الرئيسية / مقالات الرأي / دعوة لـ“إنتاج نقاش معرفي تشاركي“، عن المعرفة المتموضعة وسؤال الموضوعية عند دونا هارواي

دعوة لـ“إنتاج نقاش معرفي تشاركي“، عن المعرفة المتموضعة وسؤال الموضوعية عند دونا هارواي

*مريم الهاجري

• الإنتاج المعرفي للنسوية

مقدمة

تركز هاراوي في مقالتها(١)، على مفهوم المعرفة المتموضعة، عن طريق إلقاء الضوء على المشكلة الكامنة وراء سؤال «الموضوعية» الذي يعرف بكونه منفصلًا  عن الذاتية، وممتلكًا للحقيقية، وهو مفهومٌ تسعى هارواي في مقالتها إلى مهاجمته وتبيان مكامن الخلل فيه، فمن إحدى إدعاءات هارواي الأساسية هي أن المعرفة الموضوعية تأخذ شكلًا مهيمنًا، في كونها تفرض تصورًا أحاديًا تجاه موضوع ما وتعرضه بطريقة توحي بأنه تصور كلي؛ وطرح تصور كلي يعني أن المعرفة المنتجة تسعى لتسطيح موضوع ما، لأن طرائق البحث التي تسعى للتعميم حسب هارواي، لا تأخذ بعين الإعتبار السياقات المختلفة، وعدم قدرة الإنسان على إنتاج معرفة كلية، وعليه تذهب هارواي للتشديد على عدم جدوى إدعاء الموضوعية؛ فالموضوعية لم تنجح إلا بانتاج معرفة سطحية لمساحة بحثها الواسعة، غير المعمقة؛ أي وباختصار، كل معرفة لا تأخذ بعين الإعتبار طرائق التموضع في البحث الجزئي تجاه ما هو ”عام“ ستقع في تعميم، والتعميم غالبًا ما يوقع في التسطيح.

سؤال الموضوعية

إن المشكل الأساس بالنسبة لهارواي حين التعامل مع مفهوم الموضوعية، هو افتراض معتنقي المدرسة الوضعية، بإمكانية انتاج ”معرفة من وجهة نظر خارجية، غير مقيدة“ (٢)، أي وبتعبير آخر، إمكانية إنفصال ذات الفرد الفكرية والجسدية والحسية عن عملية انتاج المعرفة، وهي معرفة يمكن أن توجد فقط ما إن كان الإنسان يستطيع حين إنتاجه للعلم أن يلبس ذاتًا أخرى، دون لون، دون جنس/جندر، دون طبقة، دون تاريخ وسياق اجتماعي.. أي معرفة لا موضع لها، إلى درجة أنه بإمكانها إنتاج نظرة كونية تجاه ماهية الحقيقة.. ليس هذا فحسب، بل إن ما أنتجه إدعاء الموضوعية حتى اليوم هو تعميم لوجهة نظر فرد واحد يتمتع بامتياز ما -غالبًا في كونه من الأغلبية المهمينة/المسيطرة/المالكة للقوة- على الأقليات؛ الجنسية/الجندرية، الطبقية، العرقية إلخ.. وعليه تظهر هارواي رفضها التام للمنهج المتبع من قبل المدرسة الوضعية، التي ترسخ الرواية الأحادية والذكورية لماهية التاريخ، والمجتمعات والأفراد، فهي رواية تسعى لتعزيز وإبقاء هيمنة الرجل الأبيض المستعمر على ما هو ”حقيقي“.

قد يبدو حتى هذه الجزئية أن هاراوي تنحاز للمدرسة المابعد-وضعية، إلا أنها في مقالتها، تعرض حجة مثيرة للإهتمام تجاه هذه المدرسة، قائلةً بأن: ”النسبية هي طريقة في أن لا تكون في أي مكان، بالرغم من زعمك بوجودك في كل مكان بطريقة متساوية“(٣)، أي أن النسبية تميع المعرفة، وتقع غالبًا في تناقضات كحال المدرسة الوضعية، فالأولى تقع في تناقضات بسبب اختزالها للمعرفة، والآخيرة تقع في التناقضات بسبب إدعائها بأن كل المعارف متساوية. تختم هارواي حجتها تجاه النسبية -في الجملة المقتبسة أعلاه- بالقول بتشابه كل من المدرسة النسبية والوضعية. ويعود ذلك في كونهما وجهين لعملة واحدة؛ عملة توليتارية..  بمعنى أن كلا المدرستين تدعيان معرفة ما هو نهائي وتخلصان إلى نتيجة نهائية، كما أن كلا المدرستين لا تأخذان بعين الإعتبار  في عملية إنتاج المعرفة كلٌ من التموضع، والتجسد، والزاوية الجزئية للرؤى البشرية، ومن هنا تقول هارواي بأن كلا المدرستين تنجحان في تشويه الرؤية، ورفع الإحساس بالمسؤولية تجاه ما نعرفه، وما هو واقع، علاوة على فشل كلتا المدرستين في التفسير.

المعرفة المتموضعة

ترى هارواي بأن زاوية النظر تجاه ما هو ”حقيقة“ جزئية بالضرورة، وإسهاماتنا الجزئية تجاه البحث في موضوع ما، تساعدنا في إستشفاف جوهر الحقيقة وماهيتها بطريقة أكثر دقة ووضوحًا، إلا أننا في ذات الوقت يجب أن نكون على وعي تام بقصورنا المعرفي دائمًا، فمهما تصورنا أننا أستطعنا أن نولد حقيقة تجاه وضعِ ما، سيكون هنالك من يستطيع تفنيد أجزاء كثيرة من هذه ”الحقيقية“ لكونها جزئية، وتحتاج لزمن ومعرفة تراكمية تجعلها تصمد كفاية لتنتقل من كونها تصورًا تجاه موضوعٍ ما، إلى كونها حقيقة متموضعة، في سياق محدد.

ومن هنا يمكن القول بأن الكاتبة تنطلق من الموقف الانطولوجي المؤمن بوجود أساس لهذا العالم، لكنها في ذات الوقت لا تتخذ موقفًا وضعيًا ويعود ذلك لإيمانها بوجود منطقة رمادية كبيرة مابين كل من المدرستين الوضعية ومابعد الوضعية، من خلال تقديمها لمفهوم المعرفة المتموضعة؛ وهي المعرفة التي تنطلق من سياق محدد، وجزئي، متواضعةً أمام حجم هذا العالم، ولا تدعي توليدًا للمعرفة إلا تجاه مكان وزمان محدد، منطلقةً من العارف/ة المتموضع/ة في سياق خاص، وعلاقات خاصة بموضوع المعرفة المراد البحث فيه، علاوة على أهمية فهم الطرق التي يفهم بها الأفراد العالم؛ بمعنى أن المعرفة متجسدة تجسدًا فعليًا في جسد المنتج للمعرفة، فاللون والجنس إلخ.. له دلالات مختلفة ويلعب كعامل مختلف من سياق لسياق آخر، وعليه تكون الذات العارفة ونظرتها تختلف إلى حد كبير من فرد لآخر، وعليه المعرفة لا يمكن أن تنفصل عن ذوات الأفراد، ففي المعرفة انعكاسًا مباشرًا لجسد العارف، الذي -كان وما زال- البشر يعرفون العالم من خلاله؛ عن طريق تموضعات مختلفة في سياقات زمانية ومكانية مختلفة، فمن يعيش التجربة تكون المعرفة المتولدة لديه مختلفة عن ذلك الذي يراقبها.

تذهب هارواي فيما بعد إلى القول بوجود حدود ضيقة للبحث الـمتموضع، إلا أنه قادر على توليد معرفة أكثر دقة، وثراءً، لكونه يأخذ بعين الاعتبار عمق المعرفة لا حجمها في البحث، علاوة على السياق الكلي للموضوع المزمع البحث فيه، والبيئة المحيطة به.

خاتمة

إن منهج المعرفة المتموضعة، يجعل سعي الإنسان أكثر دقةً وتواضعًا حين البحث عن المعرفة، خصوصًا وأن هذا المنهج يسعى إلى توليد معرفة جزئية. علاوة على كونه يعطي مساحة تجعل من عملية البحث أكثر مرونةً عن طريق فتح النقاش المعرفي بغية إثرائه، فالمعرفة المتموضعة تسمح للمعرفة الإنسانية أن تكبر بطريقة أكثر انفتاحًا وأكثر تقبلًا  لمن هو/هي ”آخر“، ويعود ذلك لإيمان كل طرف من المعادلة بقصور معرفته ومداه الجزئي، فتصبح عملية البحث المعرفية تحتاج إلى وجهات نظرة متعددة وجزئية من أجل إنتاج معرفة أوسع. في حين أن الإدعاء القائل بوجود معرفة لا تعرف إلا بما هو محسوس وملاحظ (أي وضعي) تقتل هذه المساحة، وتحجم من عملية تبادل المعرفة، وتقتصرها على ما هو منفصل عن الذوات البشرية القادرة على إنتاج معرفة موضوعية تنطلق من ذاتيتها الخالصة، أما الإدعاء الآخر، فيقوم على نفي المسؤولية وتمييع كل النقاشات لاعتبار كل الآراء السطحية منها والعميقة.. متساوية، وعلى قدر من المنافسة. في حين أن المعرفة المتموضعة هي دعوة لـ“إنتاج نقاش معرفي تشاركي“، يقوم بناءً على ضرورة احترام التأصيل المعرفي للآراء، واتخاذ مسؤولية تجاهها وتجاه الواقع.

(١)

Donna Haraway, “Situated Knowledges: The Science Question in Feminism and the Privilege of Partial Perspective,” Feminist Studies 14, no. 3 (1988): , doi:10.2307/3178066.

(٢) المصدر السابق.

(٣) المصدر السابق.

رابط المقالة:

Haraway, Donna. “Situated Knowledges: The Science Question in Feminism and the Privilege of Partial Perspective.” Feminist Studies 14

Situated Knowledges: The Science Question in Feminism and the Privilege of Partial Perspective

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

ماذا تعني القضية الفلسطينية للحراك النسوي في السعودية؟

*فيصل أحمد تكمل حملة إسقاط الولاية عن المرأة في السعودية عامها الأول وهي تخطّ مساراً …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *