الرئيسية / مقالات الرأي / ماذا تعني القضية الفلسطينية للحراك النسوي في السعودية؟

ماذا تعني القضية الفلسطينية للحراك النسوي في السعودية؟

*فيصل أحمد

تكمل حملة إسقاط الولاية عن المرأة في السعودية عامها الأول وهي تخطّ مساراً جديداً وتحدياً مختلفاً ينأى عن الوقوع في وحل التقسيمات الأيديولوجية والتوقف عند عتبة الحديث عن الدولة بوصفها أول لبنة في بناء اضطهاد المرأة في السعودية. أتحدث هنا عن عدم إمكانية الحديث عن الفروق الجندرية والتمييز المؤسسي الواقع على المرأة دون إعادة مخاطبته بوصفه منتجاً سياسي/اقتصادي يبدأ تفكيكه وتهويده من بنية الدولة وينتهي عندها. إن مخاطبة الفروق الجندرية في السعودية بوصفها منتجاً اجتماعياً صرفاً تقوم الأيديولوجيا والأسرة بتكوينه هو فشل في قراءة الواقع. فالدولة الحديثة هي من تشكّل هويات الأفراد في المجتمع من خلال ما تمنحه من حق تمثيل سياسي وتملك إقتصادي، وهذا ما يجعل المجتمع يرتبط ارتباطا عضويا بالدولة حتى يتشّكل وفقا لمعطيات التحول السياسي والإقتصادي. أستعير هنا من نانسي فريجر* بعدان لازمان في أي محاولة لقراء الفروق الجندرية والمطالب الحقوقية النسوية.
الأول هو بعد الإعتراف السياسي ، وينطوي تحته إشكال الولاية والوصاية الذي يحكم العلاقة بين الذكر والأنثى على كل المجالات ويحدد ويصيغ هويتها على مستوى أدنى من الرجل من خلال عدم الإعتراف بالحقوق الأولية للمرأة وينجم على اثره كافة التعديات الشخصية مثل التعنيف والتحرش والحبس في دور الرعاية لأجل غير مسمى والحرمان من الحقوق الأولية من تعليم ورعاية صحية. الثاني هو بعد إعادة التوزيع وحقله الاقتصاد، وهو معني بالحديث عن إشكالات توزيع الثروة وما يمكن للمرأة تملكه وما تحرم منه وكالفوارق في الدخل بين الرجل والمرأة. لا يمكن لإشكال التمييز الجندري وحقوق المرأة أن تقرأ دون مخاطبة هذين البعدين، ولا أن يقوم أحدهما مستقلاً عن الثاني، وهذا يعني أن كل محاولة نسوية لقراءة الفروق الجندرية هو بالضرورة اصطدام مباشر مع بنية الدولة السياسية والاقتصادية لذلك لا يمكن للنسوية في السعودية أن تكون أقل من حركة راديكالية. وعلى اثر ذلك تصبح محاولة الارتكاس من مواجهة الدولة إلى المجتمع ومعالجته فكريا أو عقائديا والنأي عن تفكيك البنى السياسية والاقتصادية الحالية هو فشل في فهم ماهية التمييز ضد المرأة قبل كل شيء. وهنا نستطيع فهم التمييز ضد المرأة كحالة تتأسس على ذات القواعد التمييزية ضد الأعراق الأخرى مثلاً، فالعنصرية العرقية في الدولة الحديثة منتج تصنعه الدولة من خلال إعادة تصنيف المجتمع وفقاً لدرجات من “الإعتراف” تضع لخلفية عرقية حقوقا وقدرات تمثيلية أمام الدولة أكثر من عرق آخر. هذا الإعتراف السياسي تخلقه الدولة الحديثة التي تقوم بتشكيل هوية المجتمع وبنيته لا العكس، ودور الدولة الجوهري هذا يتعدى مجرد التنظيم السياسي لحياة الأفراد في المجتمع إلى صياغة هوياتهم كما يشير إلى ذلك تشارلز تايلر في قوله “إن عدم الإعتراف في الدولة الحديثة هو شكل من أشكال الوجود، بالتالي يصبح الإعتراف حاجة بشرية”*. وهذا ما يجعل رهن تعاملات المرأة مع الدولة بالرجل بوصفه وسيطا بينها وبينه هو شكل من أشكال تحييد وجودها العيني والمعنوي.
حسناً، ماذا يعني هذا للنسوية على نطاق القضايا السياسية والاقتصادية المعاصرة ولماذا على النسوية أن تأخذعلى عاتقها الكفاح عن حقوق كل الأقليات المضطهدة أو الطبقات المظلومة.هذا يعود إلى أن كل اضطهاد لأقلية أو طبقة في الدولة الحديثة يبدأ من هذين البعدين السياسي والاقتصادي، فعند الحديث عن حق البدون بالتعليم في السعودية مثلاً تتشارك النسوية ذات الهم والتمييز الحاصل من خلال سياسة الدولة بعدم الإعتراف بحق التعليم الذي تواجه النساء فيه عراقيلاً سببها بنية الدولة السياسية القائمة على تمييز جندري يضع النساء في درجة أقل ويرهن مستقبلها التعليمي بموافقة الرجل. أو عند الحديث عن حقوق العمال وإسقاط الكفالة الذي تتشارك فيه معها في بعد إعادة التوزيع الذي يواجه إشكال التمييز الاقتصادي في بنية الدولة والذي يمنح أفضلية للرجل في العائد المالي أو امتيازات التملك والتحكم بالقرارات المالية الخاصة بها. هذا يعني بأن النسوية ولأنها تحاول تفكيك البنية التمييزية للدولة فهي تيار معني بالضرورة بالاشكالات الحقوقية لكل الفئات والجماعات العرقية والطبقات المضطهدة. لذا فالوقوف من أجل الحقوق المدنية للبدون أو الحقوق الاقتصادية للعمال هو ممارسة للنسوية وليست نأيا عن الحديث عن همومها. وهنا نستطيع المضي إلى أبعد من ذلك وتوسيع دائرة الاهتمام الحقوقي لتشمل قضايا الاستقلال والتحرر الوطني مثل فلسطين، والحديث عن تناقض بيّن بين التصهين أو دعم احتلال وتهويد هوية مع المطالب النسوية الأولية. تمثّل فلسطين أعلى درجات الإضطهاد والتمييز الحاصل بسبب عدم إعتراف المجتمع الدولي بحق الفلسطيني السياسي في أرضه، إلى جانب أنه مسلوب من أرضه ومن حق تملكه لها “بُعد إعادة التوزيع”. يصبح التطبيع مع الصهاينة تثبيتا لأوتدة بنية سياسية متوائمة مع البنية السياسية للنظام الأبوي، ويصبح المطبع والذكوري منتجاً لنظام تمييزي بأقنعة مختلفة. تكمن أهمية النضال الفلسطيني لقضية المرأة السعودية أنها مرآة عاكسة لحال الفرد أي فرد عندما تنزع عنه حقوقه المدنية، والمرأة السعودية أجدر من يرى الإلهام في استبسال الفلسطيني في نيل حقه في الوجود في عالم ترسم الدولة فيه هويات الأفراد والمجتمعات، وهي أولى من يرى عقم الإلتفات لتثقيف مجتمع مسلوب الهوية وكل مسلوب هوية مسلوب قدرة.
عندما تقام البنية السياسية في السعودية على تمييز يضع المرأة في مستوى أقل من الحقوق والهوية والتمثيل والوجود أمام الدولة فهو يسلب منها هويتها، ولا تستعيد المرأة في السعودية هويتها إلا من خلال خلخلة هذه البنية وإعادة وزن كفتيها. وهنا تتلاقى حاجة الفلسطيني في “الوجود” من خلال كسب هويته الفلسطينية بحاجة المرأة السعودية في إعادة الدولة الإعتبار لها كفرد مستقل كامل الهوية متساوٍ مع الرجل. وهنا تتناقض الصهيونية مع النسوية في أنها قائمة على سلب هوية الفلسطيني والفلسطينية السياسية، والنسوية محاولة للإستقلال عن السلطة الأبوية من خلال إستعادة هويتها وأهليتها كفرد مستقل أمام الدولة.
أخيراً، كيف يمكن التوفيق بين دعم القضية الفلسطينية والوقوف في وجه الأفكار الذكورية التي قد تختلج بعض حركات التحرير الفلسطينية. تتحدث نانسي فريجر عن مستويين من إعادة الإعتراف السياسي، يكمن الأول في ضمان حق الوجود أو الإعتراف السياسي لكل فرد بالتساوي، وهو في مثالنا أن تضمن للمرأة الفلسطينية والرجل الفلسطيني حقهم السياسي في أراضيهم وهويتهم السياسية بإستقلال عن توسط الاحتلال الصهيوني. والمستوى الثاني هو في ضمان حرية الإختيار لكل فرد على حدة، فلا تجبر الفلسطينية على الزواج أو اللباس أو تحرم من التعليم من قبل مجتمعها الضيق، ولا تُمنع أيضاً من ممارسة طقوسها الدينية مثل إرتداء الحجاب في الجامعات ما دامت في حيز الإختيار. وهذان المستويان يطردان في كل حالة سياسية اجتماعية مهما كانت.
تحاول الدعاية السياسية الصهيونية خصوصا على أعقاب خطاب ليندا صرصور الذي صرحت به في المسيرة العالمية للمرأة من أنه لا يمكن أن تكون المرأة نسوية وصهيونية في آن معاً، الادعاء بإتساق الصهيونية والنسوية من خلال ترويج النجاحات النسبية للقطاعات الإسرائيلية السياسية والاقتصادية والتعليمية في منح المرأة الإسرائيلية دورا مؤثراً ومقارنتها بالأفكار الذكورية التي تخالج بعض أطياف المجتمع الفلسطيني . وهذا تحوير جلي لأسّ القضية وغض طرفٍ من أن تناقض الصهيونية مع النسوية هو في حرمان الفلسطينية من حقها في هويتها السياسية الفلسطينية لا في منح المرأة الإسرائيلية حقوقها الأولية التي تروج لها النسوية. وهنا وجه تشابه لحالة الصراع النسوي السعودي الحديث مع الدولة من جهة ومع التيارات النسوية القديمة المنشغلة بلوم المجتمع وتلميع صورة الدولة من جهة أخرى. فعند كل نشاط نسوي يعيد الحديث عن تجاوزات دور الرعاية والمحاكم والجامعات وتقصير أجهزة الدولة في حماية المرأة من التعنيف، يعاد على السطح الحديث عن تواجد المرأة في مجلس الشورى وانجازاتها المهنية، وهذا تسطيح تام لقضية المرأة في السعودية من أجل تحويل اصبع اللوم نحو المجتمع وحده دون الدولة.
يجمع المرأة السعودية والفلسطينية همٌّ مشترك وقضية سياسية واحدة، تعاني المرأة من توسط الرجل بينها وبين تمثيلها كشخص مستقل أمام الدولة من أجل نيل حقوقها الأولية، وتعاني المرأة الفلسطينية من تهويد الكيان الصهيوني لهويتها السياسية وما ينجم عن ذلك من حرمانها من حقوقها الأولية. وتقابل الاثنتان بنفس الدعاية السياسية المضادة من تحويل قضية حقوق المرأة من كونها قضية سياسية اقتصادية تحت مظلة الدولة، إلى مجرد تشوه فكري يختلج المجتمع الذي “لن يكون مستعداً أبداً لمنح الدولة الفرصة للإنتصار لحقوق المرأة”!

 

*Fortunes of feminism: from state-managed capitalism to neoliberal crisis
*The Politics of Recognition

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

في أزمة الخليج، نحتاج رأي رشيد بدل التأجيج

د. فوزية أبوخالد                                      من حق الدول والحكومات أن يكون لها مواقف من بعضها البعض …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *