الرئيسية / مقالات الرأي / نقد داخلي: نحو نسوية أكثر تقاطعية

نقد داخلي: نحو نسوية أكثر تقاطعية

*هديل محمد

تحتاج كل الحركات لمراجعات ذاتية ونقد ونقاشات داخلية لتنضج وتتطور وتصحح أخطائها وحملة إسقاط الولاية ليست استثناء.

أعرف نفسي كنسوية، لكني لست نسوية فقط. هناك انتماءات كثيرة تتقاطع لتشكل هويتي، منها كوني نصف سعودية ونصف فلسطينية. وكنسوية تقاطعية/سعودية فلسطينية، سأعرض هنا نقدي لبعض الخطابات الموجودة في الحملة.

كنسوية -وكمجرد امرأة- أيدت حملة إسقاط الولاية منذ البداية وتطلعت لنجاحها. ومن أكثر الأشياء إلهاما وإثارة للإعجاب في حملة إسقاط الولاية كانت حجم الاختلافات والتابوهات العديدة التي تخطيناها فيها. رأيت النساء يدافعن عن بعضهن في وجه الاتهامات بالعمالة، رأيت تقبلا واسعا للاختلافات التي لطالما آثرنا الاحتفاظ بها سرا في مجتمع محافظ متدين وتحت سلطة دينية، اختلافات مثل المثلية والإلحاد أصبحت علنية ومتقبلة بين شريحة واسعة من المشاركات في الحملة.

تخطى تقبلنا لاختلافات الميول الجنسية أو الدينية، لإمداد النساء بعضهن بالشجاعة للتحدث عن تعنيفهن الجسدي والجنسي، وتجارب التحرش والاغتصاب، والطلاق وحرمان الأم من أطفالها أو الفتيات من أمهاتهن. ولأول مرة راجعت حياتي ونظرت لتجاربي القاسية كظلم فقط لا كعار، ونتيجة لذلك أصبحت أكثر انفتاحا وجرأة في التحدث عنها، وأنا ممتنة لكن جميعا على ذلك.

لكن مقابل كل هذا التضامن والإلهام الذي شعرت به من جهة، شعرت ببعض الإقصاء أحيانا. كنصف فلسطينية وجدت الكثير من العنصرية في صفوف أخواتي/رفيقاتي. عنصرية بسبب سرقة “الأجانب” لأموالنا ووظائفنا -الأجانب الذين يستغلهم أرباب العمل لأن سلم رواتبهم منخفض ولكونهم أقل قدرة وجرأة على الوقوف ضد ظلمهم في بيئة العمل-. عنصرية ضد فتيات “عرب الشمال” اللواتي يتزوجن السعوديين ليحصلوا على أموالهم ثم يرحلون بالمال تاركات أولادهن لا أزواجهن فقط؛ حتى أن البعض حول قضية انتصار امرأة سورية بحق حضانة ابنتها بعد أن صور طليقها مقاطع أثناء تعنيفه لطفلتهما الرضيعة إلى قضية مساءلة لما انتصرت هذه السورية ولم تنتصر السعوديات؟ مفتشين حساباتها ومشككين بصدقها أو باهتمامها بابنتها… إلخ ومتناسيات قضايا كثيرات من غير السعوديات اللواتي طلقهن أزواجهن واضطررن للعودة إلى بلادهن وانحرمن من رؤية ابنائهن لسنوات، أو اللواتي بقين مع أزواجهن المعنفين لخوفهن من ذات المصير. وعنصرية ضد الفلسطينيين الذين لا تعني لهم قضيتهم سوى فرصة لاستدرار التعاطف من قبلنا نحن الشعب السعودي العطوف الذي يسهل خداعه عبر التلاعب بمشاعره. والمشاركة في خطابات عنصرية ضد بعض الجنسيات كاليمنيين والسوريين…

كما شعرت بالخجل أحيانا، الخجل من استخدام البعض لقضية عادلة كقضية تحرر المرأة السعودية من كل هذه القيود وطبقات القمع الواقعة عليها عبر “رمي النساء الأخريات تحت الحافلة”؛ كأخواتنا اليمنيات اللواتي تقتلهن وتقتل عائلاتهن أسلحة باعتها حكومة أمريكا لحكومتنا. ثم نذهب لهذه الحكومة لنطلب أن تستغل سعي حكومتنا لتعزيز العلاقات معها بالضغط عليها لإعطائنا حقوقنا، نعم الطلب من حكومة أمريكا -التي تقتل السود من مواطنيها وتنتهك حقوق وأراضي ومياه السكان الأصليين وتقصف المدنيين في العراق وسوريا واليمن وليبيا والصومال وباكستان وأفغانستان وتدعم الاحتلال الصهيوني لفلسطين- أن تضغط على حكومتنا لتعطينا حقوقنا. بمعنى آخر، أن نتجاهل مظلوميات العالم جميعه لأجل مظلوميتنا وأن نبرر استعمال أي وسيلة مهما كانت للحصول على غايتنا لأننا لسنا في “ديزني لاند، وهكذا تحصل الأمور في الحياة الحقيقية”.

كنسوية تقاطعية، فأنا أرفض أن أدوس على الفئات المقموعة من قبل الحكومة الأمريكية وأن أساهم في تلميع صورتها مقابل دعمي؛ وينطبق هذا على أي حكومة فاسدة أخرى. كما أرى أن التضامن الحقيقي والدعم يكون بين الشعوب لا الحكومات، وأستذكر هنا كل مظاهرة أو اعتصام حدثوا في الدول العربية خلال السنوات الأخيرة تضامنا ودعما لثورات وانتفاضات بعضهم البعض. كما أن الحكومات لن تنتصر أبدا للحق والعدل مقابل التخلي أو التنازل عن مصالحها لأجلنا أو لأجل أي شعب آخر، وإلا لكانت أمريكا وغيرها قد حررت فلسطين منذ عقود. بالإضافة إلى أننا فعليا لسنا مضطرين للتنازل عن المبادئ أو للتقليل من أهميتها لحساب البراغماتية. نستطيع أن نبني الجسور مع الحركات المدنية كحركة حياة السود مهمة والحركات النسوية واليسارية والوقوف معها وطلب دعمها لنا كما فعل النشطاء الفلسطينيون والنشطاء في فيرغسون من قبل مثلا بدلا من بنائها مع حكوماتهم.

أتمنى أن نسعى لنسوية تقاطعية تعترف بجميع الفئات المهمشة والمضطهدة وتتضامن معها وتطالب بحقوقها، نسوية لا تفصل قضاياها عن القضايا الأخرى بكل أنانية وانتهازية، ولا تميع مطالباتها. نسوية تقف تماماً ضد النسوية الليبرالية -والتي هي أشبه ما يكون بالنسوية الليبرالية البيضاء والتي تقصي النساء الملونات حينا وتلغي تجاربهن وتتجاهل معاناتهن حينا آخر أو تسعى لإنقاذهن عبر ما تراه هي مناسبا وما يلائم قيمها وأهدافها-. نسوية تعترف بالحاجة لكونها أكثر شمولية وثورية والتزاما بالمبادئ، فالنساء السعوديات لسن الفئة الوحيدة المضطهدة في السعودية فالمقيمات والعاملات المنزليات خصوصا يقع عليهن الكثير من التمييز والظلم كما يقع على الرجال من الطبقات الفقيرة وبشكل خاص العرب والآسيويين.

أنا لا أنكر هنا مكتسبات حملة إسقاط الولاية وشجاعتها وثوريتها في قتالها على الكثير من الجبهات في وقت واحد، ولا أنكر بطولة كل النساء اللواتي شاركن فيها، خصوصا النساء العاديات واللواتي لا يتمتعن بأي امتيازات أو دعم من قبل عائلاتهن ولا يستطعن التصريح بأسمائهن حتى. ولا أنكر فضلهن علي شخصيا لمساعدتهن لي بأشكال لن يعرفنها أبدا.

كل ما أفعله هنا هو الإشارة للا تقاطعية نسوية البعض وتهميشها لكل ما لا يمسها بشكل مباشر، والدعوة للمراجعة وتصحيح الأخطاء.

خلال كفاحنا للنهضة بأنفسنا، علينا أن نحرص على نهضة كل أخواتنا وأخوتنا، بغض النظر عن طبقتهم الاجتماعية. يجب أن يكون هذا هو المحرك الأساسي لكفاحنا، وأن لا يحدد نضالاتنا كنساء أمريكيات من أصول أفريقية فقط، بل أن يقود كل النضالات الحقيقية للفئات المحرومة. إن اعتناق هذا المبدأ يمكن له تعزيز المعركة الكلية من أجل المساواة.

تضيف النساء الأمريكيات من أصول أفريقية إرث نضالي للحركة النسوية، يتمحور حول قضايا تربط النساء سياسيا بأكثر القضايا تقدمية ومصيرية. هذا هو معنى الشعار “أن ننهض بغيرنا أثناء نهضتنا بأنفسنا” والذي يشكل منهاجا يعكس المصالح والتطلعات غير المصرح بها غالبا لجموع من النساء من كل الخلفيات العرقية. الملايين من النساء اليوم معنيات بالوظائف وأوضاع العمل والرواتب المرتفعة والعنف العنصري وإغلاق المصانع والتشرد والتشريعات القمعية المعادية للمهاجرين ورهاب المثلية والتمييز ضد كبار السن وضد أصحاب الإعاقات الجسدية. نحن معنيات بنيكاراغوا وأفريقيا الجنوبية، ونشارك أطفالنا حلم أن يكون عالمنا آمنا من خطر الإبادة النووية مستقبلا.

هذه بعض القضايا التي يجب أن يتضمنها النضال العام لأجل حقوق النساء إذا كنا سنشهد التزاما حقيقيا بتمكين النساء اللواتي لطالما اعتبرن غير مرئيات، والتي علينا أخذها بعين الاعتبار.” -آنجيلا ديفيس

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

الظهور الثالث للمرأة – وكاريوكا التي أحببناها

    *مصطفى شلش ليس من السهل أبدًا الكتابة عن الحركة النسوية وخصوصًا إن كنت تُحسب …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *