الرئيسية / دراسات وأبحاث / الهيمنة المضاعفة: تحديات النسوية السعودية

الهيمنة المضاعفة: تحديات النسوية السعودية

 

* نهى صالح

 

في منتصف الثمانينات صدر كتاب الاستعمار المضاعف:  كتابات النساء في عصر الاستعمار وما بعد الاستعمار  لكريستن بيترسن وآنا رذرفورد، والذي أصبح عنوانه ـ الاستعمار المضاعف ـ مصطلحا مهما في دراسات ما بعد الاستعمار والدراسات النسوية. استخدمت هذا المفهوم نسويات ما بعد الاستعمار مثل غياتري سبيفاك وشاندرا موهانتي للإشارة إلى أن الاستعمار درجات، يلعب الجندر في تحديدها دورا مهما. فما يعانيه الرجل الهندي من الاستعمار البريطاني، أقل بدرجة مما تعانيه المرأة الهندية من الاستعمار ذاته، مضافاً إلى ما تعانيه من هيمنة المجتمع الأبوي. وهذه الهيمنة ـ هيمنة الأيديولوجيات الاستعمارية والأبوية في حق نساء “العالم الثالث”ـ سؤال مازال يطرح ويناقش رغم انتهاء حقبة الاستعمار في تلك البلدان. [1] لكن القضية أكثر تعقيدا من هذه الثنائيات: المرأة/ الرجل، المستعمَر/ المستعمِر. إذ أن سؤال الأولويات لم يحل إشكاله؛ ما الأهم، أن تتحرر المرأة من هيمنة الاستعمار أولا، أم من هيمنة الأبوية؟ من يملك الحق في تمثيل المرأة هنا: الرجل من البلد نفسه ـ باسم القومية والتحرر من الاستعمارـ؟ المرأة من بلد المستعمِر ـ باسم الجندر والتحرر من الأبويةـ؟ وهل يستطيع التابع ـ المرأة المستعمَرة ـ أن يتكلم، كما تتساءل سبيفاك؟

ما الذي يهم النسوية السعودية في هذه الأسئلة٬ وهي البلد التي لم تستعمر؟ إن ما أناقشه في هذه المقالة، هو تجاهل عنصري العرق والطبقة في خطاب النسوية السعودية. فحين نسقط مصطلح “الاستعمار المضاعف” على واقع المطالبات النسوية السعودية، يمكننا أن نرى بكل وضوح أن الهيمنة الأحادية التي تعانيها المرأة السعودية، هيمنة الأبوية، يقابلها هيمنة أخرى ترزح تحتها النسوة غير السعوديات: هيمنة الطبقة والعرق. ولست هنا أستخف بالهيمنة الأبوية أو بما تسببه من معاناة للمرأة السعودية، فهي ضاربة بجذورها في جميع المجالات السياسية والمؤسساتية والاجتماعية والثقافية.  لكن لا يمكن لأحد أن ينكر أن اجتماع العوامل الثلاثة: الجندر والطبقة والعرق٬ يجعل العاملة المنزلية ـ كأوضح مثال ـ تعاني أضعافا مضاعفة من الهيمنة. والخطاب النسوي إذ يتجاهل هذه العوامل ويطالب بالمساواة مع الرجل ـ أولا وآخرا ـ يقع في منزلق أخلاقي خطير. ولن أطرح سؤال الأولويات هنا: ما الذي يأتي أولا، المساواة بين النساء جميعا والقضاء على التمييز العنصري والطبقي؟ أم المساواة بين النساء السعوديات والرجال السعوديين والقضاء على التمييز الجندري؟ فهذه الإشكالية لن تسهم في حل هذه القضايا بل ستزيدها تعقيدا.

في كتابها “في منظار الغرب: الأبحاث النسوية وخطابات الاستعمار” تنتقد موهانتي الخطاب النسوي الغربي الذي يتجاهل الفروق الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والدينية ويفترض أن جميع نساء العالم الثالث مضطهدات بالتساوي. تناقش موهانتي الفرق بين تمثيل الآخر “المرأة الشرقية”، وتمثيل الذات “المرأة الغربية” في هذا الخطاب؛ حيث الآخر دائما هو الطرف المعاكس في ثنائيات أنتجها الخطاب الاستعماري: امرأة مضطهدة / امرأة متحررة، جاهلة / متعلمة، صامتة / متكلمة.. لكن هذا لا يمكن أن يقال عن النسوية السعودية التي تجاهلت الآخر إلى حد كبير، والآخر ليس أحد قطبين متعاكسين، بل جزء حيوي من نسيج يمتد عبر التاريخ الممتلئ بأشباح “نساءٍ غائبات” [2] لا صوت لهن. إن نقص التمثيل الذاتي الذي يشكل أحد أهم مطالب الخطاب النسوي السعودي، لا ينبغي أن يؤدي إلى نقص تمثيل الآخر. فإذا كانت السعودية تعاني من تهميش دورها وتغييب صوتها، فغير السعودية كذلك، وإذا كانت السعودية مقيدة الحركة والتنقل فغير السعودية كذلك. لابد٬ إذن٬ أن يشمل خطاب النسويات معاناة هؤلاء النسوة وحقوقهن؛ فذلك جزء من مراجعة الخطأ وتعديل المسار والالتفات للمسؤولية الأخلاقية والثقافية التي تحتم عليهن تمثيل غيرهن.

إن نقد الخطاب النسوي السعودي لا يمكن فصله عن سياق النقد الاجتماعي والثقافي للمجتمع السعودي بأكمله؛ فما يمكن الإشارة إليه من خطاب عنصري في ثنايا الخطاب النسوي ليس بمعزل عن خطاب عنصري ينتشر في المجتمع بكافة شرائحه، ويصعب تحديد النقطة التي نشأ منها. لكن من المهم أن لا نغفل أن الخطاب النسوي في جوهره خطاب حقوقي، وهنا يكمن الفرق، كل الفرق. نجد في مستهل بنود الوثائق العالمية والإقليمية لحقوق الإنسان: “يتمتع كل شخص بالحقوق والحريات المعترف بها والمكفولة في هذا الميثاق دون أي تمييز قائم على العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الآراء السياسية أو غير السياسية أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الوضع الاقتصادي أو المولد أو أي وضع اجتماعي آخر”.[3] كما نجد في خطبة الوداع التي “يمكن وصفها بأنها أول إعلان عالمي بالمساواة وأول وثيقة لحقوق الإنسان في التاريخ” [4] قول النبي عليه الصلاة والسلام: (يا أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على أعجمي، ولا أبيض على أسود، فضل إلا بالتقوى). يطالب الحراك النسوي في السعودية بإقرار الحقوق المكفولة للنساء في القوانين الشرعية والعالمية، التي لا تميز في بين رجل وامرأة، وفي هذا المسعى لنيل الحقوق يطالهن ما يطالهن من التشويه والذم والنبذ والإقصاء والتخوين. يتصدر قائمة حقوق المرأة حق الاعتراف بها كشخص كامل الأهلية، والتصرف في نفسها ومالها دون وصاية من وليها الرجل. فالإسلام كفل للفرد حريته الشخصية “وهي تتضمن حرية الشخص في أن يعتقد ما يراه حقاً، وأن يتصرف في دائرة شخصه بما يعود عليه بالخير في نظره دون تدخل من أحد أو تحكم ذي سلطان في إرادته، وأن يكون له الحق في إبداء رأيه […] وحرية العمل والقول والتصرف”.[5] وينص القانون الإسلامي على أن المرأة إذا بلغت سن الرشد والتكليف “زالت عنها ولاية وليها أو الوصي عليها، سواء كان أبا أم غيره، فيكون لها التصرف الكامل في شؤونها المالية والشخصية”.[6] وفي هذا السياق تستدعي الناشطات النسويات نظام الكفالة الذي يسري على جميع العمال والعاملات من غير المواطنين، حيث يشبهن قانون الولاية بنظام الكفالة والولي بالكفيل، كما يشبهن المرأة السعودية بالعامل أو العاملة تنتقل من ولي إلى ولي أو من كفيل إلى آخر. وتتوقف المقارنات واستدعاء نظام الكفالة عند هذا الحد، فلا يطالبن بإلغائه ولا ذكر مساوئه وما يسببه من معاناة لغيرهن من النساء.

بالرغم من إصرار بعض الناشطات في الحراك النسوي على أن المطالبة بالحقوق لا تحتاج أسباباً أو سرداً لمعاناة تستثير العواطف والتعاطف، إلا أنني سأستعرض أشكالا من من الظلم الواقع على العاملات المنزليات، مع التأكيد على أن حفظ الحقوق لكل إنسان دون تمييز عنصري أو جندري أكثر من كافٍ، لكن صوتهن يجب أن يُسمع، ومعاناتهن يجب أن تُسرد. تنص المادة ٩٨ في لائحة العمل الصادرة عن وزارة العمل في السعودية بتاريخ ٢٣ شعبان ١٤٢٦ والمعدلة بتاريخ ٥ جمادى الآخرة ١٤٣٦ على أنه “لا يجوز تشغيل العامل تشغيلا فعليا أكثر من ثماني ساعات في اليوم الواحد […] وتخفيض ساعات العمل الفعلية خلال شهر رمضان  للمسلمين، بحيث لا تزيد على ست ساعات في اليوم”، بينما ينص البند السادس من المادة السابعة من لائحة عمال الخدمة المنزلية ومن في حكمهم الصادرة بتاريخ ٧ رمضان ١٤٣٤ على أن “يفسح المجال لعامل الخدمة المنزلية بأن يتمتع بالراحة اليومية مدة لا تقل عن تسع ساعات يوميا”. أي أن ساعات العمل للعاملة المنزلية تصل ـ حسب القانون ـ إلى ١٥ ساعة يوميا، ولم يرد أي ذكر لساعات العمل في شهر رمضان.  كما تنص المادة الثامنة من اللائحة السابقة على أنه “يجوز لعامل الخدمة المنزلية الحصول على يوم للراحة الأسبوعية بحسب ما يتفق عليه الطرفان”. كما تنص المادتان التاسعة والعاشرة من نفس اللائحة على ما يلي: “يستحق عامل الخدمة المنزلية إجازة مدتها شهر مدفوعة الأجر إن أمضى سنتين ورغب في التجديد لمدة مماثلة” كما يستحق “إجازة مرضية مدفوعة الأجر لا تزيد مدتها على ثلاثين يوما في السنة”، ولست أبالغ إن قلت إنني لا أعلم عائلة تلتزم بهذه الحقوق على أرض الواقع. نحن كنساء نفهم جيدا الظروف الصحية والنفسية التي تمر بها العاملة المنزلية وقت الحيض، لكن القليل منا من يترجم هذا الفهم إلى تطبيق فيعطي العاملة إجازة مرضية أو يوما للراحة أو يخفف عنها الأعباء قدر المستطاع.

يطالب الخطاب النسوي والحقوقي في السعودية بسنّ قوانين تحمي المرأة من التحرش ومن العنف، في المنزل وفي بيئة  العمل والفضاء العام بأكمله. والعاملة المنزلية إذ تكبلها قيود الهيمنة الجندرية والطبقية والعرقية، تعاني رعباً أخرسَ في مواجهة التحرشات التي قد تتعرض لها، وفي ظل غياب قانون يحميها ومؤسسات حقوقية تمثلها ومجتمع عنصري وذكوري لا يبالي بها. هذا الغياب للقوانين التي تحمي المرأة – السعودية وغير السعودية – وتؤمن بيئة عمل مناسبة خالية من التحرش والاستغلال مخالفٌ لجميع مواثيق حقوق الإنسان التي كفلت حقوقه كعامل: حق الحرية، “حيث لا يحوز لأحد أن يقسر العامل أو يجبره على [عمل لا يريده]”، ومن ذلك إجبار العاملة المنزلية على تحمل عبء التحرشات والسكوت عنها خوفاً من التهديد والحرمان من العمل. وتنص أيضا على حق الحماية، الحماية من الخطر والعنف والاضطهاد بكل صوره وأشكاله. [7] كما تنص المادة الرابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه “لا يجوز استرقاق أحد أو استعباده ويحظر الرق والاتجار بالرقيق بجميع صورهما”، يستدرك أمير موسى حول هذه المادة فيبين أن “الاتجار بالأفراد والاستغلال الجنسي” [8] ما زالا موجودين في البلدان الفقيرة رغم انتهاء عصر الرق. وتضيف المادة الثامنة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية “لا يجوز إخضاع أحد للعبودية” والعبودية “أشمل من الاسترقاق إذ تشمل جميع أنواع سيطرة الإنسان على الإنسان واستضعاف منزلته” [9]. إن بيع العاملات المنزليات والمتاجرة بعقودهن، وتعرضهن للتحرش الجنسي، واستغلال أوضاعهن وإخضاعهن للمراقبة وللعنف اللفظي والجسدي نتيجة لإحلالهن في أسفل “تراتبية السلطة الخاضعة للتمييز الجنسي والعرقي وللتاثير الطبقي”. [10]

إن الإنسان كائن اجتماعي، يأنس بالتواصل مع غيره من الأقارب والأصدقاء، وفي عصرنا التقني يقضي جل يومه في التواصل مع الغرباء عبر شبكات التواصل. ويمكن القول أن نسبة كبيرة من حياة الفتاة السعودية تقضيها خلف الشاشة، بسبب محدودية تنقلها، وضرورة موافقة جميع أفراد الأسرة على خروجها ووقته وكيفيته. فما الذي يمكن قوله عن حياة العاملة المنزلية الاجتماعية وحاجتها الإنسانية للتواصل؟ تمنع كثير من الأسر العاملات المنزليات لديهن من خدمة الإنترنت بحجة الخوف مما قد تفعله أو تشاهده العاملة بعيدا عن المراقبة، في وقت أصبح الإنترنت ضرورة وليس مجرد كماليات. فالعاملة المنزلية المغتربة والوحيدة تحتاج إلى رؤية أهلها عبر مكالمات فيديو أو رؤية صورهم وأخبارهم عبر الفيس بوك وغيره، وبث همومها ومشاركة يومها مع أصدقائها، وهذا من أبسط حقوقها وحاجاتها التي تنكرها عليها كثير من الأسر، في حين أنهم لا يستطيعون الاستغناء عن هوس التواصل الاجتماعي، هم المستقرين في بلدانهم وبين ذويهم. كما ينكرون عليها حاجتها لزيارة قريباتها ومعارفها ممن يعملن في المدينة ذاتها، أو يحرمونها من الخروج للتسوق والترفيه دون مرافقتها ومراقبة كل ما تشتريه بل وتفتيشها كذلك.

قبل أن أختم هذا المقال، أنوه إلى أنني لم أذكر أمثلة على الإساءات المتكررة التي تتعرض لها العاملة المنزلية، والاضطهاد النفسي واللفظي والجسدي كذلك بتكليفها فوق طاقتها، والتحرش الجنسي الذي لا يحميها القانون ولا المجتمع الذكوري منه بل يلومها عليه، والمعاملة اللاإنسانية والمهينة لكرامتها واستغلال حاجتها التي اضطرتها للخروج للعمل في ظروف قاسية. فكل ذلك واقع لا يمكن إنكاره أو تلميعه، كما لا يمكن لأحد مهما استمات في وصف المرأة السعودية “بالملكة” أن ينكر أو يغير من واقعها المر شيئا. وهنا أضم صوتي إلى صوت الكاتبة النسوية شهرزاد مجاب التي تدعو إلى “تنظيم حركات نسوية ونسائية شديدة التسييس، تتحدى الأبويات المحلية والمستوردة والأصوليات والعنصرية والإمبريالية”، [11] فبهذه التعددية تنهض النسوية السعودية وتزدهر وتواجه تحدياتها.

 تجدر الإشارة إلى أن الدول التي لا تزال تحت الاستعمار هي فلسطين وإيرلندا.[1]

 سطر من قصيدة نساء غائبات للشاعر العماني سيف الرحبي.[2]

 انظر مثلا: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب والاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان.[3]

 أمير موسى. حقوق الإنسان: مدخل إلى وعي حقوقي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2012. ص 23.[4]

 محمد أبو زهرة. مقتبساً في المصدر السابق. ص 40.[5]

 عبد اللطيف بن سعيد الغامدي: حقوق الإنسان في الإسلام. الرياض: أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية، 2000. ص 208.[6]

 أمير موسى. حقوق الإنسان: مدخل إلى وعي حقوقي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2012. ص206 – ص208.[7]

 المصدر السابق. ص 50.[8]

 الصادق عثمان. مقتبساً في المصدر السابق. ص51.[9]

 لالي خليلي. النسوية العربية: رؤية نقدية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2015. ص 482. [10]

 شهرزد مجاب. المصدر السابق. ص 452.[11]

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

المرأة ومعضلة الهيمنة

  *عبدالعزيز الحقباني   عندما يتهادى إلى أسماعنا مصطلح ” الهيمنة ” يتبادر للذهن غالباً …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *