الرئيسية / مقالات الرأي / المنطلقات الإسلامية لحقوق المرأة

المنطلقات الإسلامية لحقوق المرأة

* أحمد صبري

مسألة حقوق المرأة ليست مجرد خدعة “تغريبية” والمدافعين عنها ليسوا كلهم “زوار سفارات” و”علمانيين” و”بنو ليبرال”، فالكثير من النقاش حول حقوق المرأة ينبع من صلب النقاشات الفقهية والفكرية الإسلامية وهو نقاش شرعي وإسلامي ساهم الكثير من العلماء.

من المعيب أننا في هذا الزمان لا نقبل بمجرد النقاشات الطبيعية بل ويلجأ البعض لتخوين وتفسيق أصحاب الرأي الآخر واتهامهم في دينهم وفي دوافعهم – رغم أنها قد تكون دوافع إسلامية خالصة – بل وقد يقوموا باستدعاء السلطات لقمع مخالفيهم وكأن التنوع الفكري خطر أو كأن الفكر يمكن مواجهته بالحبس والحظر والطرد.

وهناك أمثلة كثيرة تستحق التأمل، منها على سبيل المثال تحذير مفتي السعودية السابق من “فئات من الناس، ممن تلوثت ثقافتهم بأفكار الغرب، لا يرضيهم هذا الوضع المشرِّف، الذي تعيشه المرأة في بلادنا من حياء، وستر، وصيانة، ويريدون أن تكون مثل المرأة في البلاد الكافرة والبلاد العلمانية، فصاروا يكتبون في الصحف، ويطالبون باسم المرأة بأشياء…” منها قيادة السيارة ومنها “وضع صورتها في بطاقة خاصة بها تتداولها الأيدي” وختم كلامه بأنه “يجب على ولاة الأمور في هذه البلاد أن يأخذوا على أيدي هؤلاء السفهاء، ويمنعوا من نشر أفكارهم السيئة”.

 

المعوقات الثلاث

حقوق المرأة تواجه ثلاث عقبات رئيسية: القرار السياسي والمحافظة الدينية والمحافظة المجتمعية، والثلاثة يغذوا بعضهم البعض. والتقسيم هنا بغرض الفهم والتشريح، أما في أرض الواقع فكثيراً ما تندمج وتختلط هذه العوامل بعضها ببعض.

المحافظة الدينية كثيراً ما تأتي من التيارات السلفية أو المتأثرة بها وهي تتنوع في شدتها تنوعاً كبيراً. لكن المسألة ليس حكراً على السلفية، بل ستجد أدبيات سلبية عن المرأة وطبيعتها في الكثير من التراث الفقهي التقليدي وكتب السلف والخلف وقد حان الوقت لمراجعة النصوص المشكلة في تلك المتون. يقول الفخر الرازي مثلاً في تفسيره “أن النساء خلقن كخلق الدواب والنبات وغير ذلك من المنافع … فلأن المرأة ضعيفة الخلق سخيفة فشابهت الصبي لكن الصبي لم يكلف فكان يناسب أن لا تؤهل المرأة للتكليف، لكن النعمة علينا ما كانت تتم إلا بتكليفهن لتخاف كل واحدة منهن العذاب فتنقاد للزوج وتمتنع عن المحرم، ولولا ذلك لظهر الفساد”.

ومن المهم هنا أن نلاحظ غياب المرأة المسلمة عن كتابة تلك المتون، فرغم أن التاريخ الإسلامي شهد المئات من الفقيهات والمحدثات والعالمات لكننا لا نجد لهن آثار مكتوبة، وفي هذا لوحده دليل على عمق المشكلة.

أما المحافظة المجتمعية فهي التي تنبع من غيرة اجتماعية وتوجس من أي تغيير سريع في موازين المجتمع وذلك دون وجود دافع ديني بالضرورة وهي من العوامل القوية التي تشكل ضغطاً على المرأة حتى في الدول التي شهدت انفتاحاً قانونياً. بعض من تأتي منهم المحافظة المجتمعية غير ملتزمين دينياً ولكنهم مع ذلك يحاولوا إلباس غيرتهم الاجتماعية لباس الغيرة الدينية.

والعكس يحصل أيضاً إذ يقع بعض العلماء الشرعيين في إصدار فتاوى من منطلقات اجتماعية وليست شرعية، فيكتفي بالقياس على حال أسرته أو جمهوره ولذلك تغلب السيناريوهات المتخيلة على حججهم في قضايا المرأة بدل الحجج الشرعية المباشرة، فتصبح الحجة ضد تولي المرأة للمناصب: ماذا لو جائك مواطن عينه طويلة؟ وتصبح الحجة ضد قيادة المرأة للسيارة: تخيلي لو صار لك حادث وتكشف جسدك؟ ماذا لو بنشر كفرك فوقفت في الشارع وجاء شخص وتحرش بك؟ أو كما قال داعية سلفي أن قيادة المرأة قد تؤدي لمفاسد منها أن تذهب المرأة لشرب العصير. هذه الحجج قد تصلح لبعض من جمهور الشيخ لكنها لا تصلح للبعض الآخر من جمهوره فضلاً عن عموم مجتمعه فضلاً عن عموم المسلمين. هي حجج قد تبدو منطقية في نطاق اجتماعي ضيق ومحدد لكنها ستبدو وكأنها من دين آخر لو عرضناها على المسلمات الاستراليات مثلاً. حجة “تخيل لو مديرتك أنثى” ليس لها معنى لدى مسلمي أوروبا الشرقية حيث تحصلت المرأة على جل المناصب الإدارية العليا، وحجة “الرجال ما أفلحوا في السياسية فكيف ستفلح المرأة” لن تبدو منطقية لمسلمي رواندا التي بها أعلى نسبة نسائية برلمانية في العالم.

والمحافظة الدينية كالاجتماعية، قد تضعف مع الزمن، فالنقاشات القديمة حول تحريم حصول المرأة على بطاقة الأحوال المدنية في السعودية انخفضت اليوم، وكذلك الإصرار على منع المرأة من المشاركة في الانتخابات الكويتية، فصارت حتى المنتميات للاخوان المسلمين وللسلفية تشارك (رغم أن الرفض استمر إلى فترة قريبة). وأحياناً تتغير آراء بعضهم مع تغير التوجه الرسمي، مثل تحذير مفتي السعودية من مشاركة المرأة في الانتخابات ثم ترحيبه بها بعدما صدر قرار ملكي بها.

أما العقبة الأهم والمفصل في هذا كله فهو القرار السياسي والتشريع القانوني الذي تحتكره الأجهزة الرسمية والتي كثيراً ما تحابي التيارات المحافظة دينياً واجتماعياً وكسب ودها في هذه القضايا، مما قد يأتي في مقابل سكوتها عن قضايا أخرى أهم. وهناك حكومات عربية لها تكتيكات خاصة للتهرب من حقوق المرأة، كإلقاء اللوم على جهوزية المجتمع وانتظار نضجه (وهي لا تنتظر جهوزيته ولا موافقته مطلقاً في قضايا جد خطيرة تتضمن تغيير بنية المجتمع ومستقبله السياسي والاقتصادي والاجتماعي بلا مشاركة سياسية ولا رقابة ولا شفافية ولا إعلام حر) ومنها إلقاء اللوم على التشدد الديني وتياراته ومؤسساته (بما فيها تلك التي تعينها الحكومة!) ومنها التذرع بالشريعة وأن هذا هو حكهما، ومنها القول بأن القوانين القامعة هي في الحقيقة شكل من أشكال الرفاهية والتكريم. ومن التكتيكات أيضاً تعيين امرأة في منصب قيادي لإسكات مطالب النساء المتضررات من القوانين والممارسات الجائرة، فكلما تحدث أحدهم عن حقوق المرأة ردوا عليه: “انظر عندنا أول وزيرة!” فيكون تكريم مرأة واحدة تكتيكاً لتجنب النقاش حول ملايين النساء الأخريات.

 

الحجج المعلبة

تستمر مهاجمة قضايا حقوق المرأة عبر تكرار نفس الحجج المعلبة التي رددت لعشرات السنين في مئات الخطب والأشرطة والمحاضرات والكتب والمطويات، إعادة تدوير مستمرة لنفس الكلام وكأن ذلك سيقنع المخالفين أو سيولد تجديداً في الفقه أو الفكر. ولا أعرف كيف يتوقع أي أحد أن بإمكانه خوض نقاش معقد تتداخل فيه السياسة والاقتصاد والمجتمع بالفقه والقانون ومذاهبهما عبر تكرار الحديث عن انتشار الدعارة في الغرب وحول وجود مؤامرة لإخراج المرأة من بيتها وحول اتهام المخالفين في عقيدتهم، إلخ.

ومن الحجج المنتشرة الإحتجاج بالعادات والتقاليد والأعراف وأهميتها في التشريع الإسلامي، وهي أهمية حقيقية، لكن هذا الاحتجاج عام يهمل التفاصيل الخاصة والكثيرة للمسألة والتي تشكل تحدياً للفقيه الحاذق. مثلاً أحياناً تكون هناك مصلحة حقيقية في مخالفة عادة أو تقليد ما. جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو يحمل حفيدته، السيدة أمامة بنت السيدة زينب، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها. قال الإمام الفاكهاني: وكأن السر في حمله أمامة في الصلاة دفعاً لما كانت العرب تألفه من كراهة البنات وحملهن، فخالفهم في ذلك حتى في الصلاة للمبالغة في ردعهم”.

كما أن العادات والتقاليد تتغير باستمرار، وفي المجتمعات الحديثة الكثيفة سكانياً والمليئة بالهجرة لم تعد العادات الموحدة قائمة ولا النسيج الاجتماعي القادر على توليدها بالشكل القديم، فقد تنوعت وتعددت صور العادات تنوعاً شديداً في البلد الواحد بل وفي المدينة الواحدة. هل عادات وتقاليد الدول التي عدد مواطنيها 10% من إجمالي السكان هي عادات المواطنين وهم أقلية صغيرة، أم عادات المقيمين القادمين من جنسيات وأديان ولغات متنوعة وصاروا هم المظهر السائد في كل مساحة عامة؟ هل العادات في العواصم العربية المزدحمة هي عادات وتقاليد أهلها الأصليين أم المهاجرين إليها من الريف؟ هل هي العادات التي تنتشر بالأحياء الفقيرة والعشوائيات أم التي تشيع في المجمعات السكنية الفارهة؟ هل هي عادات كبار السن، وهم أقلية، أم عادات الشباب الذي يشكل الأكثرية؟ هذه الأسئلة وغيرها تتطلب تجديداً فقهياً من قبل فقهاء مدركين لتغيرات الزمان والمكان والعمران والنظريات المرتبطة بذلك، وقليل ما هم. مراعاة الفقه لتطورات العصر وتغير متطلباته مسألة بدهية لكنها سقطت عند الكثير من الفقهاء المعاصرين من مختلف التيارات فاستمروا على الأنماط التقليدية رغم اختلاف المعطيات اختلافاً بيناً، وطبيعي أن يمتد هذا الجمود للمجتمع، فمثلاً قررت إدارة موقع إلكتروني إغلاق الموقع وقت الصلاة، رغم عدم وجود فائدة من ذلك، معللة قرارها بأهمية الصلاة في الدين ومتجاهلة أن الزائر قد لا يكون عليه صلاة كالطفل أو المرأة الحائض، أو يكون على سفر ويجوز له الجمع والقصر، أو أنه يقوم بالتصفح من بلد آخر بمواقيت صلاة مختلفة تماماً، أو لا يريد أن يصلي على الفور أو لا يريد أن يلحق الجماعة (وهذا جائز عند الشافعية مثلاً) أو أن يكون غير مسلم أصلاً!

الإسلام دين صالح لكل مكان وزمان، فكيف ينشروا هذه الأحكام والآراء على أنها أحكام للمسلمين كافة رغم أنهم بنوها أصلاً على ما هو مقبول/مستهجن في مجتمعهم فقط، بالإضافة لكون مجتمعهم نفسه متغير ومتقلب بحكم تسارع حركة التغيير بكل مجتمعات العالم اليوم؟ فالكثير من الآراء بشأن المرأة مغرقة في المحلية ولا تستقيم وحياة الملايين من المسلمات في دول مختلفة خصوصاً لدى الأقليات المسلمة التي تعيش في دول غير مسلمة.

وهناك أسئلة أخرى مثل سؤال الأهلية. في السعودية مثلاً حثت الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان الجهات الرسمية بـ”النظر في نصوص الأنظمة والتعليمات التي تنتقص من أهلية المرأة، أو من شخصيتها القانونية بشكل يخالف قواعد الشريعة الإسلامية، وعلى وجه الخصوص تلك التي تستلزم استئذان وليها في بعض المسائل”. فهل المرأة كاملة الأهلية؟ هي تحاسب لو ارتكبت جريمة ولا تعامل معاملة المرفوع عنهم القلم فإذا كانت كاملة الأهلية في ارتكاب الجرائم فلماذا لا تكون كاملة الأهلية في ممارسة حياتها الطبيعية؟ أسئلة تستحق البحث الفقهي الجاد.

ومن الحجج المنتشرة أيضاً التحجج بسد الذرائع وأن السماح للمرأة بكذا أو كذا قد لا يكون حراماً بحد ذاته لكنه قد يقود لأمور محرمة، وتحت هذا الاحتجاج تم التضييق على النساء كثيراً، وفتح الباب لأن تصبح أشد الآراء الفقهية وأكثرها أخذاً بالأحوط مفروضة على كل السكان مهما كانت مذاهبهم الفقهية وتنوعاتها.

وتستمر هذه الحجة معهم حتى حين يتغير القانون، فمثلاً في السعودية تصبح أي حادثة سلبية تتعرض لها طالبة مبتعثة موسماً للولولة والندب و”قلنا لكم أن هذا سيحصل”، مهما كانت الحادثة شاذة ونادرة، فقد كانوا ينتظروا وقوعها عالمين بحتمية وقوع حادثة ما في مكان ما في وقت ما، لأن هذه سنة الحياة وليس لأن حجتهم صحيحة. والعديد من المحافظين، دينياً أو اجتماعياً، في السعودية استغلوا حوادث مرورية نادرة جداً وقعت حين تجرأت امرأة هنا أو هناك وقادت السيارة – غالباً ما تكون غير مدربة ولا مؤهلة بسبب المنع نفسه – للتشنيع على المطالبين بقيادة المرأة للسيارة رغم أنه بمنطقهم هذا يجب منع الرجال، فهم من كانوا خلف المقود في نحو 4000 حادث في سنة واحدة أدت لمصرع أكثر من 1200 شخص.

وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقائع تفيد بمرونة الاسلام رغم وجود ذرائع، منها حديث أن امرأة وقع عليها رجل في سواد الصبح – وهي تعمد إلى المسجد – بمكروه على نفسها فاستغاثت برجل مر عليها… إلخ الحديث، وفي رواية “أن امرأة خرجت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تريد الصلاة فتلقاها رجل فتجللها، فقضى حاجته منها… إلخ الحديث” فلم تمنع هذه الحادثة – على فداحتها – ذهاب النساء للصلاة، أو لصلاة الصبح على الأقل، بحجة سد الذرائع أو بحجة أن دفع المفسدة مقدم على جلب المنفعة.

ومثله اصطحاب النبي صلى الله عليه وسلم لزوجة من زوجاته في كل سفر، لم يتم تحريم هذا الاصطحاب بعد حادثة الإفك، على فداحتها، التي وقعت حال سفر السيدة عائشة رضي الله عنها معه في غزوة.

 

حقوق المرأة كمطلب إسلامي

يصر الكثير من المعارضين لحقوق المرأة أن كل مخالفيهم علمانيين ليبراليين تغريبيين ويتهمونهم في الدين – والوطنية أحياناً، إستعداءاً للدولة ضدهم – ويتجاهوا وجود المطالب في صلب الأدبيات الإسلامية على تنوعها. فالقائلين بتولي المرأة للمناصب الحكومية جمع من العلماء والمجتهدين، ومن القائلين بجواز توليها بعض القضاء الإمام أبو حنيفة، والقائلين بجواز توليها لرئاسة الدولة يتضمن أمثال الشيخ محمد الغزالي ود.محمد سليم العوا والشيخ القرضاوي، ومن الذين أسهموا في النقاش الإسلامي حول المرأة أيضاً الشيخ البوطي وعبد الحليم أبو شقة الذي ألف 6 مجلدات تحت إسم “تحرير المرأة في عصر الرسالة” أحصى فيها نحو 300 واقعة لقاء ومشاركة بين الرجل والمرأة في العهد النبوي من صحيحي البخاري ومسلم فقط، وشارك في نفس النقاش مفكرات إسلاميات مثل د.هبة رؤوف عزت ود.أسماء زيادة صاحبة كتاب “دور المرأة السياسي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين”، ومن الذين قالوا بحق المرأة في قيادة السيارة الشيخ محمد الحسن الددو – وهي مسألة مجمع على جوازها عند عموم المسلمين في بلاد الإسلام وفي بلاد المهجر – وكان من الذين شاركوا في النقاش الدائر حالياً في السعودية حول قوانين الولاية الشيخ عيسى الغيث والشيخ المنيع الذي قال أنه لا ولاية على المرأة فيما عدى الزواج، والاثنين من المدرسة السلفية.

وكذلك القول بجواز كشف الوجه والكفين، فهو رأي جمع غفير من علماء المذاهب المعتمدة على مر العصور، وهو رأي الشيخ الألباني، من كبار السلفيين المعاصرين، ورأي الرئيس السابق لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمنطقة مكة المكرمة، والذي تحداه مخالفوه بأن تظهر زوجته بوجهها للعلن (وهو تحدي اجتماعي أكثر من كونه تحدي شرعي، مما يكشف عمق الخلط بين المحافظة الاجتماعية والدين) فظهر فعلاً مع زوجته ببرنامج تلفزيوني. وقد تحدث علماء السلف مراراً عن كشف المنتقبة لوجهها في الحالات التي يجب فيها معرفة هوية الشخص، مثلاً قال الإمام ابن قدامة “وإن عامل امرأة في بيع أو أجارة فله النظر إلى وجهها ليعلمها بعينها” وقال الدسوقي “إن عدم جواز الشهادة على المتنقبة حتى تكشف عن وجهها عام في النكاح وغيره، كالبيع، والهبة، والدين، والوكالة، ونحو ذلك”. ومجال القضاء هنا حالة واضحة أقرها العلماء، فكيف يعرف القاضي أو الشاهد أو الخصم من هي المرأة في أي قضية إذا انتقبت؟ قال الشيخ أحمد الدردير مثلاً أنه “لا تجوز شهادة على امرأة متنقبة حتى تكشف عن وجهها”. ويقال أن بعض حالات الزواج القسري بالسعودية تمت بهذه الطريقة، حيث يأتي الولي بفتاة منقبة للقاضي على أنها ابنته – وهي ليست كذلك – ويعود للمنزل ومعه عقد زواج بإسم ابنته دون علمها أو موافقتها. وآراء كشف المنقبة لوجهها ليست جديدة وموجودة في الفقه التقليدي حتى عند السلفيين، وفيها مصالح كبيرة للمسلمين فلماذا لا تحترم في كثير من الأحيان؟ مثلاً ما هو رد الفعل المتوقع اليوم لو طلب بائع من زبونته كشف وجهها كي يضمن حقه؟ هل سيعامل معاملة منصفة تراعي الشريعة وكلام العلماء أم سيهاجم في نفسه ودينه وربما يتعرض للشتم والضرب؟ وهل مهاجمته هنا ستنبع من غيرة دينية أم اجتماعية؟

هذه بعض الأمثلة لتوضيح أن لهذه المسائل منطلقات إسلامية، وأن النقاش حولها سائغ بل وصحي، في جو من الحرية وسعة الصدر. من غير المقبول أن يتم رمي كل من يفتح النقاش بأنه ضد الدين والشريعة والحكومة! ومن المعيب أن يطالب البعض باعتقال أصحاب هذه الآراء أو بطردهم من المؤسسات التي يعملوا بها، لا سيما إن كانت مؤسسات أكاديمية التي هي بطبعها مكان النقاش الحر ولطرح الأفكار المتنوعة والمتضاربة. إن عجلة التاريخ لا تتقدم للأمام إلا في وجود نقاشات وآراء وآراء مضادة، ولا يكون ذلك عبر إتاحة حرية الرأي لتيار دون آخر، فالتضييق على السلفيين والتقليديين مرفوض، والتضييف على مخالفيهم مرفوض أيضاً، ولا يجوز لأحد الاستقواء بالسلطة في قضايا الرأي.

 

مثال على ضعف الحجة: منع المرأة من السفر دون إذن محرمها في السعودية

منع المرأة من السفر إلا بإذن محرمها من القضايا التي يدافع عنها المحافظون في السعودية، سواء كانوا محافظين دينياً أو اجتماعياً، ويعاملونها كأنها مسألة بسيطة وواضحة وأنها تطبيق لشرع الله وبالتالي الحجة قائمة والنقاش مرفوض. لكن الحقيقة أنها عكس ذلك. هذا التبسيط المخل يظهر مدى خطورة هذا النمط من التفكير.

وهنا نماذج على تعقيد المسألة:

  1. الإشكالية الأولى هي أن المطلب الشرعي في السفر هو أن تسافر المرأة مع محرم أو مجموعة نساء (على أغلب الأقوال التقليدية) لا أن تحصل على إذن من ولي أمرها فقط! فحسب الرأي الفقهي الذي يتبعه هؤلاء فإن سفرها لوحدها معصية سواء حصلت على إذن خطي من وليها أم لم تحصل، وفي فتوى الشيخ ابن باز – كمثال من أمثلة كثيرة – أنه “لا يجوز سفر المرأة المسلمة في الطائرة ولا غيرها بدون محرم يرافقها” وهذا هو الرأي السائد لدى أغلب الفقه التقليدي عند السلفيين وعند غيرهم، فالعبرة بالرفقة لا بمجرد الإذن.
  2. إشكالية ثانية أن منع السفر إلا بإذن لا يوافق متطلبات الشرع في حالات، فقد تكون المرأة حاصلة على إذن وليها لكنها فقدته أو هو لم يكتبه لظرف ما، فتصبح أمام الشرع عندها الإذن وأمام الدولة ليس عندها الإذن وبالتالي تمنع من السفر. والعكس يحصل حين يكون لدى امرأة إذن مفتوح بالسفر من وليها فتستعمله في سفرات هو غير عالم بها و/أو غير راض عنها، فهي هنا أمام الشرع تسافر بلا إذن ولي لكن أمام الدولة أمورها سليمة ولا تستطيع الجهات المسؤولة اتخاذ أي اجراء ضدها.

والسفر المعتبر شرعاً هو الإرتحال مسافة تبيح القصر، فهنا قد تسافر المرأة بين مدن السعودية وتعتبر شرعاً قد سافرت دون أن تطالب بإذن الولي. والعكس أيضاً، إذ قد يحصل – نظرياً على الأقل – أن تسكن امرأة قرب الحدود وتريد أن تزور أقاربها في الجهة الأخرى من الحدود في قرية تقع على مسافة أقل من مسافة القصر، فهي هنا مطالبة أمام الدولة بإذن ولي الأمر رغم أنها شرعاً لن تسافر أصلاً. كل هذه الاشكاليات وغيرها تبين سطحية القول بأن هذه التنظيمات هي عينها شرع الله وأن المعترض عليها معترض على الدين والملة.

  1. الإلزام بوجود إذن الولي غير منطبق على كل النساء، فهو لا ينطبق على المرأة غير السعودية المقيمة فيها، فهل شرع الله ينطبق على السعوديات فقط؟ ولا ينطبق على السعودية المقيمة في الخارج حين تعود لبلادها، فالنظام يسمح لها بالسفر ولو كان وليها غير راض عن سفرة العودة. كما لا ينطبق على غير السعودية القادمة للسعودية، وقد أشار الشيخ العبيكان لذلك حين أجاز سفر المرأة بلا محرم فتسائل: “كيف يجيز من يقولون بذلك ]أي القائلين بالتحريم مطلقاً[ لأنفسهم استقدام خادمات من الخارج ومن بلدان بعيدة بدون محرم مشيراً إلى التناقض العجيب في ذلك لاسيما عندما يمنع مثل هؤلاء الخادمات من الحج بحجة أن ليس معها محرم ناسياً أنه قد لا يتيسر لها الحج لو رجعت إلى موطنها سواء كانت بمحرم أو بدونه”.
  2. والإشكالية السابقة هي ضمن عدة إشكاليات تشير لمسألة مهمة وهي تغير الزمان، فقد اختلفت المجتماعت الحديثة اختلافاً سريعاً وواسعاً وبالتالي تغيرات معطيات الفقه ويجب أن تتغير المخرجات والاجتهادات. فلم يكن يتصور الفقيه منذ فجر الاسلام إلى قبل عدة عقود أن يسافر المسلمون في بضع ساعات بين الدول والقارات وأن يكون السفر المتكرر شيء عادي من حياة المسلمين في المستقبل وركناً من أركان الاقتصاد والتعليم وليس حدثاً نادر الوقوع. إن وجود قوانين لا تتوائم مع تغيرات العصر هو بحد ذاته معارض لروح الشريعة التي تسهل على المسلمين حياتهم في كل مكان وزمان، فسفر المرأة اليوم كثير ومتنوع الأغراض، لصلة الرحم أو العمل أو الدراسة وغيره فهل يعقل تعطيلها عن حرية التنقل بسبب ضوابط يتوهم البعض أنها شريعة؟ نشأت أسئلة كثيرة خاصة بزماننا منها: هل يجوز لولي أمر معلمة أن يمنعها من الذهاب لمدرستها وتعليم طالباتها إن كانت المدرسة على مسافة سفر، كما هو الحال مع كثير من المعلمات في السعودية؟ هل تطيع وليها أم تلتزم بعقد العمل الذي وقعته؟ هل من المنطقي أن يكون ولي المرأة البالغة ابنها مثلما حصل في حالات عدة (ومهما بلغت من العلم مثل د.سامية العمودي)؟. وأسئلة أخرى لا يجوز مقاربتها بشكل تبسيطي وساذج.

ومن تغير الزمان شيوع الأمن في السفر، فأغلب البشر يسافرون بالبر اليوم ولا يخطر في بالهم قطاع الطرق، ويسافرون بالبحر لا يخشون القرصنة ويسافرون بالطائرة وينامون فيها ملء جفونهم، وبعض الأخطار التي قد تطرأ في حالات نادرة، كسقوط الطائرة، ليس لها علاقة بالذكورة والأنوثة، فكل الركاب سيتعرضوا لنفس الخطر. وهنا يبرز سؤال فقهي مهم حول إنتفاء الحاجة للمحرم في حال انتفاء العلة من رفقته.

  1. ومن هذه الإشكالية السابقة تنبثق إشكالية أخرى وهي الضرر اللاحق بالنساء بسبب هذه القوانين، وهي أضرار كثيرة يصعب حصرها، في أسرتها وتجارتها وعملها ودراستها ومعاملاتها وسائر شؤونها، فلا حجة للقائلين بأن هذه الضوابط هدفها منع أضرار متوقعة لأن أضراراً ستحصل في الحالتين.
  2. وهناك إشكالية تنوع الآراء الفقهية، فقد تنوعت آراء الفقهاء حول حالات سفر المرأة وهل الشرط هو رفقة المحرم أو النسوة الثقات أم يمكن السفر برفقة إمرأة واحدة ثقة مثلاً أو حتى سفر المرأة وحدها إن أمنت الطريق؟ وهو رأي الشيخ العبيكان حين أباح سفر المرأة بدون محرم إذا أمنت على نفسها على أن يستقبلها أحد محارمها عند وصولها، وأنظر رأي مفتي مصر السابق ودار الإفتاء المصرية “يجوز للمرأة أن تسافر بدون مَحرَم بشرط اطمئنانها على الأمان في دينها ونفسها وعرضها في سفرها وإقامتها وعودتها، وعدم تعرضها لمضايقاتٍ في شخصها أو دِينها” وهو مشابه لرأي دار الإفتاء الأردنية. وكذلك سفرها وحدها لو كانت كبيرة وغير مشتهاة عند بعض فقهاء المالكية “فتسافر في كل الأسفار بلا زوج ولا محرم”. وفي نص لإبن تيمية عن سفر المرأة للمساجد الثلاثة التي يشد لها الرحال “فإذا أمنت لم يبعد جوازه بخلاف السفر الذي ليس بواجب ولا مستحب”، والقصد من هذا السرد أن المسألة فيها سعة، وأن الخلاف فيها، ككثير من الخلاف حول شؤون المرأة، هو خلاف شرعي وهو خلاف مقبول، وليس بالضرورة ذو منطلقات معادية للدين أو تهدف للإنحلال. وفي نفس الوقت يدفعنا هذا الثراء الفقهي للتساؤل عن جدوى بل عن عدالة إلزام الناس كلهم على رأي واحد في عدة قضايا بقوة القانون ولو كان أصعب الآراء؟ فلو كان السفر مسموحاً فإن هذا سيسهل للمرأة التي تأخذ بالرأي الأسهل أن تسافر ولن يضر المرأة التي تأخذ بالرأي الأحوط لأنها ستحرص على الرفقة (أو على إذن وليها لو أكتفت بذلك)، ومثله السماح للمرأة بقيادة السيارة فهو سيحترم حق كل إمرأة تأخذ برأي عموم الأمة في جواز القيادة وفي نفس الوقت سيحترم حق كل إمرأة أخذت برأي التحريم ولن تجبر على الحصول على رخصة.
  3. الإشكالية الأخيرة وهي التي تغيب عن ذهن الكثيرين وهي إشكالية الدولة الحديثة. ينسى المتحدث في هذه القضايا أن الدولة المركزية البيروقراطية القادرة على احصاء النفوس هي اختراع حديث لم تكن تعرفه البشرية، وهذا الاختراع هو الذي أتاح للدولة فرض قوانين كإذن الولي، وليس الشريعة. بمعنى أن الدول القديمة لم تكن في الكثير من الحالات قادرة أصلاً على ضبط السفر بإذن الولي لأنها لا تملك آلية إحصاء كل السكان وبياناتهم الشخصية والعائلية في نظام موحد يمكن الوصول إليه بيسر في كل المنافذ الحدودية بل ولم تكن تملك السيطرة الحدودية التي نعرفها اليوم فالحدود كثيراً ما كانت مناطق كاملة وليست خطاً رفيعاً مثلما هو اليوم في الدولة الحديثة التي أتيح لها استعمال الاقمار الصناعية والتقنية المتطورة في تعيين الحدود بدقة. قديماً لو خرجت امرأة في بادية العراق في سفر لقرية مجاورة مثلاً لما عرف الحاكم المحلي عن سفرها أساساً، وحتى لو عرف فكيف يعرف من هي أو من وليها أو أين اذنه؟ لأن هذا كله كان قبل استحداث نظم البطاقات الشخصية وجوازات السفر والتعرف على الإنسان من بصمة اصبعه وغيرها من الاختراعات. هذه التقانة وفرت للدول مجالات تدخل في حياة الفرد لم تكن أي دولة في الماضي تستطيع فرضها حتى لو أرادت. وبالتالي فاعتبار أن ربط السفر بالحصول على إذن معتبر لدى السلطات هو تطبيق للشرع هو قول جديد في تاريخ المسلمين، فلماذا يصر البعض على معاملته كأنه قديم وأصيل؟ فالدولة في الأصل لا شأن لها بهذه المواضيع وليست طرفاً فيها، فحصول المرأة على إذن وليها هو شأن خاص بينها وبينه فقط – مثل عموم الشؤون الأسرية والزوجية – وليس شئناً بينها وبين وليها وإدارة الجوازات! إن توسيع مساحة تدخل الجهات الرسمية للتحقق من تطبيق الشريعة (التطبيق حقيقي أو المتوهم) في الحياة الفردية والأسرية مسألة مستغربة وهي من ناحية تفتح الباب للتعسف الرسمي وتعسف الولي وفوق ذلك ترهق مؤسسات الدولة وتستهلك من وقتها وجهدها وأموالها في توثيق وتدقيق أمور خاصة. يغيب عن بال الكثيرين أن السؤال ليس دوماً: ما حكم الشرع؟ بل أحياناً يكون: ما دخل الدولة؟

فإذن الزوج مطلوب في أمور كثيرة منها مجرد الخروج من المنزل، فمن فتاوى الشيخ ابن باز أن المرأة “يحرم عليها أن تخرج ]من المنزل[ إلا بإذن زوجها، ولو كانت في تعزية لأهل ميت أو عيادة مريض أو لأهلها” فهل من الشريعة أن تحصل على إذن مكتوب ومختوم بختم مصدق من زوجها وتعرضه على الشرطة مثلاً في كل مرة تخرج من منزلها؟ قد يسخر أحدهم قائلاً أن ذلك مستحيل أصلاً، ولكن ماذا لو سهلته التقنية في المستقبل؟ هل سيصبح ضمن مطالباتهم حينها أن تكرس الدولة جهدها للتحقق من أن كل امراة حصلت على الإذن؟ ثم إذا طبق مطلبهم هل سيصبح هذا عندهم مساوي لتطبيق الشريعة وسيقال أن المعترض عليه معترض على الدين!

وتخيل معي لو أتاح تطور التقنية للدول أن توضع كافة بيانات المواطنين في شريحة تزرع بالجبين والشريحة قادرة على توثيق حركة الرأس، سيأتي من يطالب بأن يتم استعمال هذه البيانات للتأكد من أن كل مواطن يؤدي صلواته، وإن قيل لهم أن هذا تدخل مفرط أو أنه نظام يسهل خداعه أو أنه لا يراعي تنوع حالات الناس وأعذارهم سيكون ردهم أنك ضد الشريعة وأن الصلاة هي أساس الدين وأن التغريبيين يريدوا أن ينزعوا مننا الصلاة لأنهم يعرفوا أهميتها وأن على الدولة اعتقالهم… إلخ.

 

نقاط ختامية

  1. للحديث عن قضايا المرأة وحقوقها عدة منطلقات منها المنطلق الإسلامي الصميم.
  2. الكثير من إنصاف المرأة يأتي في مجرد السماح لها بالتواجد في المجال العام، ولترسم هي تجربتها بنفسها بعد ذلك، فالمؤسسات التي يحتكرها الرجل تجنح لتجاهل رأي المرأة وتجاهل أسباب قلقها بقصد أو بغير قصد. مجرد وجود المرأة في أي تجربة يعني أن المخرجات ستختلف. ومن أهم المجالات هنا إدخال المرأة المؤهلة في مجال الإفتاء.
  3. الإسلام دين عالمي، والأمة الإسلامية اليوم في أمس الحاجة لإجتهادات فقهية معاصرة تدرك تحولات الزمن والمجتمع بعمق، وبالتالي هي محتاجة لفقهاء متمكنين ومتبحرين في شؤون الدنيا والدين ومتوسعين في الإطلاع على العلوم الشرعية وعلى العلوم الإجتماعية.

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

قراءة لمقالة هتون الفاسي (المرأة السعودية والخطاب الإسلامي) 

*حسين البار  هذه قراءة لمقالة للدكتورة هتون الفاسي نُشرت قبل مدة بعنوان: “المرأة السعودية والخطاب …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *