الرئيسية / كتب / قراءة في كتاب (المنطق السليم) لتوماس بين

قراءة في كتاب (المنطق السليم) لتوماس بين

* فاطمة الزهراء

اشتهر المنظر السياسي الأمريكي توماس بين (1737 – 1809) بقضيتين: نقد الملكية و نقد الأديان، وعلى الرغم من دفاعه عن حق الشعوب في الثورة على الظالمين إلا أن هؤلاء الثوار الذين كان يدافع عنهم قلبوا له ظهر المجن؛ فالأمريكيون كرهوه ونبذوه بعدما عظموه بسبب موقفه النقدي من الدين في كتابه (عصر العقل)، والفرنسيون أكرموه ومنحوه الجنسية الفرنسية وجعلوه عضوا في الجمعية الوطنية لكنهم حاكموه لاحقا وسجنوه بسبب معارضته لإعدام لويس السادس عشر، ولم يتمكن من الخروج من السجن إلا بعد شفاعة الرئيس الأمريكي جيمس مونرو، لكن الناس تجنبوه بعد عودته لبلده فعاش وحيدا منعزلا وأدمن الخمر حتى وفاته.

كان توماس بين يعمل محصلا للجمارك في بريطانيا حين لفت انتباه بنجامين فرانكلين الذي أقنعه بالهجرة لأمريكا، وبعدما هاجر عمل محررا لمجلة بنسلفانيا وأصبح يكتب كثيرا عن مساوئ الملكيات المتوارثة لأنها تأتي بأشخاص يعتقدون أنهم ولدوا ليحكموا وأن الآخرين ولدوا كي يطيعوهم مما يخلق لديهم أوهام العظمة، دفاعه عن حقوق المرأة جعل البعض يُشيع عنه بأنه كان يمتهن تصنيع مشدات خصر النساء(انتقاصا له بحكم احتقار النساء وما يتعلق بهن في ذلك العصر) بل بعضهم اتهمه بأنه كان يعمل قرصانا في شبابه!

من الصعب أن يصدق أحد اليوم أن توماس بين أيّد استقلال أمريكا عن بريطانيا في الوقت الذي تلكأ في تأييد ذلك كل من جورج واشنطن وتوماس جيفرسون وبنجامين فرانكلين، حماسه الشديد لاستقلال أمريكا كان يتجلى في عبارات عاطفية ذات دلالات لافتة منها على سبيل المثال:” لم تكن البشرية في وضع مشابه للوضع الحالي منذ زمن النبي نوح؛ لقد حان الوقت لميلاد عالم جديد، ولتنال سلالة من البشر — ربما يماثل عددها عدد جميع سكان أوروبا — حظها من الحرية في غضون بضعة أشهر“. توماس بين كان ينظر لموضوع استقلال أمريكا كقدر لا مفر منه حيث يقول:”ما لم يُعلن الاستقلال، فستظل القارة تشعر وكأنها رجل مستمر في تأجيل القيام بعمل يكرهه يوما بعد يوم، مع أنه يعلم ضرورة إنجاز هذا العمل، لكنه يكره البدء فيه، ويتمنى لو أنه انتهى، وتؤرقه دائما خواطر تخبره بحتمية القيام به”.

كتابه (المنطق السليم) صغيرالحجم في حدود 25 ألف كلمة لكن أثره عميق في خارطة الفكر السياسي الأمريكي خصوصا إذا تأملنا في الأفكار المبثوثة في خطاب الاستقلال وأوراق الفيدرالية، ومن الجدير بالذكر أن فشله في إقناع صديقه توماس جيفرسون بالقضاء نهائيا على العبودية كان له ثمن فادح حيث بذر البذرة الأولى لاشتعال الحرب الأهلية، تعمد توماس بين أن ينتقي مفردات مستفزة لوعي القارئ الأمريكي حتى يُلقي في روعه الإحساس بخطر الاستمرار في الخضوع لهيمنة دولة لا تحقق تطلعاته، فهو يقول مثلا: “المجتمع نعمة في كل الحالات، ولكن الحكومة حتى في أفضل حالاتها ليست سوى شر لا بد منه؛ وفي أسوأ حالاتها شر لا يُحتمل”، والدولة المقصودة هنا ليست شيئا آخر سوى الملكية البريطانية التي سخّر أفكار كتابه للتحرر من سلطانها ولو بالثورة عليها.

ويسرد في كتابه حججا ومبررات ليُثبت للقارئ أن تبجح البريطانيين بدستورية حكمهم وديمقراطيته لا ينفي حقيقة أن الدستور الذي وضعوه لبلادهم إنما يخدم في جوهره مصالح الطبقة الحاكمة من أفراد الأسرة المالكة واللوردات وأعضاء مجلس العموم، هو يقر بأن نظام الحكم البريطاني أشبه بمنارة الحرية إذا قورن ببقية أنظمة الحكم في العالم في ذلك الوقت لكن إلقاء نظرة عليه من كثب سيُظهر أنه قد عفى عليه الزمن، ويقول أن العبقرية الأمريكية – إن صح التعبير – لا تكمن في الحرب وإنما في التجارة، لذا ليس هناك مصلحة للأمريكيين في بقائهم تحت الوصاية البريطانية، الاتحاد الكامل للولايات (توماس بين هو أول من استخدم وصف الولايات المتحدة الأمريكية) هو ما سيخلق لأمريكا أهميةً خارجيا واستقرارا داخليا.

يشتكي توماس بين من انعدام ثقة الأمريكيين بذواتهم بصورة جعلتهم عاجزين عن حكم أنفسهم، ويصف الأمريكيين الذين يبحثون عن تسويات لاستمرار الهيمنة البريطانية بأنهم “جبناء” أو “متملقون أذلاء”، ويقول أن كلفة الاستمرار في التسويات مع الحكومة البريطانية سوف يتسبب بإراقة مزيد من الدماء في المستقبل لأنه ستتعاظم مقاومتها فمن الأفضل التوقف عن ذلك تماما والتوجه للاستقلال الكامل عن بريطانيا، وأشار إلى ضرورة أن يفكر الأمريكيون ببناء أسطولهم البحري لأن البحرية البريطانية بعيدة عنهم بآلاف الأميال مما يجعلها عاجزة عن حمايتهم إن تعرضت أمريكا لخطر داهم، إضافة إلى أن الارتباط ببريطانيا سيعرض التجارة الأمريكية لخسائر فادحة في حال قيام حرب في أوروبا بين بريطانيا وجيرانها.

وفي هذا الصدد يستنكر أن تكون قارة كاملة تابعة لحكم جزيرة صغيرة مع أنها تملك من الإمكانيات ما يجعلها مستقلة بذاتها، ويستشهد بأمرين طريفين لإقناع القارئ بأن تسلط بريطانيا على أمريكا ليس قدرا إلهيا: الأول هو المسافة الطويلة بين البلدين والتي تجعل سيطرة الأولى على الثانية أكثر كلفة مع مرور الوقت؛ الثاني هو اكتشاف أمريكا قبل عصر الإصلاح الديني “وكأن رب العالمين شاء بكرمه أن يوجد ملاذًا لمن سيُضطهدون في السنوات المستقبلية، حيث لن توفر لهم أوطانهم صداقة ولا أمانًا”.

وبخصوص رجال الدين فقد اتهمهم بأنهم يأمرون الناس بالخضوع والطاعة للملك وعدم التفكيرفي تغيير نظام حكمه والاكتفاء بالدعاء له بالخير والتضرع لله ليتحقق السلام، اتهاماته لهم كان في سياق رده على منشور صدر من جمعية دينية أهلية اسمها (كويكرز) تدعو فيه لتجنب الفتن، وتطالب الناس بفروض الطاعة للملك لأن “تنصيب الملوك والحكومات وخلعهم هو حق خالص لله وحده ولأسباب لا يعلمها حقا إلا هو؛ وأننا يجب ألا ننشغل بما يقع خارج نطاق إدراكنا، وألا نتآمر أو ندبر الحيل من أجل هدم أو قلب نظام الحكم”، منشور هذه الجمعية أثار حنق توماس بين الذي اتهم أعضاءها بأنهم ينتصرون للملك ضد الشعب ويرفضون محاسبته مهما فعل ويخاطرون بتشويه صورة الدين والحط من شأنه حين يجعلونه طرفا في نزاع سياسي.

ويقول أن المحصلة النهائية لما يطالب به أعضاء هذه الجمعية سيجعل الناس خاضعين لأي حكومة تتولى شؤونهم بحكم أن تنصيبهم أو خلعهم هو شأن إلهي في الأساس! ومن باب المناكفة طالبهم بأن يأتوه بدليل إلهي يثبت بأن الله لا يرضى باستقلال أمريكا عن التاج الملكي البريطاني، وعاتبهم بسبب عدم استنكارهم لحمل السلاح إلا إذا كان من قبل الشعب، مع أن هذا الشعب لا يقاتل لينتقم أو ليحصل على غنائم بل ليدافع عن أرضه ويحصل على حقه، يقول توماس موجها كلامه لهم:” ربما كنا نشعر بآلام ومعاناة المعذبين في كافة أرجاء هذه القارة، بقدر من الشفقة التي لم تعرف بعد طريقها إلى صدور بعضكم”.

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

كتاب الدين والظمأ الأنطولوجي – د.عبدالجبار الرفاعي

    *منار الزهراني  أعني بالظمأ الأنطولولجي الظمأ للمقدس، أو الحنين للوجود، إنه ظمأ الكينونة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *