الرئيسية / المرأة صوتًا وصورة / في أزمة الخليج، نحتاج رأي رشيد بدل التأجيج

في أزمة الخليج، نحتاج رأي رشيد بدل التأجيج

د. فوزية أبوخالد

                                    

من حق الدول والحكومات أن يكون لها مواقف من بعضها البعض تتراوح من صداقة الجوار والقواسم التاريخية والثقافية والمصيرية المشتركة إلى صداقة المصالح العارية والمنافع المتبادلة المؤقتة أو الدائمة . كما أن من حقها أن يكون لها مواقف تتراوح أيضا من العداوات المبدئية التي لا رأب لها لتعارضها مع الأسس الإنسانية والسياسية والسيادية كالعداوة العربية مع دولة الاحتلال الصهيوني الاستيطاني لفلسطين وحلمه التوسعي من الفرات للنيل  إلى عداوة المصالح التكتيكية أو المؤقتة التي تزول بزوال مسبباتها أو بزوال سوء الفهم حولها أو بالتنازلات المشتركة من كافة الأطراف مادام الموقف في أصل العلاقة لايتعارض لا وجوديا ولاسياسيا ولا سياديا مع الأسس المتعارف عليها في العلاقات الإنسانية والدولية.

وهذا القول بسيط ومفهوم وهو من مباديء علم الاجتماع السياسي الأولية ومن نافلة الأمثلة التاريخية في تجارب المواجهات بين الدول، الا أن غياب هذا المفهوم قد يتسبب في غياب مريع لأي تفكير رشيد في أبسط الأزمات وأعقدها. كما قد يتسبب في الخلط بين أخ مخطيء  وعدو بواح وبالتالي، في طبيعة المواقف المترتبة على ذلك.

ومع أن هذا ما قد يقع في إطاره الموقف الأخير لما سمي بأزمة الخليج ، حيث أن الأزمة أنى تعقدت لا يصل مطلب حلها إلى مطلب تصفية أو محو أحد أطراف النزاع للآخر، أو السماح بتوريط الخليج  لاسمح الله وجره لمستنقع الفوضى اللا خلاقة واللا أخلاقية المحيطة بالمنطقة، حيث ذلك الخطر لو وقع، لاسمح الله، لا يعود خطرا متعلقا بقطر أو بالسعودية أو الإمارات، بل بكل الخليج عن بكرة أبيه وأمه والإخوة جميعا لا فرق بين أخ أكبر وأخ صغير، فإن المسار الذي سار فيه ثلة من كتاب السعودية والخليج، بل وكتاب عرب، أظهر غيابا لأبسط مفاهيم السجال السياسي السلمي. وبدى بعضه وكأنه يريد صب الزيت على النار وإغراق الجرح بكل مافي البحر من ملح.

وقد لا يكون هناك تثريب على افتتاحيات الصحف وما في حكمها أن تتخذ مواقفا تخال أنها تعبيرا تعبوي عن الموقف الرسمي، وهذا قد يكون استثناء يؤكد القاعدة التي يفترض أن تجنح لتقديم خطاب سلمي  استبصاري تحليلي عقلاني هاديء يصب في حياض الدولة والمجتمع لا في حياض تأجيج الشرر وتحويله إلى حريق ماحق.

والواقع أن هناك أسماء لكاتبات وكتاب كبار استسهلوا سهولة الوصول لمنابر التواصل الاجتماعي بطبيعتها الاختزالية خاصة على منصة مثل تويتر وحولوا مجال التغريد إلى مجال للنهش والقنص والإنقضاض على أبسط شرائع الخصومة النبيلة، مما جعلهم يسيئون من حيث ربما أرادو أن يحسنوا  وبما ألحق الضرر بصورة الدولة والمجتمع معا في عيون الداخل والخارج. ولم يقتصر الأمر على تلك الرسائل القصيرة بل تعداه لكتابة مطولات هجومية وهجائية لا تتساءل ولا تتأنى ولا تستطلع بل تحشو فمها بكل أنواع التأجيج الذي لا يفرق بين ناقة وجمل ولا بين حكومة وشعب ولا بين تضارب مصالح أو عدوات لدودة. 

فصارت الأزمة السياسية مجالا تكشف من خلاله خليجيا وجود تأزم حاد مزمن في فلسفة الخطاب الإعلامي وفي رؤيته وفي رسالته وفي أسلوبه، فلم يترك تأجيج مناطقي ولا مذهبي ولا قبلي ولا إقليمي ولا طبقي ولا فكري إلا وحشر على غير هدى في معارك كلامية لا تؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وتوسيع دائرتها من أزمة سياسية بين الدول إلى أزمة ثقة واحتراب بين الشعوب وتحويلها من أزمة سياسية إلى أزمة أخلاقية.  

وللأسف فالكثير من تلك المواقف الفزعوية الزاعقة تعبر، ليس فقط عن أزمة في الخطاب الإعلامي الخليجي، وتعدد مرجعيته الشعبوية التعصبية الضيقة على حساب التفكير العقلاني الرشيد أو في غيابه، بل أنها تعبر عن أزمة في النخبة المثقفة وخطابها. فإذا استثنينا منها تلك الشريحة التي عادة ما ترى في كل أزمة مثل هذه الأزمة وسواها مجالا لتسويق الذات على هذه أو تلك من المناصب أو فرصة لإعادة التموقع حسب مد المرحلة، فإن شرائح أخرى منها لا يبدو لها وزن النخبة لا عند نفسها ولا عند المسؤول السياسي فهي لا تستشار ولا تحاط بالأمر، وبعضها يفرط بملكة التساؤل إن كان يملكها أو يعطي موافقات مسرفة ليس فقط لم تطلب منه ولكنها مضللة والبعض يعجز أو يحجم عن قراءة الحدث في تعددية أبعاده، ناهيك عن تقديم قراءات تحليلية استباقية. والنتيجة أن يتصدر سيل المقالات الشجبية والرهطية والمُبالغة المشهد على حساب رأي وطني رشيد قد يكون هو ما تحتاجه الدولة والمجتمع فليس الحب الوطني بالتبعية العمياء ولا بشيلات المقالات.

الوطنية في أبسط مبادئها الأولية في “حزات الله الله ” أي ذروة الأزمات أن نملك شجاعة التأمل والتفكير والتحليل والتوصل لرأي يساهم في حل الأزمة لا في تأزيمها خاصة والمنطقة كلها مستهدفة بتوسيع فوهة البركان وإدخال منطقة الخليج لأتون الحريق الذي لم ينجح بعد ولا نريده أن ينجح في تطويق مابقي خارج طوق النار.        

ولا أملك الا أن أفكر، بالإضافة لذلك، في سؤال ماذا لو كان بالتوازي مع مجلس التعاون وبالتكامل معه كان هناك مجلس تعاون لبرلمانات الخليج أو مجلس لمجالس الشورى بدول مجلس التعاون الخليجي، هل كان سيكون له دور في حل الأزمة حلا سلميا على مستوى الشعوب على الأقل بدل مواقف المتابعة المشدوهة عن بعد وليس منا من هو بمنأى عن المسؤولية والتبعات. اللهم أحفظ وطننا عزيزا شامخا في الحق واحفظ أمن شعب الخليج وسلام المنطقة دائما وأبدا.

وربما يكون بإمكان الخليج تحويل شرارة، يحتمل أن تكون حارقة، إلى قبس نستضيء به لموقف نقد ذاتي من قبل الدول في علاقتها بذاتها وببقية دول الخليج وفي علاقتها بشعوبها وعلاقة شعوبها ببعضها، بما لايسمح بتراكم عداوات لدودة ولايقبل بحلول ترضوية مؤقتة، بل يكون نقدا موضوعيا وشفافا وصريحا يمكن على أساسه بلوغ حلول جذرية سلمية نحو المزيد من التلاحم والاستقلال والسلام.

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

النضال سيكيولوجياً

*هند السليمان    “النضال” أحد الكلمات المقدسة، الإقتراب منها ومحاولة قرائتها تُشعرك وكأنك تمشي على …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *