الرئيسية / كتب / عرض لكتاب (نقاشات حول ليفي) لنيقولا ميكافيللي

عرض لكتاب (نقاشات حول ليفي) لنيقولا ميكافيللي

 *فاطمة الزهراء علي 

لعب ميكافيللي دورا محوريا في حكومة فلورنسا، لكن عودة آل ميدتشي لحكم فلورنسا عام  1512 ميلادي بعد 18 سنة في المنفى كانت بمثابة المسمار الأخير في نعش مستقبله المهني كمستشار رفيع المستوى لدى الدولة، فقد تم اعتقاله وتعذيبه وبعد إطلاق سراحه قرر الإقامة في مزرعته الواقعة في سانت أندريا في بركوسينا، وحينها لمعت في ذهنه فكرة تأليف كتاب يتملق به العائلة الحاكمة حتى يستعيد وظيفته كمستشار رفيع المستوى في الدولة، فكتب عددا من النصائح السياسية ووجهها لـ”لورينزو دي ميديتشي” التي اشتهرت لاحقا باسم كتاب (الأمير)، الكتاب الذي ذاع صيته بأنه ينصح الأمراء بأن يضعوا الأخلاق جانبا إن أرادوا الحفاظ على الحكم والسيطرة على المحكومين، لكن يبدو أن الغرض من كتابته لتلك الرسائل لم يتحقق فقد فشل في إقناع آل ميديتشي بأن يمنحوه أي منصب في الحكومة، هذا الفشل جعله ينصرف تماما إلى تأليف كتابه (مناقشات حول ليفي) الذي يعتبر أكبر حجما وأكثر تعقيدا في أطروحاته من كتابه الشهير (الأمير).

كتاب (نقاشات حول ليفي) يُعتبر من أهم ما كُتب في مجال الفلسفة السياسية؛ فهو يبرز النموذج السياسي الذي يفضله ميكافيللي للسلطة، والتي توفر مساحة واسعة للحريات والتوافق الشعبي في سياساتها الداخلية والتوسع والهيمنة في سياساتها الخارجية، الكتاب دفاع عن الجمهورياتية (الأنظمة الجمهورية) ضد الملكيات لذا لم يُنشر إلا بعد وفاته، واستلهم موضوعاته من قراءته لأعمال المؤرخ الروماني تيتوس ليفيوس”ليفي” (ت:17ميلادي)، خصوصا ما يتعلق بأسباب صعود وهيمنة إمبراطورية روما وانضباط نظامها واستقرار حكمها لأنه يوفر أساسا للمقارنة مع ضعف وعدم استقرار حكومات إيطاليا في القرن السادس عشر.

يشير ميكافيللي إلى أن الناس يبذلون جهدا ملحوظا للحصول على تمثال مكسور من روما القديمة أو بلاد الإغريق لكنهم لا يحرصون نفس الحرص لمعرفة الأفكار والمبادئ والقوانين والنظم التي كانت تقف خلف صعود الحضارة العظيمة لتلك المناطق، لعدة قرون نجحت إمبراطورية روما إلى حد كبير في إقامة نوع من التوازن بين مصالح جميع فئات المجتمع، هذا التوازن خلق ازدهارا نسبيا لشعب روما إذا قورن بغيره من الشعوب في تلك العصور.

يرفض ميكافيللي التنظيرات الطوباوية للدولة والمجتمع حيث يؤكد أن المجتمع يكتسب قوته من صراع المصالح والتوجهات، ويقول أن محاولة الحكومات للتحكم بالأفراد واتباع سياسات مثالية للسيطرة عليهم لن يزيد المجتمع إلا ضعفا لأنها لن تساهم في استيعاب التعددية في الآراء والمعارضة، إدراك ميكافيللي لملازمة صفة التغير للدولة والمجتمع جعله يُقر أنه ليس من الحكمة تجاهلها، ولذا حاول في كتابه هذا تقديم رؤية سياسية لديمقراطية تعددية في صورة النظام الجمهوري الذي يتيح هامش معقولا لمشاركة المواطنين.

يقول ميكافيللي أن الثقة بأحكام الناس من خلال تمكينهم من المشاركة السياسية أفضل لاستقرارالدولة على المدى البعيد من تعاظم سلطات طبقة حاكمة ضيقة، وقد لاحظ أن جميع نماذج الدولة تتعرض للفساد مع مرور الوقت، الملكية غالبا ما تتحول لديكتاتورية، والارستقراطية غالبا ما تنقلب لأوليغاريشية، والديمقراطية سرعان ما تتغير لملكية، لكن ميزة الحكم الروماني – في رأي ميكافيللي – أنه نجح في تكوين صيغة تجمع في طياتها عناصر من جميع نماذج الحكم المذكورة أعلاه بصورة متوازنة لا تطغى فيها أحد العناصر على الأخرى.

استبدلت جمهورية الرومان النظام الملكي بنظام حكم مختلط يجمع بين خصائص الملكية والأرستقراطية، مكون من قنصلين (يشبه في عصرنا نظام الرئيس ورئيس الوزراء) ومجلس أعيان أعضاؤه من النبلاء بالإضافة إلى نواب عن الشعب يمثلون مصالحه ويدافعون عن حقوقه، إتاحة الفرصة لكل فئات المجتمع لممارسة هامش من السلطة جعل النظام الروماني يقترب من الكمال، إدارة التناقضات بين النبلاء وعامة الناس هو الأصل التشريعي لكل القوانين التي تنشد حماية الحرية كما يقول ميكافيللي، أضف إلى ذلك أن نظام الحكم الروماني كان يتيح للشعب محاسبة العاملين في الدولة، ويسمح بتوجيه التهم لهم أمام محكمة خاصة تقوم بمعاقبتهم لو ثبتت تلك التهم بحقهم (ذكر ميكافيللي قصصا تتعلق بهذا الشأن) مما خفف إلى حد كبير من نقمة الناس وأحقادهم تجاه الدولة ورجالها.

برأي ميكافيللي؛ استنساخ نموذج الحكم الروماني ملائم لمن يهدف لتعظيم هيمنته بينما استنساخ نموذج الحكم الإغريقي ملائم لمن يهدف للحفاظ على كيانه، إسبارطة كان شعبها قليلا مقارنة بروما ويحكمها جماعة صغيرة (ملك وعدد من النبلاء فقط)، وكان ليكورغورس – مشرعها الدستوري وواضع نظامها العسكري – يعتقد بضرورة ألا يختلط شعب إسبرطة بغيره من الشعوب وألا يتزوجوا بغير الإسبرطيين، هذه التوجهات الانغلاقية لإسبرطة منحت حكامها نوعا من الطمأنينة و راحة البال لكنها لم تساهم في ازدهار دولتهم وتعاظم قوتها.

شعب البندقية كان يتكون من طبقتين: الوجهاء والعوام؛ لكل منهما حقوق محددة لم يتم منحها لأي من المهاجرين الذين أتوا لاحقا إلى البندقية على الرغم من كثرتهم وذلك حتى لا تتعرض امتيازات تلك الطبقتين للخطر، صحيح أنه كان لكل من إسبارطة والبندقية حقب توسع وهيمنة لكنها لم تدم طويلا، والسبب – كما يجادل ميكافيللي – أن صيغ الحكومات التي تعاقبت على حكم الدولتين كانت تتركز سلطاتها في يد الطبقة العليا الحاكمة، مما تسبب بإضعاف اهتمام جموع الناس بحماية كيان الدولة أو توسيع نطاق هيمنتها.

اعتقد ميكافيللي أنه لو طبقت روما السياسات التي ضمنت الوحدة والسلام لكل من إسبارطة والبندقية لما تحولت إلى إمبراطورية عظيمة، الحكم الدستوري الذي تأسس في روما جعل من “اللانظام” أمرا طبيعيا أحيانا، فقد سمح بتسليح الطبقات الدنيا من المجتمع ومنحهم هامش نفوذ سياسي عن طريق النواب، ولم يحاول التحكم في التزايد السكاني حتى أصبح عدد العوام والسوقة يفوقون عدد النبلاء بمئات الأضعاف مما مكنه من الاستفادة من أعدادهم في شن الحروب التوسعية، لذا يعارض ميكافيللي ما ذهب إليه المؤرخ ليفي أن السبب الرئيسي في عظمة روما كان وفرة المال وغناها المادي، ويقرر أن “الرؤية السياسية” لحكام روما وأسلوب إدارتهم للشعب هو السبب وراء عظمة بلادهم وليس مجرد الغنى والثروة.

عن thearabnoon

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *