الرئيسية / مقالات الرأي / المرأة ومعضلة الهيمنة

المرأة ومعضلة الهيمنة

 

*عبدالعزيز الحقباني

 

عندما يتهادى إلى أسماعنا مصطلح ” الهيمنة ” يتبادر للذهن غالباً معناها في السياق السياسي و ما تحمله من صراعات بين الاحزاب والدول للسيطرة والهيمنة بين بعضها البعض. وهذا معنى مختزل فمفهوم الهيمنة موجود و حاضر في صور و تجليات عديدة في حياتنا اليومية من خلال علاقتنا نحن كأفراد داخل المجتمع. و مكمن خطورة هذا النوع من الهيمنة هو أننا في الغالب لا نشعر به بل بالعكس نراه أسلوباً طبيعياً و بديهياً حينما نمارسه من خلال تعاملاتنا مع الاخر أي كان هذا الاخر من عرق / دين / جنس / جنسية مختلفة.

و لأن الموضوع الذي نحاول طرحه هنا يتضمن الرجال و النساء كعنصرين أساسيين في تكوين هذه العلاقة المضطربة و التي تؤثر بشكل مباشرعلى النظام الاجتماعي. أخذ عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو(1930– 2002) على عاتقه مهمة البحث و محاولة فهم أحد أشهر و أكثر صور هذه الهيمنة انتشارا بين المجتمعات : الهيمنة الذكورية.

و أصل هذه الهيمنة و مفهومها العميق هو عبارة عن أنماط فكرية و بنى معرفية متجذرة فينا كأفراد نتيجة لعمليات يقوم بها النظام الاجتماعي من إنتاج و إعادة إنتاج للترسيمات و الأنماط الفكرية للسيطرة و فرض الهيمنة و التي تظهروكأنها سلوك طبيعي مشرعن من قبل النظام الاجتماعي.

يحاول بورديو في كتابه (الهيمنة الذكورية) و الذي نحن بصدد تقديم قراءة موجزه له أن يكشف عن خصائص المجتمع الذكوري و ما هي أنماط التفكير اللاواعية لديه؟ و ماهية الاليات المؤسسة للتقسيم الجنسي؟ و تفكيك العلاقة الاجتماعية الجدلية التي تظهر و كأنها مبرر طبيعي لظهورالهيمنة الذكورية.

اتخذ بورديو من قبائل الجزائرنموذجا لمجتمع المركزية الذكورية, ليتمكن من اجراء تحليل سوسيولوجي لفهم سلوكيات و عادات هذه القبائل التي ما زال يمارس فيها النظام الجنسي المميز بين الذكورة و الأنوثة في أوضح صوره, و الذي لاحظه بورديو أن هذا التقسيم موجود و حاضر في أذهان الافراد بشكل لاواعي عند الرجال و حتى النساء

أجد أن هناك موضوعين رئيسيين نستطيع من خلالهما قراءة فكر بورديو و فهم نظريته حول الهمينة الذكورية.

1- الجسد بوصفه شيئا مجنسا:

تؤسس فكرة المركزية الذكورية نفسها من خلال التقسيم المميز الجنسي بدعم من النظام الاجتماعي الذي يقوم بإنتاج و إعادة إنتاج المبررات والأنماط الفكرية لتعطي التقسيم مظهرالطبيعي. في حين لو تأملنا جيدا في أسرار هذا التقسيم و مبرراته التي تصور على أنها “طبيعية”, سوف نجد أن مصدر هذه الأنماط يرجع الى تصورات أسطورية تعتبر الاختلافات البيولوجية مبررا لذلك التقسيم المميز للجنس . فالنظام الاجتماعي يأخذ “الجسد” كشيء أساسي لتعزيز الهيمنة باعتباره المنطقة الأبرز للتمييز بين الجنسين من الناحية البيولوجية, و يتلقى هذا التمييز ضرورته من النظام الاجتماعي الذي يقوم بإدراج الفرد في نسق من العلاقات المتجانسة من قبيل: (أعلى/ أسفل, ممتلئ / فارغ …الخ) لتعطي في النهاية تصورات إعلائية للجسد الذكوري, في حين أن الجسد الأنثوي هو الأدنى و الأقل.

فصورة الجسد و الصفات الاخلاقية ترسّخها الثقافة والتقاليد و تعطيها بعدا رمزيا لهيمنة الذكر من خلال ضخ دائم في العقل اللاواعي من الصفات الجسدية كالقوة و السيطرة و الامتلاء والفحولة الجنسية و أيضا من صفات الشرف و الأنفة و الكرامة و ربطها بالذكر.

يقول بورديو:

” إن قوة النظام الذكوري تتراءى فيه أمرا يستغني عن التبرير, ذلك أن رؤية مركزية الذكورة تفرض نفسها كأنها محايدة, و أنها لسيت بحاجة الى أن تعلن عن نفسها في خطب تهدف الى شرعنتها. و النظام الاجتماعي يشتغل باعتباره آلة رمزية هائلة تصب الى المصادقة على الهيمنة الذكورية التي يتأسس عليها”.

هذه التصورات تهدف الى تثبيت ترسيمات فكرية تسجل في العقل اللاواعي كخواص طبيعية مسلم فيها تعزز من فكرة الاعلاء من شأن الذكور و جعلهم الجزء الثابت و المهيمِن.

و بهذه العملية المستمرة التي يقوم بها النظام الاجتماعي من إنتاج هذه الترسيمات الفكرية التي تعزز الرؤية الاسطورية للعالم المتجذرة في العلاقة الاعتباطية لهيمنة الرجل على المرأة وفق الاختلافات البيولوجية و شرعنتها باعتبارها رؤية طبيعية, و بالتالي أصبح بالإمكان التبرير بشكل طبيعي و بديهي و مقبول للتقسيم الجنسي للعمل.

و هذا ما وجده بورديو عند قبائل الجزائر, فأعمال الذبح و الزرع و الحصاد مسؤول عنها الرجل, و يرى بورديو أن من خلال هذه الأعمال يمارس الرجال هيمنتهم, في المقابل توكل الى النساء مهمات تعتبر أقل قيمة و أهمية من قبيل رعاية الاطفال أو الحيوانات, و كل هذا يعززه باستمرار النظام الاجتماعي و يصادق عليه كتقسيم طبيعي بديهي و كأنها اختلافات طبيعية بين الذكر و الانثى. و الحال أنها اختلافات طبّععليها الأفراد أساسها كما أشرنا تصورات اسطورية ينتجها و يعيد إنتاجها النظام الاجتماعي من شأنها إعلاء الذكر و ربطه بالأعمال الرفيعة. فتجد أن الوظائف التي يغلب عليها القيادة تكون من اختصاص الرجل مثل: الرئيس/ الدكتور, في حين أن الوظائف الثانوية التابعة مثل: السكرتير/ الممرضة هي من اختصاص المرأة.

 

2- البناء الاجتماعي الرمزي :

يقوم النظام الاجتماعي كما أشار بورديو بتطبيع الهيمنة الذكورية في الأذهان من خلال التقسيم الجنسي باعتبار الاختلاف البيولوجي مبرر طبيعي لهذا التقسيم. لكن هذه الهيمنة لا تقف عند الاختلاف البيولوجي فقط بل ستتمدد الى أن تصل لما سماه بورديو “بالعنف الرمزي” كأحد مظاهر الهيمنة الذكورية. و هو عنف ناعم غير مرئي يمارس من قبل المهيمِن على المهيمَن عليهم في شكل ترسيمات ذهنية “الهابوتسات” كما يسميها بورديو(هي مجموعة الاستعدادات التي يعمل عليها الفرد و يكتسبها من النظام الاجتماعي الذي يعيش فيه) تعلي من شأن الذكر و الخضوع لهيمنته كشيء طبيعي في داخل الانساق اللاواعية.

يقول بورديو: ” أساس العنف الرمزي لا يكمن في الضمائر المخدوعة التي يكفي تنويرها، بل في استعدادات معيرة على بنى الهيمنة “.

و يقول: ” و يطبق المهيمَن عليهم على علاقات الهيمنة مقولات مبنية من وجهة نظر المهيمنِين, فتجلعها, تبعا لذلك, تبدو و كأنها طبيعية… و يظهر جليا, كما رأينا, في التمثل الذي تصطنعه نساء القبائل لأنفسهن عن جنسهن كشيء منقوص و بشع, لا بل مثير للاشمئزاز. أو في عوالمنا في الرؤية التي لعدد من النساء عن أجسادهن على أنه غير متوافق مع أصول جمالية مفروضة. ”

فالمركزية الذكورية تعيش في ذهن المهيمَن عليهم و تتغذى من أفعالهم التي تساهم في الاعتراف بالهيمنة. فيذكر بورديو تأثير أفعال المهيمَن عليهم في تعزيز العنف الرمزي و الخضوع له : ” إن العنف الرمزي لا يتحقق إلا من خلال فعل معرفة و جهل عملي يمارس من جانب الوعي و الارادة, ويمنح ” سلطته المنومة ” إلى كل تظاهراته و إعازاته و إيحاءاته و إغراءاته و تهديداته و مآخذه و أوامر دعوته الى الانضباط”.

” يساهم من خلالها المهيمَن عليهم, من دون علمهم غالبا, و ضد مشيئتهم أحيانا, في تمرير الهيمنة عليهم عبر قبولهم الضمني بالحدود المفروضة”.

فنتيجة الخضوع للهيمنة الذكورية نلاحظ أن هناك تحكم كامل على إرادة الانثى و حركاتها و طريقة مشيها و لبسها و في الأفكار اللاواعية و الجوانب الاخلاقية لها و الرغبة في تقليص حضورها الاجتماعي و حبسها رمزيا بعد أن تم حبسها جسديا.

فمن المظاهر التي شاهدها بورديوعند قبائل الجزائر أنه يجب على النساء الطأطأة و الامتناع عن الكلام أمام الملأ وعدم رفع عينها للأعلى، أمّا الكلمة الوحيدة التي تناسبها فهي: “لا أعرف”، خلافاً للكلام الذكوري الذي يتمتع بصفتي الاسترسال والحسم. و يجب عليها أيضاً ملازمة أماكن سفلية كالممرات الجانبية للطريق و غالبا ما تكون المساحة المخصصة للنساء ضيقة غير معتنى فيها , وتخصص لها الأعمال الثانوية و الأقلّ قيمة.

و لاثبات السيطرة الكلية من قبل الهيمنة الذكورية على خيارات الانثى و جعلها دائما في مصلحة الذكر يقتبس بورديو اجابة مميزة من ميشال بوزون على السبب الذي يجعل من النساء الفرنسيات يصرحن بغالبية واسعة أنهن يتمنين أن يكون لهن شريك أكبر سنا ؟ فيقول: ” نقبل بانقلاب المظاهر , يعني أن نعطي الانطباع بأن المرأة هي التي تهيمن, و هذا يحط منها اجتماعيا: فهي تشعر بأنها منقوصة مع رجل منقوص”.

وكما تقول فريغا هوغ ” وكأنه مطلوب من الأنثى أن تجعل من نفسها صغيرة”.

الخلاصة:

حاول بورديو من خلال كتابه تنبيهنا لهذا النوع الخفي من الهيمنة, و الذي يتغذى من خلال سلسلة من الأنماط الذهنية و الأفعال يقوم بإنتاجها النظام الاجتماعي و التي تساهم بشكل كبير في طريقة تعاملنا بيينا كأفراد. و لما يتم استحضار وضع المرأة في عالمنا العربي و كيف أنه في كثير من الأحيان يصبح موضوع المرأة أزمة اجتماعية و حديث الناس, ستدرك حينها مقدار تلك الرغبة الشديدة للهيمنة على المرأة و عدم التمكين لها أو الحاقها الضرر بالنظام الاجتماعي الذكوري. هذه الرغبة سوف تلمسها في جوانب عدة بدءاً من تطبيع بعض الأعراف الاجتماعية الغارقة في الهيمنة و التسلط, و التشديد الشديد في تفسير بعض النصوص الدينية و أخيراً القوانين الداخلية التي فيها ينظر للمرأة كمواطن من الدرجة الثانية.

يكمن الحل حسب بورديو في تجاوز التفكيرعلى طريقة الثنائيات و المعايير التي تميز بين الذكر و الانثى. و تكثيف الجهود لتحسين النظام الاجتماعي لأنه المسؤول الأول حسب بورديو عن هذه الهيمنة.

و في النهاية تقول الأديبة الانجليزية فيرجينا وولف في سياق وصفها لهذا النظام الاجتماعي الذكوري: ” المجتمع مثل كائن للتآمر، يبتلع الأخ الذي يملك الكثير منّا مبررات احترامه في الحياة الخاصة، ويفرض مكانه ذكراً متوحشاً ذا صوت يزمجر وقبضة قاسية (…) يستمر في طقوسه الصوفية، وقد تحلى بالذهب والأرجوان وتزين بالريش المتوحش، متمتعاً بالملذات المشبوهة للسلطة والهيمنة، فيما نحن نساؤ(ه) يُغلق علينا في منزل العائلة، من دون أن يُسمح لنا بالمشاركة”.

 

حساب الكاتب في تويتر: A_alhakbani

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

ماذا تعني القضية الفلسطينية للحراك النسوي في السعودية؟

*فيصل أحمد تكمل حملة إسقاط الولاية عن المرأة في السعودية عامها الأول وهي تخطّ مساراً …

تعليق واحد

  1. لن أعلق عن فلسفة الهيمنة الذكورية التي تتصف بواقع سياسي معين يفرض على الرجل هيمنته الكاملة على المجتمع ومن خلالها يتم قمع المرأة. وعلى الرغم من وجود الهيمنة الذكورية كصراع جندري متعلق بين الرجل والمرأة في أي مجتمع، إلا أن حديثي سيقتصر على الفكرة العنصرية والنظرة الاستعمارية من بورديو تجاه المجتمع الجزائري. وللاسف تحليل الهيمنة الذكورية باعتبار انها نسق مرتبط بالنسيج الاجتماعي والعلاقات بين الجنسين يخفي حقيقة البعد السياسي لمثل هذه الدراسات التي تبرر الاحتلال الفرنسي للجزائر لتحرير المرأة الجزائرية من هيمنة الرجل الذكورية. والهيمنة مثل الاستبداد، مرتبطة بالبعد السياسي والتحكم الاقتصادي والأيديوجي لممارسة سياسية بحتة. بوريدوا وغيره من الاعتذاريين والمبررين للاستعمار وتصوير المجتمعات المستعمرة على أنها متخلفة وبالتالي وظيفة المستعمر تحرير هذه الهيمنة وتحديث هذا المجتمع البدائي. المؤسف ان يتم التعامل مع هذه الاطروحات بطريقة طبيعية وتحليل النظرية كونها منتج بحثي خالص وإغفال الجانب السياسي والاستعماري لمثل هذه الأفكار.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *