وفى مجمل الشرق. وطبعاً كانت هناك استثناءت ممن لم ينطبق عليهم التصنيف الصارم لتلك الفئتين مما جعل أصحابها عرضة للاضطهاد.

علوم البيولوجيا الحديثة كشفت أننا عند الميلاد لا نولد جميعا بهذه القطعية الحادة التي تحدد وتفصل الذكور عن الإناث، فواحد من بين كل مائة طفل لا يندرج تماماً تحت المعايير الجنسية المحددة للنوع، بل هناك من يولدون وهم يحملون الأعضاء الجنسية المكتملة لكلا الجنسين، أو بعضاً من كلا الجنسين. وعلم النفس، أشار إلى أن هناك من يحملون أعضاء مكتملة لنوع جنسي محدد ولكن يرغبون أن يعيشوا كالجنس الآخر أو يشعرون كما لو كانوا من الجنس المقابل. يفتح هذا الاكتشاف مجالاً تعريفياً للجندر لا ينطلق من خصائص الجسد فقط بل ومن خصائص العقل. والأدب مليء بقصص الأبطال الذكور مرهفي الحس، المترددين كما النساء، تقليدياً، من هاملت إلى راسكولينكوف، أبطال ذكور بخصائص أنثوية. كل هذا جعل المهتمين في حقل الدراسات الجندرية يقرون حديثاً بوجود أحد عشر نوعاً جندرياًمتمايزاً للجنس البشري. هذا التحول في الرقم من نوعين للجنس البشري إلى أحد عشر نوعا، فكك قليلاً من الصرامة السابقة في التصنيف. ففي السابق كان الخوف من الاتهام بأننا قد لا نمثل نوعنا، وكان علينا حينها أن نلتزم حرفياً بمحددات النوع الخاص بنا حتى لا تطالنا الشبهة، ولكن مع أحد عشر نوعا يصبح مجال التدقيق والفحص للسلوكيات ولأي نوع ينتمي إليه الفرد ويصنف على أساسه أمر أكثر ضبابية وأقل صرامة.

الأمر الآخر، تأثير نمط الحياة المعاصرة لا يجب استبعاده تماماً. يقول بول سوريو “الجمال هو التكيف الكامل للموضوع مع وظيفته” أي أن القيم الجمالية في أي مجتمع تتحدد من خلال السياق الاجتماعي والبيئي والوظيفي لذلك المجتمع. طبيعة الحياة العصرية لم تعد تحتاج عضلات الرجل، لذا أصبح مجال عرضها والتباهي بها هو الصالات الرياضية، المكان الترفيهي الثانوي في حياة الفرد لا الأساسي. وكذلك لأن الحياة المعاصرة تتجه أكثر نحو نموذج الأسرة النووية؛ فقد أصبح استماع الرجل للمرأة وتمتعه بالفكاهة واللطف في التعامل صفات لها أولوية، في المقابل خروج المرأة للعمل جعل المرأة المرغوبة شكلاً هي ذات البشرة الملفوحة بسمرة الشمس ذات القامة الرياضية المشدودة نتيجة المشي والخروج للشارع،كما أصبح لاستقلالية المرأة وتمتعها بالإرادة وحسن التدبر صفات لها أهمية أكثر من السابق. إنه تمييع للأدوار تطلبته الحياة العصرية التي تركز أن على كل فرد اكتشاف ذاته دون الاستناد المطلق لأحكام الآخرين، وهذا ماجعل اختيار رجال ليكونوا “ربات بيوت” ونساء اخترن أن يمتهن وظائف عُرف بها الرجال تقليديا أمرا مقبولا لمن وجد في نفسه رغبه بذلك، دون خوف من تصنيف جندري قاطع وصارم كما السابق.

فاطمة الزهراء علي: ذكر بيير لويس في كتاب (المرأة والدمية) الصادر عام 1898 ميل المرأة الجميلة إلى “إنطاق جسدها البض والفارع” وقت الانفعال بحيث “تبتسم بساقيها وتتكلم بأعلى جسدها”، ووصف إميل زولا بطلة روايته “نانا” بأنها طويلة القامة وباذخة الجسد، وأن رداءها الملتصق بجسدها كان “يثير مجاهل الرغبة” وتنبعث من جمالها “رائحة الحياة وقدرة كُلِّيّة نسائية تسكر الجمهور”. الطابع الشبقي لشخصية نانا التي يُشبِّهُها زولا بـ”نحلة تفتن الرجال” أصبحت مطلبا لكثير من النساء منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى اليوم، فشعر المرأة – مثلا – تحول لرمز حميمي له حضور طاغ في الأعمال الفنية والأدبية التي تتناول جمال المرأة، أمواج الشعر في روايات الأخوين غونكور Goncourt تجتاح رقاب النساء، الراقصات في لوحات تولوز لوتريك Toulouse Lautrec يصففن شعورهن، المجلات منذ بداية القرن العشرين قامت بترويج حقيقة عدم وجود جمال حقيقي “من دون غزارة الضفائر وكثافتها”؛ نتوقف هنا لنتساءل: هل المرأة تبحث عن الجمال لتحقيق ذاتها ولإرواء غرورها أم أنها تسعى إليه كوسيلة للحصول على الرجل العاشق أو شريك الحياة المناسب؟ هل يبدو حرص المرأة على التجمل والتزين وفق نموذج “نانا” في رواية زولا وكأنه استجابة للمخيال العام لدى الرجال بأنها مجرد أداة لإشباع الرغبة؟ هل من الممكن استبعاد الرجل من معادلة المرأة والبحث عن الجمال؟

هند السليمان: في كل الحضارات القديمةتقريباً آلهة الجمال إناث بل وعلى الأغلب هي ذاتها آلهة النسل والجنس. فمنذ القدم تم ربط الجمال والجنس بالمرأة ، وهذا أمر له تبعاته على الرجل وعلى المرأة وعلى العلاقة بينهما. ولأن المجال يطول للحديث عن هذا الموضوع، فلنحصر حديثنا حول التساؤل بخصوص لماذا تتجمل المرأة؟ وهل تتزين فقط لأجل الرجل؟ وهل تستلهم المرأة ذاتها من خلال عين الرجل فقط؟

الذات في حقيقتها هي امتداد للآخر، كيف يرانا؟ وكيف نرى أنفسنا في عين الآخر؟ ومن هنا استلهام الآخر ضروري لمعرفة الذات، مع الأخذ بالاعتبار أن الآخر يفعل ذات الشيء، يستلهمنا ليفهم ذاته. وبالتالي صورة الذات وصورة الآخر أكثر تداخلا من مجرد فردين متقابلين. فهل تسعى المرأة للتجمل لإرضاء غرورها أمطمعاً في الحصول على رجل؟ لعله كلاهما، مع الأخذ بالاعتبار أن غرورها سيرضيه أن تجد رجلاً يراها جميلة. في دراسة أمريكية وجدت أن 75% من النساء يضعن مكياج إن أردن مقابلة صديقاتهن،بالمقابل 40% من النساء يضعن مكياج أثنا مواعدتهن لرجل، بل وفي حدود ال60% يقمن بإزالة شعر سيقانهن قبل لقاء صديقاتهن لتنخفض النسبة الى 35% حين مواعدة الرجل. هذه النسبة لا تجعل الرجل سبباً رئيسياً لتزين النساء. ولكن لعل المسألة أكثر تعقيداً من كون المرأة تستبعد أو لا تستبعد الرجل في بحثها عن الجمال. في خروجها مع صديقاتها هي تخرج مع آخر قريب للذات، فالتزين لن يحمل بأعباء قد تؤثر على إحتمالية نجاح العلاقة في المستقبل، بينما الخروج مع رجل وإظهار التكلف بالزينة قد يجعلها تبدو وكأنها متلهفة لعلاقة معه أو قد تحفز منظوراً تقليدياً للمرأة؛ متمثلا في أن وقتها تمتلكه لأجل الرجل، للتزين له. هذا مجرد افتراض لا نعلم مدى صحته. ولكن من المؤكد أن نظرة المرأة لجسدها وذاتها وكيف تقيم جمالها لن تخرج عن الثقافة المجتمعية التي تعيش فيها، فهي من تحدد إطاراً للتصورات والقيم.

لنضرب مثالاً هنا، في القرن الخامس عشر كان شحوب البشرة أحد الدلالات الجمالية المطلوبة في المرأة، وهو مايمكن ملاحظته في اللوحات الفنية لتلك الحقبة. وقتها بدأت المرأة تخرج وبكثرة للعمل في الحقول مما جعل بشرتها تصاب بسمره من أثر لفحة الشمس. فالمرأة التي تمتلك هذه البشرة دلالة على أنها إمراة فقيرة تعمل طوال اليوم بالحقل ببشرة جافة متشققة ليصبح المقابل لهذا هو نمط حياة أفضل للمرأة، المرأة المرفهة، التي تمكث في البيت تقراء وتمارس التطريز والحديث بعيداً عن لفحات الشمس لتحافظ على طراوة ونعومه بشرتها. هذا الأمر جعل النساء في ذلك الزمن يلجأن الى نشر بودرة الشعير على وجوههن ليصطنعن شحوب الرفاهية. فهذا الجمال ومعياره لم ينطلق فقط بحثاً عن الرجل/العريس بل بحثاً أيضأ عن نمط حياة مرغوب.

فاطمة الزهراء علي: ظهر الفن العاري في المسرحيات والمجلات والملصقات الأوروبية الحديثة لأول مرة عام 1880 ، ومنذ بداية القرن العشرين أصبح جسد المرأة العاري موضوعا لأعمال الفنانين والرسامين، وأصبحت تُعقد مسابقات لأجمل عنق وأجمل ساق وأجمل صدر، وكنتيجة طبيعية انتشرت الملابس الشفافة والتنانير القصيرة وأزياء السباحة، وأصبح لجسد المرأة معيار جمالي رسخته اللوحات التي تظهر المرأة العارية بقوام له مواصفات خاصة لجميع أجزاء الجسد، هذه المواصفات يمكن اختصارها بـ “أوراك وخصور بارزة فوق سيقان مستدقة وأعلى الجسم ضيق ومصقول”، التطبيع مع ثقافة العري اجتماعيا جعل الرشاقة تحتل نصيب الأسد من الجمال المفترض في المرأة، وغالبا ما تتعرض المرأة التي لا يتوفر جسدها على تلك المواصفات لخطر الإقصاء أو الاحتقار. السؤال هنا: هل تتفقين مع التحليل السابق الذي يفسر وحدة معايير الجمال السائدة في إعلام الموضة المعاصرة؟ هل تعتقدين أن انتقائية التطبيع مع ثقافة العري التي استهدفت جسدا أنثويا بمواصفات خاصة قد أحدث اضطرابا في تصور المرأة في عصرنا لحقيقة الجمال الأنثوي؟

هند السليمان: لطالما كان عري الجسد الإنساني مجالاً للتأمل فنياً ووجودياً وأيروسياً. في الصورتين المرفقتين هنا*نجد أن بين التمثال الأشوري وجسد كيم كرداشيان أكثر من ثلاث ألآف سنة، ومع هذا، لم نتغير كثيرا في رؤيتنا للجسد. وهنا نتذكر قول‏ غراهام غرين “إن الحضارة قشرة رقيقة من السهل خدشها للكشف عن النزعات البهيمية للإنسان”.

صورة الجسد العاري ظهرت منذ إنسان الكهف حيث تحتوي الكهوف لنقوش لأجساد عارية لنساء ولرجال. وكما ذكرنا سابقاً علاقة الإنسان بجسده ظلت تتعرض لارتباكات تكشف عن التصورات وصراع الأفكار الخاصة بكل حقبة زمنية. في عصرنا الحالي مثلاً،لا يمكن إهمال تأثير وسائل الإعلام وما كرسته من نظره استهلاكية للجسد الإنساني، وتحديداًجسد النساء. وأحد اشتراطات النمط الاستهلاكي أن يكون الجسد شديد الوضوح والتحديد ليسهل على المستهلك التقاط الرسالة الدعائية. ومن هنا ظهرت معايير الجمال الصارمة، لا كوصف فقط بل وبأرقام تحدد مقاسات الطول ومحيط الخصر وبقية الجسد. ولكن؛ وإن كان النمط الاستهلاكي دفع لفرض نمط معياري صارم للجمال؛ فإنه من جهة أخرى، نتيجة لتنوع وتعدد المستهلكين،فقد دفع أيضا إلى منح من لا يندرجون ضمن المعايير التقليدية للجمال ليكونوا أداة للتعريف بالجمال “الليبرالي” أي المنفتح والمتعدد على تنوع في مقاييس الجسد ولون البشرة واختلاف الأعمار. أي أن التأثير كان باتجاهين متناقضين بذات الوقت، وهنا تكمن المفارقة.

لعل من الملائم هنا التوقف لتناول إشكالية العري الجسدي. في ورقة جميلة بعنوان العري كرمز، يرى موريس جان لفيف أنه “لا بد من تأويل وإدراك القوة الساحرة للعري، للفتنة الإيروسية، مهما كانت جذورها المادية، باعتبارها ظاهرة تخيلية، ظاهرة مثالية. ففي فتنة العري ثمة ما يفوق الغريزة، التي هي اشتعال ذاتي ولا تبحث إلاّ عن غايتها” ويقول أيضاً “العري ليس المادة ذاتها، بل تمثيلها: إنه ينتمي إلى الفن، إلى المُتخيل.” فالعري لا ينظر له بمنظار أيروسي فقط، بل هو أقرب لمادة فنية للتأويل. حين يتعرى الجسد فإنه ينتج خطاباً جديداً يتطلب تأويلاً. وهذا مايمكن ملامسته حين يقدم الجسد العاري في الأعمال الفنية، حيث يطرح لا كجسد للإشتهاء بل كموضوع يحمل رؤية وتصور عن الذات المتفردة في مقابل العالم المحيط.

لننظر مثلاً لأعمال لوسيان فرويد والتي تضج باجساد عارية، أياً منها لا تندرج ضمن معايير الجمال بل لأجساد مترهلة ومتعبة،مُلقاة كيفما اتفق على أريكة بلا تفاصيل، وكأنه تعمَّد أن يرسمهابإهمال وبعدم اكتراث الفنان الذي يسعى لإظهار براعته في محاكاة الجسد الحقيقي. هو يريدنا أن نرى الأجساد كمجال يحمل خيباتنا ولا مبالاتنا وخطوط الزمن وندوب الجروح التي أصابتنا. وهو ما نجح فيه، فنحن نقف ونتأمل هذه الأجساد العارية بإعجاب لا لأنها أجساد عارية بل باعتبارها عملاً فنياً. في المقابل، لو سنحت لنا فرصة لقاء أي من هذه الأجساد على أرض الواقع لربما التفتنا إلى الجهة المقابلة اشمئزازاً، ولتساءلنا: كيف لجسد بهذا الترهل و”القبح”أن يخرج عارياً أمامنا؟ولكن الفن من منح لهذا “القبح” باباً للجمال.

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

المرأة ومعضلة الهيمنة

  *عبدالعزيز الحقباني   عندما يتهادى إلى أسماعنا مصطلح ” الهيمنة ” يتبادر للذهن غالباً …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *