الرئيسية / مقالات الرأي / الظهور الثالث للمرأة – وكاريوكا التي أحببناها

الظهور الثالث للمرأة – وكاريوكا التي أحببناها

 

 

*مصطفى شلش

ليس من السهل أبدًا الكتابة عن الحركة النسوية وخصوصًا إن كنت تُحسب على الخصم -شئت أم أبيت هذا- لكنني أحاول المشاركة في معركة مصيرية من أجل حرية الإنسان. سأكتب عن عدة عقد ذكورية وكيف تم التعامل معها من خلال عقل أنثوي منفتح وواعي وشخصية نسائية وقعت في غرامها ثقافيًا وأدبيًا. سأجدد حبي في هذا المقال ل “تحية كاريوكا” الراقصة والناشطة السياسية والجسد الهارب من تلصص العيون، فهي المرأة التي فتحت مساحة لظهور ثالث للمرأة – في وعيي أنا على الأقل – قد نطلق عليها ” مرأة ما بعد ربة المنزل” أو ” مرأة ما بعد العمل ” بتعبير جيل ليبوفيتسكي؛ حيث تمثل “كاريوكا” نصًا فنيًا وفكريًا ذا طابع عربي أصيل لا يمكن تهميشه أو تجاوزه.

الرقصة الأولى: عذاب ربة المنزل

ظهرت المرأة للمرة الأولى من خلال أفكار الآخر “الذكر” مُحتقرة ومهمشة محصورة في الإنجاب والأمومة والأعمال المنزلية الهامشية.
وهذا بالفعل ما عانت منه “كاريوكا” -مواليد العام 1915- فبعد وفاة والدها جاء الأخ الأكبر‏ ليأخذ “بدوية – الاسم الحقيقي لتحية كاريوكا”‏ من جدتها ويجعل منها خادمة في بيته لزوجته وتم إجبار تحية على مغادرة المدرسة . وتفنن الأخ مع زوجته في تعذيب الطفلة، بالكي مرة والضرب أخرى‏، ثم بقصّ الشعر مرة ثالثة‏. عانت “كاريوكا” من عنف المجتمع الذكوري مجسدة ظهور ربة المنزل في عقلية الذكر إلا أن كاريوكا اتخذت قرارا بالهروب وبناء حياتها بشكل مستقل بعيدًا عن سطوة الأخ حيث لم تقدم أي تنازلات أمام التفكير في حريتها.
وهكذا جاء النهج الأول للذكر في حياة “كاريوكا” متسق بشكل ممنهج وعنيف من أجل السيطرة عليها .. فقد كان لهذا الأسلوب الذكوري خطاب يأيده عبر العصور فيقول “ليبريلكليس”: الفضلى من النساء هي التي لا نتحدث عنها كثيرًا” فقد كان هناك أتفاق ضمني في هذا الوقت عن أي حديث أو فعل حول المرأة هو لكشف عيبوبهن أو للسيطرة عليهن وهذا ما صار عليه “أرستوفان و سينكا وصولًا للمبشرين الدينين”.

الرقصة الثانية: لعنة المرأة العاملة

قُدمت المرأة في القرن 18 و 19 في صورة من التقديس المفرط والمغرض للسيطرة عليها وتقيدها وإن كان بشكل أكثر هدوءًا وخطابية لكن في الواقع هذه القيود العقلية أشد ضراوة من العنف المباشر ضد المرأة فهي كلها من أجل الاستغلال الذكوري والذي ظهر في استهلاك المرأة في ساحات العمل بأجور زهيدة وقولبة المرأة داخل شروط للجمال وللجسد والسماح للمرأة بالتمدد في الحياة العامة كمروج للسلع ومستهلك لها مع الاحتفاظ بالهيكل الرجعي الاساسي للمجتمع الذكوري حيث التراتبية الاجتماعية على حالها والحفاظ على السجن النفسي المسمى بالمنزل ومكانة الأطفال الوهمية أو مصطلح الأمومة الذي يتم فرضه على المرأة كأمر بديهي لا يحق لها النقاش أو التفكير فيه وكل هذا الاستغلال الخفي تحت تخمة المشاعر دعمته الرأسمالية كنهج إقتصادي له تأثير مباشر على حياة الإنسان.
حيث يشرح (جيمس، كتاب الجنس والعرق والطبقة، ص: 56) ” أن هذا التقسيم متجذّر في إطار المجتمع الرأسماليّ نفسه: النساء والرجال في المصانع والمكاتب، منفصلين عن بعضهما البعض طوال اليوم…– بينما رأس المال يعلّي من الميول الجنسيّة الغيريّة ويجعلُ منها دينًا وعقيدة ”

وهذا ما تعرضت له “كاريوكا” عندما تمردت على واقعها المرير مع الأخ وقررت مواجهة المجتمع بمفردها وكانت وقتها لم تبلغ الرابعة عشرة. وصلت إلى القاهرة، وتحديدًا إلى شارع‏ عماد الدين‏ بحثًا عن مطربة وراقصة سورية إسمها سعاد محاسن كانت قد رأتها في الإسماعيلية ترقص بين الأطفال فتنبأت لها بمستقبل زاهر في عالم الرقص‏.‏ وعينتها ‏سعاد محاسن “كومبارس” في فرقتها في صالة “بيجو بالاس” بمرتب شهري لا يزيد على الجنيهات الثلاثة. وسرعان ما اشتهرت “تحية” وانضمت لفرقة بديعة مصابني وهتفت الجماهير باسمها . كثر الرجال في حياة “تحية” والجميع يقدم عروض مغرية وتزوجت عدة مرات إلا أنها استطاعت أن تحافظ على شخصيتها بلا تحكمات أو شروط وثبتت أمام متطلبات المجتمع الذكوري .
ولم تقدم نفسها أبدًا “كربة منزل” أو “أم” بل ك “تحية كاريوكا” الراقصة صاحبة الفكر والرأي والتي ستغادر في حالة أي تجاوز على مساحتها الشخصية وحريتها وهذا ما حدث بالفعل عندما غادرت زوجها محمد سلطان باشا بسبب طلبه منها بأن تتخلى عن الرقص كليا، والمخرج “فطين عبد الوهاب” بسبب غيرته الشديدة.

الرقصة الثالثة: ما بعد الرجال

تشكل التاريخ النسائي من حلقات هيمنة متبادلة ومتفاوتة الدرجات بين المجتمع الإقطاعي والرأسمالي ولم يحدث قطع في هذه الحلقات إلا من خلال عدة ظواهر تمثلت في سلطة النساء على عملية الإنجاب وإلغاء الطابع المؤسسي للأسرة وإعلاء مرجعية المساواة بين الزوجين. وها نحن أمام نموذج جديد لمرأة غير محددة مثل ربة المنزل المحتقرة أو العاملة المستغلة، فحق التصويت والحريات السياسية والتحرر من الزواج والحياة الجنسية الحرة .. كل هذا يفتح سبل للمرأة لكي تكون كيان مكتمل بمفرده فهي ليست في حاجة لخرافات تزرع في عقلها تحت مسمى الطبيعة البشرية. حيث توضح “سيمون دي بيفوار” أن “النظرية المادية التاريخية أبرزت بعض الحقائق المهمة. فالبشرية ليست جنسًا حيوانيًا إنما واقعٌ تاريخي. المجتمع البشري معاكس للطبيعة إنه لا يخضع سلبيًا للطبيعة بل يأخذ على عاتقه التحكم بها. هذا التمكن ليس عملية شخصية ذاتية إنّما يجري بصورة موضوعية”.
وبالتالي القِيَم «الطبيعية» ليست بالضرورة قيمًا «بشرية». البشرية بدأت بتخطي الطبيعة: لم يعد بامكاننا تبريرُ بقاءِ نظام يميّز على أساس الجنس بنائًا على الجذورالطبيعية لهذا النظام. لأسباب عملية وحدها يبدو أننا أصبحنا بحاجة للتخلص من هذا النظام.
وبالفعل هذا ما فعلته “كاريوكا” حيث خرجت عن الدور الذكوري المرسوم لها والتنميط الذي يقوم به المجتمع للراقصات ولم تخجل من كونها راقصة عندما رفضت المحكمة إعطاءها حق التبني لأطفال بسبب وظيفتها وتولت تربية ابنة شقيقتها – الفنانة رجاء الجداوي- وانخرطت في العمل السياسي ولم تهتم بفكرة الأسرة ولا بالأمومة وهذا ما فتح لها أفق جديد كشخصية نسوية غير محددة ولا مُسيطر عليها فعملت تحية كاريوكا مع حركة “حدتو ” ذات الاتجاه الشيوعى وكانت صاحبة أول دعوة لتحسين أحوال الفنانين المعيشية فى مصر، وكانت سبب في وقف القانون الخاص بمخاصمة الفنانين ” القانون 103″ .
وسجنت “كاريوكا” في ظل حكم جمال عبد الناصر واتخذت لنفسها أسم حركي هو “عباس” و كانت نافذة الزنزانة حيث سُجنت تحية كاريوكا تطل على الشارع العام، وكان أصدقاؤها وخادمتها يقفون في الشارع أمام النافذة وينادون باسم “عباس”، فتطل تحية، في غير أوقات الزيارة، لتحدثهم في شؤونها وتطلب منهم بعض الطلبات الخاصة، وهم كانوا يطمئنونها على أخبار من هم في الخارج، وتحديدا والدتها وأخوتها.

الرقصة الأخيرة:

في عالم منظم على الاختلال الجنسي انقسمت النظرة فيها إلى إيجابية ذكورية وسلبية أنثوية، فالنظرة الذكورية صُممت من أجل الشهوة، وخصوصًا في حالة نساء بلا برقع ولا حجاب سيتم حصر النساء في خانة الإستعراض الجنسي حيث المرأة تكون صورة والرجل ممارس للنظرة. ووصم النساء أنهم يريدوا هذا التلصص البصري على أجسادهن حيث هذه أحد أيدولوجيات النظام الأبوي الذي يحصر المرأة في دور سلبي من أجل أن تقوم نظرة الرجل بما يسمى بمرحلة التمثيل التي تأخذ شكل رمز جنسي في لغة التحليل النفسي.

لكن كاريوكا إستطاعت الهرب من هذه العقدة الفرويدية – اللاكانية لدى الذكور حيث قدمت نفسها كفن وليس كجسد للعرض . وهذا يظهر في رقصة لها في فيلم “شباب امرأة 1956” فجسدها لا يظهر إلا انها تقدم رقصة تعبيرية متصالحة ومتسقة مع الغناء حولها.

حيث كتب عنها إحسان عبد القدوس ” أنها استطاعت أن تحول الرقص الشرقي إلى فن بعد أن كان استعراضًا للجسد”، وكان أيضًا هذا رأي الموسيقار محمد عبد الوهاب مؤكدًا أن “تحية” تكمن قدرتها في أنها كانت تستطيع أن تعطيك كل ما عندها من فنّ وحركة بكل جسمها في مساحة لا تزيد على متر مربع واحد، لا تحتاج إلى جري حول المكان “رايحة جاية” لتبهرك أبدًا. ولا يختلف رأي عبد الوهاب عن رأي الباحث جلال أمين. ولا يمكن أن ننتهي بدون ذكر إدوراد سعيد ومقالته عن “تحية” حيث يعتبر إدوّارد سعيد أن تحيّة “أروع راقصة شرقية على الإطلاق”، وأنها تجسيد لنوع من الإثارة بالغ الخصوصيّة كما ينزع صفة الابتذال عنها، قائلًا إنها تنتمي “إلى عالم النساء التقدميات اللواتي يتفادين الحواجز الاجتماعية أو يزلنها”.

سكون الوتر
توفت كاريوكا في العام 1999 بعد حياة مليئة بالآلام والإنجازات وعقبات تم التغلب عليها؛ ف “كاريوكا” بتفسير “علي بدر” هي إيحاء فني بعيدًا عن التصريح العلني، أو الإعلان الفضائحي للجسد، وبقت “تحية” على نحو متواصل ذات طاقة كلاسيكية مهيبة، ملموسة وافتراضية، قريبة ونائية، ممنوحة لكنها لا تطال، وصاحبة أداء ثقافي متوافق مع الإبداع الفني، فهي تمثل وعي أنثوي قادم من لياقة اجتماعية محلية موروثة عن نظام خاص بالتاريخ الثقافي الشعبي العربي.

لهذا نحن نحب حرية كاريوكا .. ونحب هذه الراقصة التي تصفع المجتمع على وجهه حتى بعد وفاتها. سنظل نحب هذا المثال الذي خرق كل المسموح به في المخيلة الذكورية .

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

في أزمة الخليج، نحتاج رأي رشيد بدل التأجيج

د. فوزية أبوخالد                                      من حق الدول والحكومات أن يكون لها مواقف من بعضها البعض …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *