الرئيسية / تُرجمان / رسالة ناجية من الاغتصاب

رسالة ناجية من الاغتصاب

*ترجمة هديل محمد

المصدر

في ليلة ١٨ يناير ٢٠١٥، قام بروك ترنر بالإعتداء على شابة ثملة وغائبة عن الوعي في الثانية والعشرين من عمرها.

اتهم بروك ترنر بارتكاب خمسة جنح وبعد إسقاط اثنتين منها وجد مذنبا في الثلاث المتبقية بإجماع هيئة المحلفين. كان الحكم المتوقع لترنر ١٤ سنة من السجن تليها سنوات من المراقبة، لكن المحاكمة انتهت بالحكم عليه بالسجن ٦ أشهر تليها مراقبة لمدة ٣ سنوات، قضى منها بروك ترنر ٣ أشهر قبل أن يتم إطلاق سراحه. برر القاضي حكمه بخوفه على تأثير حكم قاس على مستقبل شخص مثل ترنر وهو طالب جامعة نخبوية وسباح ماهر كان يمكنه الوصول للأولمبياد لولا ما حدث، مما أثار الجدل حول تقاطعات الجندر والطبقة الاجتماعية والعرق وتأثيرها على العدالة.

أتمنى أن تكون الرسالة التالية تذكير لكل امرأة بأن نضالنا واحد برغم اختلاف درجات وأشكال اضطهادنا، ولضحايا الإعتداءات الجنسية خصوصا: لستن وحيدات…

*****

إذا سمحت لي يا سيادة القاضي، فإن أغلب كلامي سيكون موجها للمتهم مباشرة.

أنت لا تعرفني، ولكن سبق لك أن كنت بداخلي؛ ولذا نحن هنا اليوم.

كانت ليلة السبت ١٧ من يناير ٢٠١٥ هادئة في المنزل. أعد والدي العشاء وجلست على طاولة الطعام مع أختي الصغيرة التي قدمت لزيارتنا في إجازة نهاية الأسبوع. كنت أعمل في وظيفة بدوام كامل وكان موعد نومي قد اقترب. خططت للبقاء في المنزل لوحدي لأشاهد التلفاز وأقرأ بينما تذهب هي إلى حفلة مع أصدقائها. ثم فكرت بأنها الليلة الوحيدة المتبقية لي معها، ولم يكن لدي شيء أفضل لفعله. هناك حفلة سخيفة على بعد عشر دقائق من منزلي، فلما لا أذهب وأرقص كالبلهاء وأحرج أختي الصغيرة؟ في طريقنا قلت مازحة بأن الطلاب يضعون تقويم الأسنان بالتأكيد، وحاولت أختي إغاظتي بقولها أن لبسي لمعطف بيج لحفلة نادي أخوية يجعلني أبدو كعاملة في مكتبة. دعوت نفسي ب”ماما الكبيرة” لأنني علمت أنني سأكون أكبر الموجودين هناك. رسمت على وجهي الكثير من التعابير السخيفة وتخليت عن حذري وشربت الكحول بسرعة ناسية أن قدرتي على تحملها انخفضت منذ تخرجي من الكلية.

ما أتذكره بعد ذلك هو استلقائي على نقالة في ممر. كانت يداي وكوعاي مغطاة بدم جاف وضمادات. فكرت بأنني قد أكون سقطت ونقلوني لمكتب إداري في حرم الجامعة. كنت هادئة جدا وتساءلت عن مكان أختي. قام وكيل نيابة بإخباري أنني تعرضت لإعتداء. بقيت هادئة لتأكدي أنه كان يتحدث إلى الشخص الخطأ فأنا لا أعرف أحدا ممن حضر الحفلة. عندما سُمح لي أخيرا باستعمال الحمام أنزلت بنطال المستشفى وأردت إنزال لباسي الداخلي لكنني لم أجد شيئا. لا زلت أتذكر شعور لمس يداي لبشرتي والإمساك بلا شيء. نظرت إلى الأسفل فلم أجد شيئا. القطعة القماشية الخفيفة التي تفصل بين فرجي وأي شيء آخر كانت مفقودة. وصمت كل شيء داخلي. لا أملك كلمات تعبر عن ذاك الشعور حتى الآن. لأحث نفسي على الاستمرار في التنفس، قلت بأن الشرطي قد يكون قام بقصها لاستعمالها كدليل.

ثم أحسست بإبر صنوبر تخدش رقبتي وبدأت بسحبها من شعري. فكرت بأنها ربما تكون سقطت فوقي من شجرة. كان عقلي يحاول إقناعي أن لا أنهار، بينما كان داخلي ينادي “ساعدوني، ساعدوني.”

انتقلت من غرفة لغرفة ملتفة بغطاء، وإبر الصنوبر تسقط ورائي مشكلة كومة صغيرة في كل غرفة جلست فيها. طُلب مني توقيع أوراق تذكر أنني “ضحية اغتصاب” وعندها فكرت أن شيئا ما قد حدث فعلا. تمت مصادرة ملابسي ووقفت عارية بينما قامت الممرضات بقياس الخدوش على جسمي بمسطرة وتصويرها. ثم تعاونا نحن الثلاثة على تسريح شعري لإزالة إبر الصنوبر. ستة أيدي لملء كيس واحد. قالوا لي بأنها آثار نباتات أو حيوانات لتهدأتي. قاموا بإدخال العديد من المسحات في فرجي وشرجي وبإعطائي إبر للتطعيم وأقراص كما وُجهت كاميرا نيكون إلى ما بين ساقاي المفتوحان. أُدخلت أدوات طويلة ودقيقة داخلي ومُسح فرجي بدهان أزرق بارد للبحث عن خدوش. 

بعد عدة ساعات سمحوا لي بالاستحمام. وقفت تحت الماء أتفحص جسدي وقررت أنني لا أريده بعد الآن. لقد أصبح مخيفا. أنا لا أعرف ماذا كان بداخله وإذا كان قد تلوث ومن قام بلمسه. أردت خلع جسدي كمعطف وتركه في المستشفى مع كل شيء آخر.

كل ما قيل لي خلال ذلك الصباح هو أنني وجدت وراء حاوية نفايات، ويحتمل أنه تم إيلاج جسدي من قبل شخص غريب، وأن علي إعادة فحص مرض نقص المناعة لأن النتائج لا تظهر بسرعة دائما؛ ولكن علي الآن أن أعود لمنزلي وحياتي الطبيعية. تخيل أن تخطو ثانية إلى العالم الخارجي وأنت لا تمتلك سوى هذه المعلومات. عانقوني كثيرا. ثم خرجت إلى موقف السيارات مرتدية الملابس الجديدة التي أعطوني إياها حيث لم يُسمح لي بالاحتفاظ سوى بحذائي وعقدي.

قامت أختي بأخذي بوجه رطب بسبب الدموع ومنقبض من الألم. أردت القضاء على ألمها فابتسمت بعفوية وطلبت منها أن تنظر إلي، أنا هنا، أنا بخير، كل شيء على ما يرام. شعري مغسول ونظيف، لقد أعطوني شامبو غريب. اهدأي وانظري إلي. انظري إلى ملابسي المضحكة، أبدو كمعلمة صحة بدنية. لنذهب إلى المنزل، لنأكل شيئا. لم تعلم أختي بأن الضمادات والخدوش تغطي جسمي تحت هذه الملابس. فرجي كان يؤلمني وقد تحول إلى لون غريب وداكن. كما كان لباسي الداخلي مفقود. شعرت بالفراغ لدرجة لم تمكنني من الاستمرار بالكلام. كنت خائفة، كنت محطمة. قدنا السيارة إلى المنزل وقامت أختي بحضني لساعات في صمت.

اتصل حبيبي -الذي لم يعرف ما حدث- ذاك النهار ليقول لي “كنت قلقا الليلة الماضية، لقد أخفتيني. هل وصلتي إلى المنزل بخير؟” شعرت بالفزع. اكتشفت أنني اتصلت به خلال غيبوبتي وتركت له رسالة صوتية مبهمة وأننا تحدثنا على الهاتف أيضا لكنني كنت أتكلم بثقل فخاف علي وطلب مني البحث عن أختي. ثم سألني مجددا: “ماذا حدث بالأمس؟ هل وصلتي إلى المنزل بسلام؟” فجاوبته بالإيجاب وأغلقت الهاتف لأنخرط في البكاء.

لم أكن مستعدة لإخبار حبيبي أو والداي أنني ربما أكون قد اغتصبت ولكنني لا أعرف من قبل من أو متى أو كيف. سأرى الخوف في وجوههم إن أخبرتهم وسيتضاعف خوفي؛ لذا فضلت التظاهر بأن كل ذلك كان محض خيال.

حاولت أن أمحي ما حدث من مخيلتي، لكنه أثقل كاهلي فلم أعد أتكلم أو آكل أو أنام أو أتواصل مع أحد. كنت أقود سيارتي إلى مكان معزول بعد العمل لأصرخ. لم أعد أتكلم أو آكل أو أنام أو أتواصل مع أي أحد، وانعزلت عن الأشخاص الذين أحبهم. لم أتلقى أي اتصالات أو معلومات جديدة بخصوص تلك الليلة لأكثر من أسبوع. كانت العلامة الوحيدة التي تثبت بأن ما حدث كان حقيقة وليس مجرد كابوس هي ملابس المستشفى في درجي. 

كنت أتنقل بين الأخبار أثناء العمل يوما ما ووقعت عيناي على مقالة. علمت وقتها للمرة الأولى كيف وجدت غائبة عن الوعي، كيف كان شعري أشعثا وسلسالي الطويل ملفوفا حول عنقي وحمالة صدري خارج فستاني وفستاني منزوعا عن كتفاي ومرتفعا لفوق خصري. كنت عارية إلى أسفل قدماي وساقاي منفرجان وقد تم إدخال جسم غريب داخلي بواسطة شخص لم أعرفه. كانت هذه الطريقة التي علمت فيها بما حصل لي… خلال جلوسي على مكتبي في العمل. لقد عرفت ما حصل لي في ذات الوقت الذي عرف فيه الجميع ذلك. حينها أصبح وجود إبر الصنوبر في شعري منطقيا، لم تسقط علي من شجرة.  لقد نزع ملابسي الداخلية. كانت أصابعه داخلي. أنا لا أعرف حتى من يكون، ولا أعرفه حتى الآن. حينما قرأت عن نفسي بهذه الطريقة قلت: لا يمكن أن تكون هذه أنا، لا يمكن أن أكون المقصودة.  لم أستطع استيعاب هذه المعلومات أو تقبلها. لم أستطع تخيل اضطرار عائلتي لقراءة هذا الخبر على الإنترنت. استمريت في القراءة. في الجزء الذي يليه، قرأت شيئا لن أسامح عليه أبدا؛ قرأت بأنني -بحسب أقواله- قد أحببت ما فعل. لقد أحببته. لا أملك أي كلمات للتعبير عن مشاعري. 

كان شعوري مشابها لشعورك فيما لو قرأت مقالا عن سيارة صُدمت وبُعجت ورُميت في حفرة لكن ربما أعجبها ذلك. ربما لم تقصد السيارة الأخرى الاصطدام بها، بل قصدت لمسها برقة. حوادث السيارات تحصل طوال الوقت، ولا ينتبه الناس دائما. هل نستطيع تحديد المخطئ حقا؟

في آخر المقال وبعد تعداد التفاصيل  المروعة للاعتداء الجنسي الذي حصل لي عدّد المقال سجله في السباحة. لقد وجدت [الضحية] حية وغير متجاوبة وملابسها الداخلية على بعد ٦ بوصات من بطنها العاري ومتكورة في وضع الجنين. بالمناسبة فهو [بروك] ماهر جدا في السباحة. لمَ لا تذكرون وقت قطعي للأميال طالما تودون التعداد؟ أنا طباخة ماهرة، اذكروا ذلك. أعتقد أن الخاتمة هي المكان الذي تذكر فيه نشاطاتك اللا صفية لتلغي جميع الأشياء السيئة التي حدثت.

في تلك الليلة جلست مع والديّ وأخبرتهم بأنني قد تعرضت لإعتداء وطلبت منهم أن لا يشاهدوا الأخبار لأنها ستزعجهم. اعلموا بأنني بخير، ها أنا أمامكم على ما يرام. اضطرت أمي للإمساك بي وضمي في نصف الحديث لأنني لم أعد قادرة على الوقوف. 

في الليلة التي تلت الحادث قال بأنه لا يعرف اسمي، وأنه لن يكون قادرا على تمييز وجهي بين صف من الوجوه الأخرى. لم يذكر حدوث أي حوار بيننا. لم يكن هناك تبادل للكلام، فقط رقص وقبلات. أليست رقص كلمة لطيفة؟ ماذا يعني الرقص؟ فرقعة الأصابع والدوران؟ أم مجرد جسدان يحتكان ببعضهما في غرفة مزدحمة؟ ماذا يعني تبادل القبل؟ وجهان يلتصقان ببعضيهما بشكل عابر؟ عندما سأله المحقق فيما إذا كان قد نوى أخذي لغرفته في المهجع أجاب بلا. عندما سأله المحقق كيف انتهى بنا الأمر خلف الحاوية قال بأنه لا يعرف. اعترف بأنه قبّل فتيات أخرى في تلك الحفلة. كانت إحداهن أختي والتي قامت بدفعه. اعترف بأنه كان راغبا في ممارسة الجنس العابر تلك الليلة. لقد كنت الظبي المختار المنفصل عن القطيع. بعيدة ووحيدة وضعيفة وغير قادرة على رده. أحيانا أفكر بأنني لو لم أذهب لم يكن كل هذا ليحدث، ثم أدركت بأنه كان ليحدث في كل الأحوال ولكن لشخص آخر. كنتَ على وشك بدء ٤ سنوات من إمكانية الوصول لحفلات وفتيات ثملات، وإذا كانت هذه هي طريقتك في البدء فأنه من العدل أن لا تكمل.

في الليلة التي تلت حصول ذلك قال بأنه اعتقد بأنني استمتعت لأنني مسحت على ظهره. لم يذكر بأني نطقت بالقبول أو أننا تكلمنا حتى. علمت من الأخبار -للمرة الثانية- بأن مؤخرتي وفرجي كانا مكشوفين تماما، ونهداي قد لمسا، وأن أصابع قد أقحمت داخلي بالإضافة إلى أبر الصنوبر وبعض المخلفات، وبأن رأسي وبشرتي العارية قد احتكا بالأرض خلف حاوية نفايات؛ كل هذا بينما كان طالب سنة أولى منتصب يعلو جسدي النصف عاري وغير الواعي. لكنني لا أذكر كل ذلك؛ فكيف أثبت بأنه لم يعجبني؟

لم أظن أبدا بأن الموضوع سيصل إلى المحكمة؛ فقد كان هناك شهود، كما كان هناك تراب في جسدي. لقد حاول الهرب لكن تم الإمساك به. كنت متأكدة بأنه سيدفع نحو تسوية، ويعتذر رسميا ثم سنتخطى الحادثة. ولكن بدلا من ذلك علمت بأنه قد عين محام بارع وشهود ذوي خبرة ومحققين خاصين سيعملون لإيجاد تفاصيل في حياتي الشخصية باستطاعتهم استخدامها ضدي ولإيجاد ثغرات في روايتي للتشكيك بي وبأختي ولتبيان أن حقيقة هذا الإعتداء الجنسي هي مجرد سوء فهم. علمت عندها بأنه مستعد لفعل أي شيء ليقنع العالم بأنه كان مشوشا فقط. 

لم يتم إخباري بأنه قد تم الإعتداء علي فقط، بل أخبرت بأنه لا يمكنني فعليا إثبات بأنني لم أرغب بذلك لأنني لا أستطيع أن أتذكر. لقد شوشتني معرفة ذلك وعطبتني وكادت تكسرني. أنه لأكثر أنواع الإرباك حزنا أن يتم إخباري بأنه قد تم الإعتداء علي بل وقورب على اغتصابي بشكل سافر وفي العراء ولكن لا يمكن الجزم بعد بما إذا كان ما حدث يعد اعتداء أم لا. لقد اضطررت إلى القتال لمدة سنة كاملة لإثبات أن ما حدث كان خاطئا. 

عندما قيل لي بأن علي تهيئة نفسي لاحتمال خسارتي قلت بأنني لا يمكن أن أتهيأ لذلك. إنه مذنب. لا يمكن لأحد أن يقنعني بأن كل الألم الذي سببه لي لم يحدث. الأسوأ من كل ذلك أنهم حذروني أن باستطاعته الآن كتابة النص الذي يريد بعد أن علم بأنني لا أذكر شيئا ولذا لا يمكنني محاججته. لم أمتلك القوة، لم أمتلك صوتا، كنت عزلاء. سيستخدم فقداني للذاكرة ضدي. شهادتي كانت ضعيفة، غير كاملة، وقد تم إقناعي بأنني قد أكون غير كافية للانتصار. قام محاميه بتذكير هيئة المحلفين مرارا وتكرارا بأن الشخص الوحيد الذي بإمكاننا تصديقه هو بروك لأنها لا تتذكر. كان العجز صادما. 

بدلا من قضاء الوقت في محاولة التعافي، كنت أقضيه في تذكر تلك الليلة بتفصيل موجع لتحضير نفسي لأسئلة المحامي العدوانية والشرسة والمصممة لإرباكي ودفعي لمناقضة نفسي وأختي، والمصاغة بطريقة متلاعبة؛ فبدلا من أن يقول محاميه: هل لاحظتي أي جروح؟ قال: لم تلاحظي أي جروح، أليس كذلك؟ كانت لعبة استراتيجيات، وكأن بإمكانه أن يتلاعب بي وينسيني قيمتي. كان الإعتداء الجنسي واضحا، ولكن ها أنا في المحاكمة أجيب أسئلة مثل: كم عمرك؟ كم وزنك؟ ماذا أكلتِ في ذلك اليوم؟ ماذا أكلتِ على العشاء؟ من الذي حضر العشاء؟  هل قمتِ بالشرب على العشاء؟ لا، ولا الماء حتى؟ متى شربتِ؟ كم شربتِ؟ في أي إناء شربتِ؟ من أعطاكِ الشراب؟ كم تشربين في العادة؟ من قام بتوصيلك للحفلة؟ في أي وقت؟ أين بالضبط؟ ماذا كنتِ تلبسين؟ لماذا ذهبتِ للحفلة؟ ماذا كنتِ تنوين أن تفعلي عند وصولك؟ هل أنت متأكدة من أنك قمتِ بذلك؟ ولكن في أي وقت قمتِ به؟ ماذا تعني هذه الرسالة النصية؟ من كنتِ تراسلين؟ متى تبولتِ؟ أين تبولتِ؟ مع من قمتِ بالتبول في الخارج؟ هل كان هاتفك صامتا حين اتصلت أختك؟ هل تذكرين إصماته؟ حقا؟ لأنني أود الإشارة أنكِ قلتِ أنكِ وضعتيه على وضع الرنين في الصفحة ٥٣. هل كنتِ تشربين أيام الجامعة؟ قلتِ بأنك كنتِ تحبين الاحتفال؟ كم مرة فقدتِ وعيك؟ هل اعتدتي الاحتفال في نوادي الأخويات؟ هل علاقتك بحبيبك علاقة جدية؟ هل أنتِ نشطة جنسيا معه؟ متى بدأتِ بمواعدته؟ هل يمكن أن تخونيه؟ هل لك ماض من الخيانة؟ ماذا عنيتي عندما قلتِ بأنك أردتِ مكافأته؟ هل تذكرين في أي وقت استيقظتي؟ هل كنتِ تلبسين سترتك؟ ماذا كان لون السترة؟ هل تذكرين تفاصيل أخرى من تلك الليلة؟ لا؟ حسنا إذا، سنترك بروك يملأ الفراغات. 

لقد تم إمطاري بأسئلة محددة ومحصورة وصعبة لتشريح حياتي الشخصية والعاطفية والماضية والعائلية. أسئلة تافهة تستهدف جمع أكبر قدر من المعلومات السخيفة لإيجاد عذر للشاب الذي عرى نصف جسمي قبل أن يزعج نفسه بالسؤال عن اسمي. تم الإعتداء علي بهذه الأسئلة بعد أن اُعتدي علي جسديا. أسئلة وضعت لمهاجمتي، لقول: أترون؟ الوقائع ليست متناسبة، هي ليست بكامل عقلها، إنها شبه مدمنة، لقد أرادت أن تمارس الجنس العابر على الأرجح، إنه رياضي، لقد كانا ثملين، وعلى العموم فمما تتذكره من المستشفى غير مهم فقد حصل بعد الحدث فلم نأخذه بعين الاعتبار؟ إن حياة بروك على المحك الآن لذا فإنه يمر بوقت عصيب. 

ثم جاء دوره ليقدم شهادته وعلمت ما معنى أن يعاد إيذائي وجعلي ضحية. أريد أن أذكركم أنه قال في الليلة التي تلت ما حدث أنه لم ينوي أبدا أخذي لغرفته. كما قال بأنه لا يعلم لما كنا وراء الحاوية، وأنه نهض ليذهب حيث لم يكن على ما يرام حين تمت ملاحقته ومهاجمته فجأة. ثم عرف بأنني لا أستطيع التذكر. 

بعد مضي سنة تغيرت قصة بروك -كما هو متوقع-. تبدو قصته الجديدة والغريبة كما لو أنها قصة للبالغين مكتوبة بشكل سيء: قبلات ورقص وإمساك الأيدي وتقلب على الأرض. أما أهم ما تتضمنه القصة الجديدة فهو القبول. بعد مضي سنة كاملة، تذكر فجأة: أوه نعم، لقد تذكرت، لقد وافقتني على كل شيء. 

قال بأنه سأل ما إذا أردت الرقص وأنني قبلت كما يبدو. سألني إذا ما أردت الذهاب لغرفته، وقبلت. ثم سأل ما إذا كان بإمكانه إدخال أصابعه داخلي، وقبلت. أغلب الرجال لا يسألون: هل بإمكاني إدخال أصابعي؟ في العادة تتدرج الأحداث بشكل توافقي حتى يحصل ذلك. لكن كما يبدو فأنني قد أعطيته الإذن مما يبرأه. ولكن حتى في قصته لم أنطق إلا بثلاث كلمات: نعم، نعم، نعم، قبل أن يعريني ويضعني على الأرض. معلومة للمستقبل: عند حيرتك بخصوص موافقة فتاة أو عدمها، فلترى قدرتها على قول جملة كاملة. لم تستطع فعل ذلك حتى. لم تستطع الانتظار حتى أنطق بمجموعة كلمات مترابطة. ما الذي سبب لك الحيرة؟ كل ما احتجته هو حس إدراك وآداب سلوك بشرية. 

كان السبب الوحيد لوجودنا على الأرض -بحسب كلامه- هو سقوطي. ملاحظة: إذا سقطت فتاة ساعدها على النهوض. إذا كانت ثملة لدرجة أنها لا تستطيع المشي فتسقط أرجو ألا تستلقي فوقها وتخلع ملابسها الداخلية وتدخل يدك في فرجها. إذا سقطت فتاة فلتساعدها على النهوض. وإذا كانت ترتدي سترة فوق فستانها فلا تقم بخلع سترتها لتستطيع لمس صدرها. ربما كانت تشعر بالبرد، ولذا لبست السترة. 

ما حدث تاليا في القصة أن شابان سويديان يركبان الدراجات اقتربا منك فهربت. عندما عرقلاك لما لم تقل “توقفا. كل شيء على ما يرام. اذهبا لسؤالها. هاهي هناك، ستخبركما بذلك.” كنت قد سألتني عن موافقتي للتو، أليس كذلك؟ كنت واعية، أليس كذلك؟ عندما وصل الشرطي واستجوب الشاب السويدي الشرير الذي قام بعرقتلك كان يبكي بشدة لدرجة أنه لم يستطع التحدث بسبب ما رآه. 

أشار محاميك بشكل متكرر أننا لا نعرف متى غبت عن الوعي وهو محق. ربما كانت عيناي تتحركان، وربما كنت لم أنهك تماما بعد. ليس هذا المهم بل أنني كنت أثمل من أن أستطيع تحدث الإنجليزية. كنت أثمل من أن أُظهر القبول قبل أن أسقط على الأرض بكثير. لم يكن يفترض أن يتم لمسي منذ البدء. قال بروك: “لم ألاحظ في أي مرحلة أنها غير واعية. لو لاحظت ذلك لتوقفت مباشرة.” إن كانت خطتك أن تتوقف فقط في حالة فقداني للوعي إذاً أنت لم تفهم المشكلة بعد. وعلى أية حال فإنك لم تتوقف حين فقدت الوعي بل قام شخص آخر بإيقافك. لاحظ شابان على دراجتين أنني لم أكن أتحرك في الظلام وأمسكا بك، فكيف لم تلاحظ أنت ذلك مع أنك كنت فوقي؟ 

قلت بأنك كنت ستتوقف وتطلب المساعدة [لو أنك لاحظت غيابي عن الوعي] وما زلت تقول ذلك. أريدك أن تشرح كيف كنت ستساعدني. أريد أن أعرف ماذا كان سيحدث خلال تلك الليلة لو لم يجدني السويديان الشريران. أنا أسألك الآن: هل كنت ستسحب لباسي الداخلي فوق حذائي وتعيد إلباسي إياه؟ هل كنت ستقوم بفك عقدي المتشابك حول عنقي؟ ستضم ساقاي؟ ستغطيني؟ ستجمع إبر الصنوبر العالقة في شعري؟ ستسأل إن كانت الخدوش على عنقي ومؤخرتي تؤلمني؟ ستذهب لإيجاد صديق وتقول له: هل بإمكانك مساعدتي لنقلها لمكان دافئ وناعم؟ لا أستطيع النوم كلما فكرت بماذا كان يمكن أن يحدث لو لم يأتي أولئك الشابين. ماذا كان سيحدث لي؟ هذا ما لن توفر لي إجابة جيدة له أبدا، وما لم تستطع إجابته حتى بعد مضي سنة. 

فوق هذا كله فقد ادعى أنني وصلت للنشوة بعد دقيقة فقط من إدخاله لأصبعه في فرجي. أخبرتني الممرضة أنهم وجدوا خدوش وتمزقات وتراب في عضوي التناسلي. هل حدث هذا قبل أو بعد وصولي للنشوة؟

أن تجلس هنا -بعد أن أقسمت- لتخبرنا جميعا أنني أردت ذلك، أنني سمحت به، وأنك الضحية الحقيقية هنا حيث تمت مهاجمتك من قبل سويديان لأسباب لا تعلمها لهو تصرف مريع ومعتوه وأناني ومؤذي. يكفي أنني أعاني، لكنك تعمل بلا رحمة لتحجيم قدر ومشروعية معاناتي هذه. 

لقد اضطرت عائلتي إلى مشاهدة صوري مثبتة إلى نقالة طبية وإبر الصنوبر تملأ رأسي، وصوري وأنا مرمية على التراب بعينين مغمضتين وشعر أشعث وأطراف ملتوية وفستان مرتفع. بعد هذا كله، اضطرت عائلتي للاستماع إلى محاميك وهو يخبرنا أن هذه الصور التقطت بعد الحادثة لذا يمكننا استبعادها، وهو يخبرنا أن نعم لقد أكدت ممرضتها أن هناك تمزقات واحمرارا داخلها وإصابة فظيعة في أعضاءها التناسلية لكن هذا ما يحدث عندما تدخل أصابعك بداخل أحدهم، وبروك قد اعترف بذلك مسبقا. اضطروا للاستماع لمحاميك أثناء محاولته رسم صورة عني تظهرني كمثال على الفتيات الجامحات وكأن ذلك سيعني أنني قد استحققت ما حدث، للاستماع له وهو يقول بأنني بدوت ثملة على الهاتف لأنني أتصرف وأتحدث بطريقة بلهاء أحيانا. اضطروا للاستماع له وهو يشير لقولي لحبيبي بأنني سأكافأه خلال التسجيل الهاتفي وكلنا نعلم ماذا كنت أعني بذلك، لكنني أؤكد لك أن نظام المكافآت الخاص بي غير قابل للتحويل من شخص لآخر خصوصا للرجال العشوائيين المجهولين الذين يقتربون مني. 

لقد أحدث [بروك] ضررا لا يمكن عكسه لي ولعائلتي خلال المحاكمة بينما جلسنا بصمت نستمع له يرسم تلك الليلة. لكن تصريحاته غير المدعمة ومنطق محاميه الأعوج لم يخدعا أحدا في النهاية. انتصرت الحقيقة لنفسها. 

أنت مذنب. ١٢ من أعضاء هيئة التحليف وجدوك مذنبا بثلاث جرائم بلا أي شك. ١٢ صوتا في كل جريمة، أي ٣٦ صوتا تؤكد ذنبك أي ١٠٠٪ وإجماع تام على ذنبك. ظننتُ بأن الأمر انتهى أخيرا. ظننت بأنه الآن سيتحمل مسؤولية ما فعل ويعتذر بصدق وسنستطيع كلانا تخطي الأمر، ثم قرأت تصريحك. 

إن كنت تتمنى أن ينهار أحد أعضائي من الغضب ثم أموت فأنني قد اقتربت من ذلك. هذه ليست قصة أخرى من قصص ممارسات الجنس العشوائية تحت تأثير الثمالة وسوء اتخاذ القرارات التي تحدث في الجامعات. الإعتداء ليس حادثا. وبطريقة ما ما زلت لا تفهم. ما زلت تبدو مربَكا بشكل ما. سأقرأ الآن أجزاءاً من تصريح المتهم وسأرد عليها. 

قلت: لم أستطع اتخاذ قرارات جيدة لكوني ثملا وكذلك كان الحال بالنسبة لها.

الكحول ليست عذرا. هل هي عامل؟ نعم. لكن الكحول لم تكن من عراني وأدخل أصابعه داخلي وسحبت رأسي على الأرض بينما كنت شبه عارية. أعترف بأن إكثاري من الشرب كان خطأ غير ناضجا، لكنه ليس جريمة. كل من في هذه الغرفة قد مروا أو يعرفون شخصا مقربا قد مر بليلة ندموا على إكثارهم من الشرب خلالها لاحقا. الندم على الإكثار من الشرب لا يماثل الندم على الإعتداء الجنسي. كنا كلانا ثملين. الفرق هو أنني لم أنزع بنطالك ولباسك الداخلي وألمسك بشكل غير لائق ثم أهرب. هذا هو الفرق بيننا.

قلت: لو أردت التعرف عليها لطلبت رقمها بدلا من الطلب منها أن تذهب معي لغرفتي.

أنا لست غاضبة لأنك لم تطلب رقمي. حتى لو كنت تعرفني فأنني لن أريد المرور بتلك التجربة. حبيبي يعرفني جيدا، ومع ذلك فأنه لو طلب مني أن يدخل أصابعه داخلي خلف حاوية نفايات لصفعته. ليس هناك أي امرأة تود أن تكون في ذلك الوضع. لا أحد. بغض النظر عن معرفتك لرقم هاتفه أو لا. 

قلت: لقد ظننت بغباء أن لا بأس في أن أفعل ما كان جميع من حولي يفعلونه ألا وهو الشرب، وكنت مخطئا. 

مجددا أقول لك: لم تخطئ لأنك شربت. جميع من حولك لم يعتدوا علي جنسيا. لقد أخطأت عبر فعل ما لم يكن أحد ممن حولك يفعله ألا وهو حك عضوك المنتصب داخل بنطالك على جسدي العاري والعاجز في مكان مظلم حيث لا يمكن لأحد من حضور الحفلة رؤيتي أو حمايتي وحيث لم تستطع أختي إيجادي. شرب الفايربول لم يكن جريمتك. نزع لباسي الداخلي ورميه كغلاف حلوى  لتستطيع إدخال أصبعك في جسدي هو الفعل الخاطئ. لماذا ما زلت أشرح لك هذا؟ 

قلت: لم أرد تصويرها كضحية أثناء المحاكمة. كان ذلك قرار محاميي. 

محاميك ليس كبش فداء، بل يمثلك. هل قال محاميك بعض الأشياء المهينة والمثيرة للغضب؟ بالطبع. لقد قال بأن الانتصاب حدث لأن الجو كان باردا. 

قلت أنك في خضم تأسيس برنامج لطلبة الثانوية والجامعة تتحدث فيه عن تجربتك “مع ثقافة الشرب في الجامعات والانحلال الجنسي الذي يرافقها”.

هذا ما سنتحدث عنه؟ ثقافة الشرب في الجامعات؟ هل تعتقد بأن هذا هو ما قضيت السنة الماضية في القتال لأجله؟ ليس التوعية بالاعتداءات الجنسية في الجامعات ولا الاغتصاب ولا التثقيف عن القبول وتمييزه؟ ثقافة الشرب في الجامعات… ليسقط جاك دانيالز. لتسقط سكاي فودكا. إن أردت الحديث عن الشرب فاذهب إلى اجتماعات مدمني الكحول. هل تدرك أن مشاكل الشرب تختلف عن الشرب ثم محاولة ممارسة الجنس بالقوة مع أحد ما؟ علم الرجال كيف يحترمون النساء وليس كيف يشربون كميات أقل. 

ثقافة الشرب والانحلال الجنسي الذي يرافقها هما مجرد عارض جانبي، أو مثل البطاطس المقلية التي تضاف إلى طبقك الرئيسي. ما هو دور الانحلال الجنسي في هذا الوضع أصلا؟ لم أرى خبرا يقول “ لقد أجرم بروك ترنر عبر الإكثار من الشرب والانحلال الجنسي الذي يرافق ذلك.” الإعتداء الجنسي في الجامعات… هذه الشريحة الأولى لعرض الباوربوينت الخاص بك. وتأكد أنك إن فشلت في تعديل عنوان حديثك فسأتبعك إلى كل مدرسة تذهب إليها وألقي عرضا تابعا لعرضك. 

قلت أخيرا: أريد أن أُري الناس أن ليلة واحدة من الثمالة قد تدمر حياة. 

حياة، حياة واحدة، حياتك، لقد نسيت حياتي. اتركني أعيد صياغة كلامك: أريد أن أُري الناس أن ليلة واحدة من الثمالة قد تدمر حياتين؛ حياتك وحياتي. أنت السبب وأنا الأثر. لقد قمت بسحبي معك إلى هذا الجحيم وأعدتني إلى تلك الليلة مرارا وتكرارا. لقد هدمت برجينا معا، انهرت أنا في نفس الوقت الذي انهرت فيه. إن كنت تعتقد بأنني اُستثنيت، بأنني خرجت من تلك المحنة سليمة، بأنني أستمتع اليوم بغروب الشمس بينما تعاني أنت؛ فأنت مخطئ. لا أحد منا يكسب. كلنا تحطمنا. كلنا ما زلنا نبحث عن معنى لكل هذه المعاناة. كان تضررك ماديا؛ تجريدك من الألقاب والشهادات وحرمانك من إكمال دراستك في الجامعة، أما ضرري فكان داخلي، غير مرئي، أحمله معي. لقد سلبتني قيمتي، خصوصيتي، طاقتي، وقتي، أمني، حميميتي، ثقتي بنفسي، صوتي.

أتعلم ما هو المشترك بيننا؟ كلانا لم نستطع النهوض في الصباح. لست غريبة عن المعاناة. لقد جعلتني ضحية. كان اسمي في الصحف “المرأة المخمورة غير الواعية”. ولفترة صدقت بأن هذا هو أنا. اضطررت لإجبار نفسي على تعلم اسمي الحقيقي وهويتي من جديد. لأتعلم أنني أكثر من ذلك. أنني لست مجرد ضحية ثملة في حفلة نادي وجدت وراء حاوية نفايات بينما أنت السباح الأمريكي الماهر في الجامعة المرموقة، البريء حتى إثبات العكس، والمعرض للخطر.  أنا إنسان تعرض لأذى لا يمكن عكسه. توقفت حياتي لأكثر من سنة، وما زلت أنتظر لأكتشف إن كنت أساوي شيئا.

تشوه استقلالي وبهجتي ورقتي وشكل حياتي المستقر حتى لم أعد أميزهم. أصبحت منغلقة على نفسي، غاضبة، أشك في نفسي، متعبة، نزقة، فارغة. كانت العزلة لا تحتمل أحيانا. ليس باستطاعتك أن تعيد لي الحياة التي امتلكتها قبل تلك الليلة أيضا. خلال انشغالك بالقلق على سمعتك المشوهة كنت أضع ملاعق في الثلاجة كل ليلة لأستعملها في الصباح لتقليل تورم عيناي المنتفختان من البكاء وحتى أستطيع الرؤية. كنت أصل للعمل متأخرة ساعة كل صباح ثم أستأذن لكي أذهب لبيت السلّم وأبكي. أستطيع إخباركم أفضل الأماكن في ذلك المبنى للبكاء بلا أن يسمعكم أحد. ازداد ألمي سوءاً حتى اضطرني لشرح التفاصيل الخاصة لمديرتي لكي تعرف لم اضطررت لترك العمل. احتجت لبعض الوقت لنفسي لأن العمل اليومي لم يعد ممكنا. استعملت مدخراتي للابتعاد بقدر الإمكان. لم أعد للعمل بشكل كامل لأنني علمت بأنني سأضطر لأخذ إجازات تمتد لأسابيع في المستقبل لجلسات السماع والمحاكمة والتي كان يتم إعادة جدولتها بشكل مستمر. لقد تم وضع حياتي على زر التوقف لأكثر من سنة، وانهارت بناي جميعها. 

لا أستطيع النوم وحدي خلال الليل بلا ضوء مثل طفل في الخامسة من عمره  كما أحلم بكوابيس حيث يتم لمسي ولا أستطيع الاستيقاظ. في فترة ما كنت أنتظر شروق الشمس لأشعر بالأمان وأستطيع النوم – لثلاثة أشهر كان موعد نومي السادسة صباحا.

كنت أفخر باستقلاليتي سابقاً أما الآن فأنا أخاف من المشي في المساء أو حضور لقاءات اجتماعية تتضمن الكحول مع أصدقاء من المفترض أن أكون آمنة معهم. أصبحت أوزة صغيرة لا تتحرك بلا وجود شخص ما بجانبها، بحاجة وجود حبيبي دائما بجانبي أثناء صحوتي ونومي لحمايتي. وهني وضعفي بلغا درجة محرجة. أمضي عبر الحياة باستحياء وجبن على استعداد دائم للدفاع عن نفسي وللغضب.

لا يمكنك أن تعرف كم شقيت في محاولة إعادة بناء الأجزاء الضعيفة فيني. استغرقت ثمانية أشهر لكي أصبح قادرة على التحدث عما حدث. لم أعد قادرة على التواصل مع أصدقائي ومن هم حولي. كنت أصرخ على حبيبي وعائلتي عندما يتحدثون في الأمر. لم تتركني أنسى ما حدث لي. عند نهاية جلسات الاستماع والمحاكمات كان تعبي يمنعني من الحديث. كنت أخرج مستنزفة وصامتة. كنت أعود إلى المنزل وأطفئ هاتفي وأبقى صامتة لأيام. لقد اشتريتَ لي تذكرة ذهاب لكوكب سأعيش فيه وحيدة. كنت أصاب بالارتياب كل مرة تظهر فيها مقالة صحفية جديدة خائفة من أن تكتشف بلدتي بأنني الفتاة التي تم الإعتداء عليها. لم أرغب بشفقة الناس، وما زلت أتعلم أن أتقبل أن كوني ضحية جزء من هويتي. لقد حولت بلدتي لمكان غير مريح. 

لا تستطيع أن تعيد لي لياليي الخالية من النوم. كنت أنهار وأنشج بلا تحكم عند مشاهدتي لفيلم يظهر امرأة وقد تمت أذيتها. هذه التجربة زادت تعاطفي تجاه الضحايا الآخرين. لقد فقدت وزني بسبب التوتر وعندما كان الناس يعلقون كنت أخبرهم بأنني أصبحت أركض كثيرا مؤخرا. كنت أكره أن يتم لمسي في بعض الفترات. علي أن أتعلم من جديد أنني لست هشة، بأنني قوية وقادرة، بأنني لست ضعيفة ومعطوبة فقط.

عندما أرى أختي الصغيرة تتألم أو عندما يصعب عليها مواكبة الدراسة أو عندما أراها محرومة من المتعة أو عندما لا تنام أو عندما تبكي بشدة على الهاتف لدرجة أنها بالكاد تتنفس وهي تخبرني بأنها آسفة لأنها تركتني تلك الليلة مرة تلو الأخرى: “آسفة آسفة آسفة” عندما تشعر هي بالذنب أكثر منك؛ حينها لا أسامحك. تلك الليلة كنت قد اتصلت بها لأحاول إيجادها لكنك وجدتني أولا. 

بدأ محاميك بيانه الختامي بقول “أختها قالت بأنها كانت بخير، ومن قد يعرفها أفضل من أختها؟” حاولت استعمال أختي ضدي؟ نقاط الهجوم التي استخدمتها كانت ضعيفة جدا ومنحطة لدرجة محرجة. لا تقترب منها.

لم يكن عليك أن تفعل ما فعلته لي. ثانيا لم يكن عليك أن تجعلني أكافح لكل هذه المدة لأستطيع أن أقول لك أنك لم يجب أن تفعل ما فعلته لي. ولكن ها نحن الآن. حدث الضرر ولا يمكن لأحد إلغاء حدوثه. والآن كلانا نملك خيارا؛ أما أن نتركه يدمرنا فأبقى غاضبة ومتألمة وتظل تعيش في نكران، أو أن نواجهه مباشرة بحيث أتقبل الألم وتتقبل العقاب ثم نتخطاه. 

حياتك لم تنتهي، ما زال لديك عقود لإعادة كتابة قصتك. العالم ضخم؛ أضخم بكثير من بالو آلتو وستانفورد. ستخلق مكانا لك فيه حيث يمكنك أن تكون مفيدا وسعيدا. لكن الآن لا يحق لك أن تهز كتفيك باستهجان وحيرة. لا يحق لك أن تتظاهر بأن لم يكن هناك أي إشارات حمراء. لقد تم إدانتك بانتهاكي عن عمد وباستخدام القوة بطريقة جنسية بنيّة خبيثة وكل ما استطعت الاعتراف به هو استهلاك الكحول. لا تتحدث عن الطريقة الحزينة التي انقلبت فيها حياتك لأن الكحول جعلتك تقوم بأشياء سيئة. تعلم كيف تتحمل مسؤولية أفعالك. 

والآن لنناقش الحكم. حين قرأت تقرير ضابط المراقبة كنت في حالة نكران، يسيطر علي الغضب والذي تحول في النهاية لحزن عميق. لقد اختزلت تصريحاتي وحرفت وأخرجت من سياقها. لقد قاتلت بضراوة خلال هذه المحاكمة ولن أسمح بأن تقلل نتيجة قتالي من قبل ضابط مراقبة حاول تقييم حالتي الحالية وأمنياتي خلال محادثة دامت ١٥ دقيقة أغلبها انقضت في الإجابة على أسئلتي عن النظام القضائي. السياق مهم أيضا. لم يكن بروك قد أصدر تصريحاته بعد ولم أكن قد قرأت تعليقاته. 

لقد أُوقفت حياتي لأكثر من سنة… سنة من الغضب والأسى وعدم اليقين حتى أعطى حكم هيئة المحلفين المشروعية لكل ما تحملته من ظلم. لو قام بروك بالاعتراف بالذنب والندم وعرض التسوية منذ البدء، كنت سأفكر بحكم أخف احتراما لصدقه وامتنانا لإعطائه الفرصة لنا للمضي في حياتنا. بدلا من ذلك، خاطر بالذهاب للمحكمة وصب الزيت على النار بإجباري على إعادة عيش الأذية من خلال تشريح حياتي الشخصية والإعتداء الجنسي الذي تعرضت له على الملأ. لقد دفعني وعائلتي نحو سنة مليئة بالمعاناة غير المبررة وغير الضرورية وعليه أن يواجه عواقب تحدي جريمته ووضع ألمي في موضع الشك وجعلنا ننتظر طويلا للحصول على العدالة. 

أخبرت ضابط المراقبة أنني لا أريد لبروك أن يتعفن في السجن لكن لم أقل بأنه لا يستحق أن يكون خلف القضبان. توصية ضابط المراقبة بسجن بروك لسنة أو أقل في سجن المقاطعة هي كإعطائه فترة استراحة وسخرية من جدية اعتداءاته وإهانة لي وللنساء جميعا. توصيته تعطي الانطباع بأن بإمكان أي غريب أن يكون داخلك بلا موافقة وسيواجه بالمقابل أقل من العقوبة الأدنى. يجب أن يُحرم من المراقبة وإخلاء السراح المشروط. أخبرت ضابط المراقبة أيضا أن ما أريده فعلا هو أن يفهم بروك وأن يعترف بغلطته. 

أشعر بالخيبة بعد قراءة تقرير المتهم وأشعر بأنه فشل في إظهار أي ندم أو مسؤولية تجاه تصرفه. لقد احترمت تماما حقه في الحصول على محاكمة ولكن حتى بعد أن اتفق ١٢ محلف بشكل جماعي على إدانته في الجنح الثلاث فإن كل ما استطاع الاعتراف به هو استهلاك الكحول. شخص لا يتحمل مسؤولية أعماله بالكامل لا يستحق حكما مخففا. إنه لمن المهين أن يحاول تمويه الاغتصاب بالإشارة إلى “الانحلال”. تعريف الاغتصاب هو غياب الانحلال وغياب القبول. يقلقني جدا أنه لا يستطيع رؤية هذه الفروق حتى.  

اهتم ضابط المراقبة لكون المتهم صغيرا وليس لديه أي إدانات سابقة، لكنه كبير بما فيه الكفاية ليعرف بأن ما فعله كان خاطئا. عندما تبلغ الثامنة عشرة في هذه البلاد باستطاعتك الذهاب للحرب. وعندما تبلغ التاسعة عشرة فأنت كبير بما فيه الكفاية لتدفع ثمن محاولتك اغتصاب أحد ما. إنه يافع فعلاً لكنه كبير بما فيه الكفاية ليعلم ألا يفعل ذلك.

أتفهم الميل نحو التساهل في العقوبة لكونها أول جريمة لك لكن لا يمكن لنا كمجتمع أن نتساهل مع كل جريمة جنسية أو اغتصاب باليد لأنها الجريمة الأولى. ليس من المنطقي أن نفعل ذلك. يجب أن توضح جدية فعل الاغتصاب، وأن لا نخلق ثقافة تعودنا أن نتعلم أن الاغتصاب جريمة عبر المحاولة والخطأ. يجب أن تكون عاقبة الإعتداء الجنسي قاسية وشديدة  لدرجة وقائية تدفع الناس للخوف وتحكيم العقل حتى وإن كانوا ثملين.

فكر ضابط المراقبة بأن بروك تخلى عن منحة سباحة مستحقة بجدارة، لكن سرعة سباحة بروك لا تقلل من قسوة ما حصل لي ولا يجب أن تقلل من شدة عقوبته. لو أن شخص من خلفية فقيرة اتهم بارتكاب ٣ جنح لأول مرة ولم يظهر أي شعور بالمسؤولية تجاه أفعاله فيما عدا الشرب ماذا سيكون حكمه؟ حقيقة أن بروك كان رياضيا في جامعة خاصة لا تعني استحقاقا للتساهل بل فرصة لإرسال رسالة مفادها أن الإعتداء الجنسي ضد القانون بغض النظر عن طبقتك.

صرح ضابط المراقبة بأن هذه القضية قد تعد أقل جدية مقارنة بغيرها من القضايا المشابهة بسبب مستوى الكحول عند المتهم. كل ما سأقوله هو أنني أحسست بأنها جدية. 

ماذا فعل ليظهر لنا بأنه يستحق التساهل؟ لقد اعتذر عن الشرب فقط ولم يسمي ما فعله بي بالإعتداء الجنسي بعد. كما أعاد جعلي ضحية باستمرار وإصرار. لقد أدين في ٣ جنح جدية وحان الوقت ليتقبل عواقب أفعاله. لن يتم مسامحته بصمت. 

أصبح مسجلا بسبب جرائمه الجنسية للأبد. لن تنتهي صلاحية هذا، كما لن تنتهي صلاحية ما فعله لي ولن تتلاشى بعد عدة سنوات. سيبقى معي كجزء من هويتي. لقد غير للأبد الطريقة التي أعبر بها عن نفسي وأعيش بقية حياتي. 

في الختام أريد أن أقول شكرا  للجميع بدءا بالمتدرب الذي أحضر لي الشوفان حين استيقظت في المستشفى ذلك اليوم إلى الوكيل الذي انتظر بجانبي إلى الممرضين الذين قاموا بتهدأتي إلى المحقق الذي استمع إلي ولم يحكم علي أبدا إلى المناصرين الذين وقفوا بجانبي بكل ثبات إلى معالجي الذي علمني أن أجد الشجاعة في الضعف إلى مديرتي للطفها وتفهمها ولوالداي العظيمين الذين يعلمانني كيف أحول ألمي لقوة ولجدتي التي هربت الشوكولاته لقاعة المحكمة طوال هذا الوقت لتعطيني إياها، ولأصدقائي الذين يذكرونني كيف أكون سعيدة ولحبيبي الصبور والمحب ولأختي التي لا تهزم والنصف الثاني من قلبي ولآلاله قدوتي والتي حاربت بقوة ولم تشكك فيني أبدا. شكرا لجميع المشاركين في المحاكمة على وقتهم واهتمامهم. شكرا لجميع الفتيات اللواتي كتبن الرسائل لمحامي الدفاع ليعطيها لي، وللغرباء الكثر الذين اهتموا لي. 

الأهم هو شكر الرجلين الذين أنقذاني ولم أقابلهما بعد. أنام مع رسمة لدراجتين معلقة فوق سريري لأذكّر نفسي بأن هناك أبطال في هذه القصة. وبأننا نهتم ببعضنا. لن أنسى أبدا معرفتي بكل هؤلاء الناس وإحساسي بحمايتهم وحبهم. 

وأخيرا للفتيات في كل مكان: أنا معكن. أنا معكن في الليالي التي تشعرن فيها بالوحدة. أنا معكن حين يشكك بكن الناس أو يقصونكن. لقد ناضلت كل يوم لأجلكن لذا لا تتوقفن عن النضال. أصدقكن. كما كتبت الكاتبة آن لاموت مرة: “لا تجوب المنارات الجزيرة لتبحث عن قوارب لإنقاذها، بل تكتفي بنشر أشعتها.” مع أنه ليس باستطاعتي إنقاذ كل القوارب لكنني أتمنى أنكن امتصصتن بعض الشعاع خلال حديثي اليوم، امتصصتن بعض المعرفة أنه لا يمكن إخراسكن، امتصصتن بعض الرضا لأن العدالة أخذت مجراها، امتصصتن بعض اليقين أننا نتقدم، وامتصصتن الكثير الكثير من معرفة أنكن مهمات وجميلات ولا يمكن المساس بكن وبأنه يجب تقديركن واحترامكن في كل دقيقة من كل يوم بلا أدنى تشكيك أو نكران، بأنكن قويات ولا أحد يستطيع سلبكن ذلك. إلى الفتيات في كل مكان: أنا معكن. شكراً.

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

إلى أختي

فروغ فرخزاد *ترجمة: نايف الهنداس أختاه، ألا انهضي لحريّتك لماذا الصمت؟ انهضي، فمن الآن فصاعداً …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *