الرئيسية / كتب / هل الجنود يستمتعون بقتل الناس أثناء الحروب؟ 

هل الجنود يستمتعون بقتل الناس أثناء الحروب؟ 


*فاطمة الزهراء علي 

يقول ديف غروسمان؛ وهو ضابط سابق في الجيش الأمريكي؛ في كتابه (في القتل: الثمن النفسي لتعلم القتل في الحرب والمجتمع) أن معظم الجنود كانوا يقاومون قتل الناس قدرالإمكان إلى ما قبل حرب فيتنام، ويحلل في كتابه المذكور أعلاه حقيقة مروعة تتمثل في أن 75% من الجنود منذ فجر التاريخ وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية كانت لديهم مقاومة غريزية لقتل أشباههم من البشر، الإسكندر الأكبر لم يخسر سوى 700 جندي فقط من جيوشه في سنوات القتال، الغزاة في معركة روزبود كريك عام 1876 أطلقوا 252 طلقة فقط خلال قتالهم ضد الهنود الحمر، الجنود في معركة غيتسبيرغ تركوا خلفهم 27,574 بندقية بذخيرتها في ساحة المعركة بعد انسحابهم، في كل بندقية 10 طلقات لم تُستخدم مما يرجح أن الجنود تعمدوا عدم إطلاق النار لقتل غُرمائهم!

المارشال الأمريكي بريغاداير إس. إل. إيه يقول أنه وجد ما لا يزيد عن 20% من الجنود يستخدمون أسلحتهم للقتل بكفاءة خلال الحرب العالمية الثانية، خلال التدريب العسكري لوحظ أن كتيبة مكونة من 200 جندي تستطيع إصابة الهدف بنسبة 25% على بعد 225 ياردة، وبنسبة 40% على بعد 150 ياردة، وبنسبة 60% على بعد 70 ياردة، الغريب أنه لوحظ خلال الحروب أن ذات الكتيبة لا تصيب أهدافها بالنسب المذكورة أعلاه ولو كانت على مسافة قريبة!

ما معنى هذا الكلام؟ غروسمان يستنتج من تلك الوقائع أن مقاومة قتل البشر غريزة راسخة في وجدان هؤلاء الجنود حيث تبين أنهم كانوا يخطئون أهدافهم عمدا ليتجنبوا قتلهم إذا لم يكن هناك داعٍ لذلك، خلال الحرب العالمية الثانية كان الحلفاء والألمان يدكون المدن المكتظة بغرض إرهاب الناس وإضرارهم نفسيا، لكن المفارقة أن الاضطراب النفسي بين المدنيين المنكوبين بالحرب أقل بكثير من الاضطراب النفسي بين الجنود المحاربين، يجادل غروسمان بأن اضطرار الجنود للقتل تنفيذا لأوامر قادتهم هو ما جعل معاناتهم مضاعفة بعكس المدنيين الذين لا يجدون أنفسهم مضطرين لقتل أحد.

الثمن النفسي الفادح للتغلب على المقاومة الفطرية لقتل البشر كما يقول غروسمان ظهر خلال حرب فيتنام، في تلك الحرب تم تدريب الجنود بشكل منهجي على التصالح مع قتل الناس عن طريق تكتيكات خاصة تهدف لنزع الآدمية عن خصومهم وإيقاف التعاطف معهم حتى تسهل عمليات إبادتهم، أكثر من50% من الجنود رجعوا إلى أمريكا بعد حرب فيتنام وهم مصابون باضطراب مابعد الصدمة، وهو مما تسبب بإدمانهم وخسارتهم لعائلاتهم وإفلاسهم حتى أصبحوا بلا ماوى.

لكن أستاذة التاريخ في جامعة لندن؛ جوانا بورك؛ لها رأي مختلف حيث تقول أن زوال الحاجز النفسي تجاه قتل الناس يجعل القاتل يستمتع بإراقة الدماء، غالبية من يعاني من الجنود – برأي جوانا – هم صنفان: صنف لم يتمكن من قتل أعدائه وصنف لم يتمكن من التصالح مع عملية قتلهم، التصالح مع عمليات قتل الأعداء يبدأ – برأي جوانا – من عدم شيطنة العدو ونزع إنسانيته، القناعة باستحقاق العدو للقتل لا يتعارض مع الإقرار بآدميته لأن قتله حينها سيكون عملا واعيا مسؤولا بحكم أنه استجابة لأمر صادر من قيادة عليا.

وتحتج جوانا ببعض شهادات العسكر مثل الضابط ويليام برويلز الذي جزم بأن سبب امتناع كثير من الجنود المحاربين عن سرد حكاياتهم هو ارتباكهم حيال تلك اللذة الغامضة التي وجدوها حينما قتلوا أعداءهم، تصريحهم بتلك اللذة قد تظهرهم بمظهر وحش متعطش للدماء أمام أطفالهم وزوجاتهم، ويقول ويليام برويلز أن الحرب رياضة مكتملة الأركان لأنها تستنفر طاقتنا العضلية والوجدانية لأقصى حدودها، ويتساءل قائلا: ألا يجد الناس متعة عظيمة في ألعاب القتال الالكترونية ومشاهدة أفلام الحرب السينمائية؟ أليس حماسهم هذا دليلا على وجود استعداد فطري لديهم للتلذذ بالقتل الحقيقي؟

تؤكد جوانا بورك في كتاب لها بعنوان (التاريخ الحميمي للقتل: القتل وجها لوجه في حروب القرن العشرين) بأن التلذذ بالقتل وكأنه “فعل أيروسي” ليس مقصورا على الرجال بل يشاركهم فيها النساء، وترفض في كتابها المذكور أعلاه ما يردده المحافظون والحركات النسوية من أن المرأة بطبيعتها “رقيقة ومسالمة ترفض الدمار وتمنح الحياة للوجود”، وتقول أن سلوك المرأة بعد تغلبها على غريزة النفور من القتل لا يختلف عن سلوك الرجل، كلاهما يجد لذة غامضة في إزهاق الأرواح بل إن مشاركة المرأة في عمليات القتل يمنح الرجل ارتياحا أكبر تجاه هذه الأفعال، وتستشهد بقصة ممرضة اسمها فلورا سانديس تحولت إلى جندية وحاربت مع الصرب خلال الحرب العالمية الأولى، فلورا سانديس تعلمت القتل أثناء الحرب ثم مارسته بكثرة حتى أصبحت تستمتع به وظلت تحكي للناس مدى استمتاعها بتلك التجربة بعد انتهاء الحرب حتى وفاتها!

تشير جوانا إلى أن سر رفض الرجال لمشاركة النساء في الحروب هو توهمهم أن المرأة لن تستطيع التحكم بنفسها خلال أهوال الحرب، إضافة لخوفهم من تعلم المرأة للقتال والذي يحجبونه تحت دعاويهم بأن تجنيدها يفسد الأدوار الاجتماعية المفترضة للرجل والمرأة، لكن حركات تحرير المرأة نجحت أخيرا في انتزاع حق المرأة في الالتحاق بالقوات المسلحة والذي أصبح قانونيا في 38 دولة؛ منها 18 دولة ترسل النساء المجندات لساحات القتال و 6 دول تقضي قوانينها بالتجنيد الإجباري للنساء.

 

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

كتاب الدين والظمأ الأنطولوجي – د.عبدالجبار الرفاعي

    *منار الزهراني  أعني بالظمأ الأنطولولجي الظمأ للمقدس، أو الحنين للوجود، إنه ظمأ الكينونة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *