الرئيسية / مقالات الرأي / دوائر نسائية: الشجاعة على الوقوف وحيدات

دوائر نسائية: الشجاعة على الوقوف وحيدات




نجمة محمد

‎استمتع كثيراً في المراهنة حين تتزوج فتاة من معارفي على المدة التي ستقضيها قبل عودتها لدائرتنا النسائية والتي تنفصل عنها بسبب التصاقها برجلها الحديث، هذه الفكرة متعارف عليها ضمنياً في المجتمع النسائي، تعتقد المرأة التي ترتبط أن هذه الرابطة تكفيها علاقاتها النسائية ولكنها تعود مخذولة لدائرتنا التي تستعجل في ضمها من جديد من دون مناقشة الأمر.

‎بكل مجتمع وطبقة، تجتمع النساء ويخلقن دائرة يتبادلن فيها الخبرات والتجارب والدعم لبعضهن وبالرغم من القوة الهائلة التي تنتجها هذه الدوائر عبر التاريخ إلا أنها نادراً ما تساهم في تحرير النساء وتقوية شوكتهن في مجابهة الأنظمة الذكورية المتزمتة، ترجع سيمون دوبوفوار السبب إلى أن هذه الدوائر لا تتكون إلا بداخل دوائر ذكرية أوسع.

‎ترتبط النساء بهذه الدوائر نعم ولكن يرتبطن بعلاقات أكثف مع ذكور طبقتهن الاقتصادية والاجتماعية.‎ .قبل قرابة أربعة أشهر نظمت النساء في السعودية حملة لمقاطعة العاملات المنزليات التي يتلقين أجورهن بالساعات أو الأيام، المقاطعة جاءت رداً على رفع الأجور المبالغ فيه برأي ربات المنازل من قبل العاملات وعلى اشتراطهن إجازة شهرية وعدد محدد من ساعات العمل.

‎إذا عرفنا أن غالبية العاملات من الجنسية الأفريقية (الصومالية، الأثيوبية) واللاتي تم استقدامهن عبر مكاتب استقدام مرخصة ثم تخلفن عن موعد سفرهن المقرر وجزء منهن تم تهريبه عبر البحر ثم عبر منافذ برية للسعودية للإقامة غير الشرعية والعمل غير المرخص.

‎إذا وضعنا بالحسبان ظروف العمل والتي تصل الى 15 ساعة باليوم مقابل ١٥٠٠ إلى ٢٠٠٠ شهرياً وبالساعة تتراوح من ثلاثين إلى خمسين ريال، بالإضافة إلى أن مهام العمل المنزلي واسعة وقد تشمل مهام لم يتم الاتفاق عليها في وقت المفاوضة مع العاملة المنزلية، أقول مفاوضة وليس عقد لأن لا عقود عمل في مثل هذه الظروف تضمن حق الطرفين. غالبية هذه الاتفاقيات تتم بين ربة المنزل وبين العاملة أو على الأغلب “الدلالة ” وهي عاملة سابقة ولها خبرة أكبر تتم الصفقات عادة عبرها مقابل عمولة تحددها مسبقا عاد تكون ٢٥٠ أو ٣٠٠ ريال.

‎الآن لو فكرنا قليلاً في منظومة العمل هذه غير الشرعية والخالية من أي حقوق عمالية أو تنظيم واضح بالإمكان الرجوع له في حاله وجود إشكاليات أو مظالم.

‎ما الذي يجعل ربة المنزل “المرأة ” تقوم باستغلال “امرأة ” أخرى وفرض أجر منخفض مقابل عمل منهك وهي تعلم جيدًا صعوبة العمل المنزلي؟

‎من الذي دفع امرأة لقطع مسافات خطرة والقيام برحلة مميتة خالية من أي ضمانات. والسفر من قارة إلى قارة للعمل في ظروف عمل صعبة وغير مقننة؟

‎من الذي يمنعني من إقامة دائرة تضامنية مع امرأة أخرى أعلم جيداً ظروف الاضطهاد التي تعيشها؟

‎وما الذي يدفعني للتوحد مع نساء أخريات لفرض أجور متدنية على نساء يقمن بدورهن لتوحد ضدي في محاولة لتحسين وضعهن؟ ما الذي يجعلنا في دائرتين نسائيتين منفصلتين؟ من الذي يفصل هذه الدوائر ويدمجها في فرز طبقي وعرقي ضمن نظام فكري واجتماعي معقد؟

‎لماذا لا أرفض أنا ربة المنزل والعاملة المنزلية هذا النظام الذي يدفعها لقطع رحلة خطرة ويخضعني لعمل منزلي لا نهائي؟ نظام يحتقر عملي المنزلي ويراه بلا قيمة ويستمر بدفعي لاستغلال العاملة المرأة الأخرى والتي تقع تحت نظام آخر من الاستغلال المادي حيث تصادر أموالهن من قبل رجال أو نساء العائلة الأكبر، ويحرمونهن من أي استقلال اقتصادي وتحويلهن إلى أدوات لكسب المال للعائلة في البلاد البعيدة؟

‎عبر التاريخ تم باستمرار عزل النساء عن بعضهن ودمجهن في أنظمة أبوية هرمية ترفض استقلالهن وتعاملهن كأدوات جنسية وتناسلية. وعبر منح النساء المطيعات مكافئات طبقية ومعاير اجتماعية تصنفهن لمحترمات وغير محترمات. خضعن النساء عبر قرون لنظام أقصاهن وكرسهن لصورة نمطية تُعاقب كل من تخرج عنها.
‎هذا الإقصاء والإخضاع وحرمان النساء من أدوات تخلق معاييرهن الخاصة جعل المعايير الذكرية سائدة اجتماعياً وفكرياً وجعل النساء أنفسهن يتبنين هذه المعايير حتى بغياب الذكور أو بقدرتها على تفكيك ونقد المعاير الذكورية.

‎تشير غيردا ليرنر لهذه المعضلة وتصف الفكر الذكوري باستقرار رجل عظيم في ذهن المرأة يوجه ويحكم تصرفاتها وفكرها وكتابتها وحين تحاول الانفكاك من الذهن الذكوري فإنها تواجه “عدما ً وجوديا ً” كما تصفه ماري دالي.

‎لم ترفض امرأة التوحد مع النساء متجاهلة التقسيمات الاقتصادية والطبقية الاجتماعية والتصنيفات العرقية والدينية؟ أي حرية تعتقد أنها ستكسبها منفردة؟ منفردة عن النساء اللاتي يعانين اضطهاد وتميز جنسي واقصاء متعمد تاريخي طويل؟

‎دائما يتم التعرض لفكرة البيروقراطية الشديدة للنساء داخل المؤسسات، يتم انتقادهن باستمرار بدون ذكر أنه مهما مُنحت من صلاحيات وأدوات داخل المؤسسة إلا أنها دائماً ستكون في الفرع النسائي الثانوي الذي سيتقبل التوجيهات ويأخذ صلاحيته من الفرع الرجالي المركزي، في الجامعات والمدارس والمستشفيات أياً كان مركز المرأة فيها، فهي تقع تحت إدارة واشراف رجل. وهي تدرك أن خطأها سيتم مضاعفته ومحاسبتها باعتبارها امرأة عاملة أخطأت وليس موظف أخطأ في عمله.

‎المرأة في كل الطبقات تتعرض لذات التمييز والإقصاء ومع غياب روابط نسوية عابرة لكل الأنظمة تشعر المرأة بالعدم الوجودي حيال خروجها أو رفضها ممارسات وتمييز نظام اجتماعي أو فكري تجاهها.

‎يجب أن تكون لدينا الشجاعة لتكوين دوائر نسائية تتضمن دعم نسوي لكل امرأة تتعرض لتمييز واقصاء بغض النظر عن أي تصنيفات، تصنيفات هي التي أخضعتنا طوال قرون.

‎يجب أن تكون لدينا الشجاعة للوقوف وحيدات كدائرة ضخمة ضد كل تمييز واضطهاد ذكوري، يجب أن تكون لدينا الثقة في تبني ودعم فكر وأدب ونضال نسوي حتى وإن بدى ضعيفاً وغير منتظم لنا.

‎مهما بدى هذا الأدب أو الفكر أو العمل نسوي ضعيفا مقارنة بالذكوري، علينا كنساء تبنيه ونقده وتوجيهه ودعمه غاضين الطرف عن النقد الذكوري الذي يصفنا بالتحيز متجاهلين عقودًا وقرون من التمييز ضدنا.

‎على الأقل في هذه المرحلة نحتاج كل دعم ونقد ومساندة يمكن أن تقوي دائرتنا الضخمة لإعادة تفكيك وبناء أنظمة بهوية اجتماعية وفكرية يكون فيها للنساء وجود واستقلال كأفراد معتبرين داخل النظام العام.

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

قراءة لمقالة هتون الفاسي (المرأة السعودية والخطاب الإسلامي) 

*حسين البار  هذه قراءة لمقالة للدكتورة هتون الفاسي نُشرت قبل مدة بعنوان: “المرأة السعودية والخطاب …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *