الرئيسية / مقالات الرأي / النضال سيكيولوجياً

النضال سيكيولوجياً

*هند السليمان 
 

“النضال” أحد الكلمات المقدسة، الإقتراب منها ومحاولة قرائتها تُشعرك وكأنك تمشي على الماء، عليك الحذر فقد تنزلق رجلك سريعاً وتغرق. للمناضلين وهجهم، فهم ملهمون للأمل والحق والإصرار المتواصل على التغير. محاولة تفكيك أفكارهم وتمحيصها، تجعل منك شخصاً رجعيا في أفضل الأحوال وفي أسوئها تتعدد الإتهامات، فلا أهمية لذكرها هنا. فلماذا كل هذا الوهج للمناضل ؟ ومن هو المناضل؟ أهي طبيعة القضية التي يحملها الفرد هي ما تجعل منه مناضلاً أم طبيعته الشخصية؟ هل هي كاريزما معينة يمتلكها أحدهم، فتمنحه هالة النضال، لتصيب وهج كاريزميته الجمهور بتشوش نظر تجعلهم يؤلهون “مناضلهم”، حتى وإن كان يقف فوق جثث القتلى، قتلاه الفعليين أو الإفتراضين، من “الأعداء”؟ هل من صفات محددة، تواجدها تجعل الفرد مناضل، أم هي طبيعة الفعل، أم هي النتيجة المُتحققه من النضال؟ وهل فكرة المناضل محصورة تحديداً بمطالبات الإصلاح السياسي وربما الإجتماعي؟ ألا يكون الفرد مناضلاً في محاولاته لإصلاح حياته، ذاته؟ وبهذا يكون التاريخ الشخصي لكل فرد منا، هو تاريخ نضاله الشخصي؟ ولكن حين يصبح الكل مناضلاً ألا يسقط بذلك مفهوم النضال، فالمناضل شخص إستثنائي، مختلف، خارج وبارز عن السائد؟ ولكن هل كل بروز نضال؟ أمر أخير، مادلالة التحولات التي حدثت للكلمة المستخدمة لوصف الفعل؟ فمن أستخدام البطل/الإله، كما في المثيولوجيا الإغريقية، ثم الإنتقال لإستخدام المناضل في العصر الحديث ومؤخراً بدأ أستخدام وصف ناشط، هل هو تضائل في الطموح يحركه حس واقعي، أم تغيير الكلمات نابع من تغير طبيعة العلاقة بين الفرد والمجتمع وفق التغيرات التي حدثت في المجتمعات، وبالتالي تغير طبيعة الفعل المتوقع؟

تجريد الأسئلة قد يوسع الصورة لرؤية أفضل، ولكن مايؤصل لها هو طرحها بإستحضار الواقع عبر قراءة تجربة النضال من خلال أحد المواضيع المتصدرة ساحة النقاش والنضال الحقوقي، كالنضال النسوي مثلاً. وهي كأي قضية مطروحة، تتعدد المواقف ووجهات النظر وكذلك القراءة لها. هذا التعدد ليس نقياً تماماً، بل هو في شكل ما، إختزال للمواقف الفكرية والسياسية الموجودة في المجتمع، سواء الظاهرة على السطح أو المسربة بين العبارات الكبيرة.

حين كتبت رسالة الماجستير في عام 2003، حول الموضوع النسوي السعودي، لم يكن هناك من اسم يُطرح في هذا المجال إلا اسم الدكتورة عزيزة المانع. لم تكن فكرة النسوية متداولة لا سلباً ولا إيجاباً في الفضاء العام. بين المهتمين بالشأن الثقافي والفكري كانت معروفه بالطبع، لكنها مهمشة باعتبإرها قضية ليست ذات أولوية فكرية تستحق الإهتمام، بل أحياناً محملة بقراءة سلبية. مثلاً، أذكر كيف أصر مشرف رسالة الماجستير أن أُضمن رسالتي نقداً سلبياً لطرح د. عزيزة المانع، فبحسب قوله تحديداً:”لازم نسّكت هذولي الملسونات” ولأنني أحد “الملسونات”، التي تفضل الإحتفاظ بلسانها داخل فمها عندما لا تجد مستمع، فقد فعلت، لأتخلص من عبئ رسالة ماجستير إنتهت لا كما أحببت أن تكون.

تمر السنوات ويبدأ تويتر بإكتساب وهجه كفضاء للنقاش الفكري وللقراءات الفنية ومتعة الأحاديث. في عام 2012، كنت أعمل على رسالة الدكتوراة في الشأن النسوي أيضاً. حينها، كان الخطاب النسوي في تويتر خافت. كان وهج الثورات العربية تكتسح الجميع فهي الحدث المتصدر. وحين يطرح أحدهم موضوعاً نسوياً، وقلة من تفعل ذلك، كان يُقابل الطرح إما بالتجاهل أو حتى بالإستهتار. فهناك من كان يعتبر الخطاب النسوي خطاب رفاهية، خاصة بين القوميين. وهناك من يعتبره خطاب غربي مُفتعل حصيلة الإستعمار الفكري للغرب، وهو الموقف عند الإسلاميين غالباً. كان عليك أن تتحدث عن الثورات وضرورة إسقاط الأنظمة، كل الأنظمة أو أنت ساذج أو تافهة أو حتى مستفيد من النظام القائم.

الآن الكل يتحدث عن النسوية، والكل أصبح مناضلاً نسوياً: القومي، والإسلامي، والليبرالي، واليساري، فهل حدث تغير في الوعي؟ وكيف حدث هذا التغير في أقل من نصف عقد من الزمن؟ أحد العلماء في حقل الميديا وصف قنوات السوشيال ميديا بأنها “معمل لصنع الهويات” فعبرها نتعرف على الآخرين ومنها نتعرف على ذواتنا بأعينهم، لنقوم وفق هذا بإعادة تشكيل ذواتنا وهويتنا. ولكن التغير الذي حصل في الموقف من الخطاب النسوي يجعل السوشيال ميديا ليست معملاً لصنع الهويات بل مايكرويفا لتجهيز الأفكار! المايكرويف سريع في تحضيره للطعام، ولكن بعد أن يخرج الطعام منه، عليك بتناوله سريعاً، وإلا سيبرد، بالاضافة إلى أن الطعام لن يمتلك لذة وطزاجة الأكل الخارج من الفرن. الفرن الذي يسخن الأشياء ببطء يمنحها نضوجاً متوازناً.

تويتر منح -نسبياً- من لم يكن لهم صوتاً، صوتاً مسموعاً. عبر تويتر بدأنا نسمع قصص النساء، حكاياتهن، تفاصيلهن، الشقاء اليومي الذي يعشنه، من قسوة المحيط الإجتماعي وضيق الفضاء العام عليهن. أصبح للماسأة واقع عياني عبر قصص محددة يحكيها أفرادها، من النساء، مما منح القصص روحاً جديدة. كم شخص بعد قراءته لتغريدة تحكي فيها امرأة معاناتها، بدأ بالتفكير بنساء عائلته وشكل معاناتهن؛ النساء المُتلحفات بالسواد خلف الأبواب. تويتر ساهم في ايضاح الصورة، أيضاً هناك من النساء من وجدت مسمى محدداً لإشكاليات حياتها، كانت ترى أنها تواجه صعوبات، ولكن عبر تويتر اكتشفت أنها ليست وحدها، فهناك أخريات، وأن لهذه الصعوبات أسم محدد يطلق عليه: “قضية المرأة”.  

لأن لا تفسير واحد وحيد يكفي لتفسير ظاهرة ما، فكون تويتر عمّق الوعي فهو أمر لا جدال فيه. تفسير قد يصح ممن أشغلهم مطاردة المعاش اليومي وتفاصيل العيش، عن التساؤل وراء الأفكار والقضايا المحركة لحياتهم ومصائرهم. السؤال في هذه الحالة: ماذا عن المشتغلين بالأفكار وبقضايا النضال، لماذا لم تشغلهم قضية المرأة إلا مؤخراً؟ في عام 2014، كتبت كخيبة أمل من موقف المثقفين من النسوية، بأن المشتغلين بالنشاط الفكري والسياسي يتعاملون مع الشأن النسوي بذات العقلية التي تقول “نقلط الرجال على العشاء أولاً وبعدها نقلط النساء”، فنحن لن ننساكم ولكن قضيتكم ليست لها أولوية الآن. بعد ثلاث سنوات، يصبح هؤلاء ذواتهم أو المنطوين تحت ذات التوجه الفكري، هم الأصوات الأبرز في الطرح النسوي، فكيف حدث هذا؟

قد يُفسر هذا بأنه محاولة للظهور ووصولية من قبلهم، وهذا تفسيرٌ ذا بعد تقيمي أخلاقي، ودخول في النوايا دون دليل عليه، فلا يمكن الإرتكان إليه. بالتأكيد أن في كل مجال يوجد وصوليون ومتسلقون، لكنهم دوماً على الهامش، فلا أهمية تذكر لهم أو لمحاولة تفسير فعلهم.

 لنعيد السؤال مرة أخرى، من كان يتصدر الطرح النضالي في المجتمع هل غابت عليه مأساة النساء واحتاج تويتر ليعلم بهذا؟ إن كان كذلك، فأي وعي تقدمي يمتلك؟ إن كان تويتر يكشف له حقيقة بسيطة، الإلتفات إلى أمه أو أخته في البيت، كان كافياً ليتعرف على أحد قضايا مجتمعه. فكيف أثق بعمق رؤيته في حالة كهذه؟ وكيف تغيرت أولويات النضال لديه، أي لدى المناضل؟ لتقديم تفسير مقنع، لابد من تفسير يطرح فكرة النضال ذاتها وإشكالياتها عند التفسير. هل حدث التغير بسبب خيبة أمل لمآلات الربيع العربي الذي انتهى إليه حتى هذه اللحظة، من فوضى دموية لا يُعرف نهايتها؟ هل أقفلت أبواب النضال السياسي المباشر أمامهم، إما بسبب تفكك الطرح الفكري للأديولوجيات التي تبنوها، حيث كشفت عن هشاشتها عند محاولة التطبيق، أو بسبب التضييق الذي مُورس عليها لتتفكك وتضعف؟ فحين أُقفلت الأبواب الأمامية للنضال، لم يجد المناضل نفسه طريقاً، إلا الولوج عبر الأبواب الخلفية. القضايا التي كان يراها ليست ذات أولوية، لتصبح تلك القضايا هي المتصدرة. فالقضايا المتصدرة سابقاً، تم مسحها دون إرادته من القائمة، فلم يتبقى ليتصدر تلك القائمة، إلا القضايا الأقل أولوية لدية: قضية المرأة.  

هذا التفسير، يطرح سؤالاً سيكيولوجيا أو بالأصح تفسيراً سيكيولوجياً محتملاً لهذا، فبهذا المعنى النضال حالة سيكولوجية قبل كل شي. النضال وبشكل تجريدي هو بعد نفسي أكثر من كونه فكرة عادلة وملحة تطرح نفسها على الفرد لتجد من يؤمن بها ويدافع عنها. فالتحول بين القضايا، يُبين كيف انقلب أفراد من تبني قضايا لم تعد لها وهجها، إلى قضية أصبحت تحمل وهجاً أقوى. هم أشخاص يجدون أنفسهم في تبني القضايا، القضايا الكبرى، وفي الدفاع عنها، في إعلاء صوتهم. أما نوع أو شكل القضية التي يدافعون عنها، فمجرد تفصيل بسيط لا يهم. المناضل هنا وبالاقتباس من عنوان المسرحية هو “ثائر بلا قضية” القضية متحركة، متغيرة. المهم أن يجد فكرة مجردة تتمحور حوله حياته، قراءاته، أفكاره، أحاديثه، وعلاقاته بالمحيط. هذا ما يمنح حياته معنى، وهذا ما يبحث عنه. تموت قضية، فيخترع قضية أخرى، أو يحاول إحياء قضية لم يلتفت لها أحد.

سيكيولوجياً، هناك تفسير يرى في الإدمان لا كسلوك متطرف، بل كنمط شخصية، بمعنى أن بعض الأشخاص يمارسون الإدمان لأن نمط شخصياتهم كذلك، بغض النظر عن المادة المتعاطاة. المدمن وفق هذا التفسير، قد يتوقف عن تعاطي المادة الكيميائية، ليبدأ ممارسة إدمانية أخرى. النجاح الذي يحققه، أن تكون الممارسة الإدمانية الجديدة إيجابية أو على الأقل محايدة بلا ضرر. مثلا، من ضمن طرق المساندة لمساعدة المدمن السابق حتى لا يحدث له إنتكاسه، حضور جلسات (AA) والتي يفترض أن تساعده بمنحه دعم إجتماعي ونفسي يحتاجه. في أحد المرات، قابلت مدمن سابق يحضر 45 جلسة من تلك الجلسات أسبوعياً، علماً أن التوصية هي حضور جلسة أو جلستين فقط. هذا الرجل يمضي يومياً ما يتجاوز السبع ساعات متنقلا من مكان إلى مكان لحضور تلك الجلسات. السؤال هنا، أليس سلوكه هذا إدمان من نوع آخر؟ فكما أن هناك ورم حميد وورم خبيث، فلعل إدمانه هنا حميد. وفقاً لحديث ذلك الرجل؛ “إن لم أنخرط في الجلسات تلك بشكل مكثف، سأجدني أعود للمخدرات”. هذا التفسير، لعله هو ما يمكن طرحه لتفسير سلوك المناضل.

النضال هنا يصبح حالة سيكيولوجية يجد الفرد فيه ذاته. لا يتعلق النضال بالفكرة، ولا بعدالة القضية، بقدر ما يتعلق بالمناضل ذاته. هو شخص لا يحركه اليومي، أو الأفكار البسيطة، بل يبحث عن العناوين الكبيرة، عن وهجها وعظمتها، فهي ماتمنحه شغفاً يبحث عنه في الحياة. القضية النضالية هي ما يحقق له هذا. ألا يجعلنا هذا ننزع القدسية عن فكرة النضال، وعن كون المناضل شخصاً إستثنائياً؟ فالمناضل ليس بالضرورة، شخص متجاوز لذاته يضحي لإسعاد الأمه. إنه أناني، مثلي ومثلك، ولكن إن كانت لذتك بقراءة الشعر بصوت خافت، فإن المناضل يجد لذته في الصراخ بصوت عالي وسط الحشود. ليس الأمر إنتقاصاً من المناضل، لكنهم بشرٌ مثلنا، يحملُون إرتباكاتنا. هم أشخاص حالمون بلا شك. لكن للحالمون صورتان: الحالمون بغضب، هؤلاء هم المناضلون، وهناك الحالمون بعبث، وهؤلاء هم الشعراء، ولعلني أحد الغاوون التي تتبع الشعراء، فماذا عنك؟

 

 

 

 

 

 

 

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

بماذا تطالب المرأة السعودية في العهد الجديد؟

  د. هتون أجواد الفاسي تمر بلادنا بمرحلة تغيير مثيرة للاهتمام.. للجدل.. للاحتفاء.. للتحليل والتفكير.. …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *