الرئيسية / تقارير / تأريخ لمطالبة النساء بالقيادة في السعودية

تأريخ لمطالبة النساء بالقيادة في السعودية

*فاطمة محمد

بعد 27 عاما منذ أول حراك نسوي طالب بقيادة المرأة، أقرّ الملك في 26 سبتمبر من 2017 قيادة المرأة للسيارة لتصبح السعودية آخر دولة في العالم أجمع تسمح للنساء بقيادة السيارة. وقد أكد نص البيان على تطبيق نظام المرور وفق الضوابط الشرعية والنظامية المعتمدة على الذكور والإناث على حدٍ سواء.

لقد فرض منع المرأة من القيادة حالاً غير طبيعية لعقود، أربكت الدولة والمجتمع معاً، وأسهمت في تأجيل قضايا مهمة، وتعطيل حلول ملحة لقضايا قائمة. إلى جانب ذلك فقد أحرج الدولة أمام العالم من دون مبرر وجيه.(1)

وتؤكّد الشواهد أن الأبوية السياسية السعودية حرصت على إبقاء مكافآتها للنساء بحدود أقل ما يُمكن إعطاؤه رغم الصلاحيات الواسعة للقرار التي يتمتّع بها الملك. يمكن بهذا الصدد ملاحظة أن الجهود الحكومية الدائمة لتبرير ضآلة المكافآت بالممانعة الاجتماعية وضرورات التّدرّج، هي بالدرجة الأولى جهود لصرف النظر عن هذه المفارقة اللافتة بين ما يُمكن منحه، وما يتم منحه فعلاً.(2)

يستعرض هذا التقرير أهم المراحل التي مرت بها المطالبة و المصير الذي واجه المطالبون على مدار أعوام، وتطور الأساليب وزيادة الوعي الذي أنتجه الحراك المجتمعي والذي كان بدوره بمثابة أداة ضغط لإسقاط حجة عدم جاهزيته.

6 نوفمبر 1990 م

السادس من نوفمبر هو يوم للمرأة في هذا الوطن – هكذا وصفت الحدث مؤلفتا الكتاب الأشهر لتوثيق تجربة 6 نوفمبر لقيادة السيارة عائشة المانع وحصة آل الشيخ.

كانت المطالبة حركة رمزية للفت نظر المجتمع لحقوق المرأة وما تعانيه في ظل غيابها ومنها حقها في قيادة السيارة. وبسبب تغييب المرأة وغياب أي تجمعات أو تنظيمات يمكن أن تعبر عن واقعها أو تهتم بقضاياها فقد قامت 47 سيدة سعودية في 6 نوفمبر 1990 في أجواء حرب الخليج الثانية بقيادة سياراتهن في شوارع الرياض واختراق المنع العُرفي المفروض عليهن.

هذا التهميش والإقصاء الذي عاشته المرأة السعودية هو الذي حرك مجموعات من النساء وألهب فيهنّ الحماسة ودفعهنّ للقول بأعلى صوتهنّ: ها نحن موجودات فوق تراب الوطن ولنا حقوق عليكم أن تلتفتوا لها.

نشأت فكرة القيادة أولا من خلال دعوة عشاء من نورة الغانم إلى عائشة المانع، والتي فوجئت حين حضورها بوجود 35 امرأة من الموظفات وربات المنازل. كان النقاش يتمحور حول إيجاد طريقة للحصول على حق المرأة بالمجالس الخاصة أسوة بالرجال، ولم يكن المطلب واضحا ليكون مقدمة لفتح الباب أمام مطالبة المرأة بحقوقها.

رأت عائشة المانع أنه يجب تحديد وفهم المطلب جيدا قبل المطالبة به وأن يكون قابلا للتحقيق ومن ثم الانتقال لآخر وهكذا، ثم سردت قصتها حين قادت سيارتها من الظهران إلى الرياض واقترحت أن يكون هو المطلب الأول، خاصة مع ممارسة الأمريكيات والكويتيات حق القيادة داخل البلاد بحرية بينما المواطنات محرومات منه. سارع الجميع لتبني الفكرة وعاودن الاجتماع عدة مرات للتخطيط لتنفيذها. ووسط الأوضاع المتوترة وإعلان الحرب، اجتمعنّ مرة أخرى لكتابة خطاب وإرساله إلى أمير منطقة الرياض حينها الأمير سلمان دون أسماء؛ إلا أن وكيل إمارة منطقة الرياض عبدالله البليهد أصر على ربط إيصاله للأمير سلمان بوجود اسم فوافقت عائشة المانع على تدوين اسمها دون البقية بسبب عدم حصولها على موافقتهن بتدوين أسمائهن. جاء في الخطاب “نناشدكم باسم المرأة السعودية الطموحة والحريصة على خدمة وطنها أن تفتح قلبك الأبوي لرعاية مطلبنا الإنساني ألا وهو قيادة السيارة داخل مدينة الرياض”. وفي 6 نوفمبر قررت المجموعة ممارسة حقهن بقيادة السيارة ميدانيا في ذات يوم إرسال الخطاب مهما كانت ردة فعل المجتمع أو السلطة.

كان التجمع في المواقف الخلفية لإحدى المجمعات التجارية. ووصل عدد المشاركات إلى 47 سيدة؛ منهن من شاركها زوجها أو أبنائها، في 14 سيارة على استعداد لموعد الانطلاق. لم يطل مسير الموكب، إذ أن الشرطة تنبهت لمسيرتهن ولاحقتهن وقامت بإيقافهن. وفي أثناء التحقيقات، جُمعت معلومات دقيقة عن أولياء أمور المشاركات بالإضافة إلى جهات عملهن؛ لكن اثنتين منهن لم تذكرا مكان العمل الصحيح، وهما الوحيدتان اللتان لم يتم فصلهما من العمل. بعد استدعاء أولياء أمور المشاركات، أُخذت تعهداتهم على ألا لا يسمحوا لنسائهم بتكرار ما حدث، وبعد التوقيع أفرج عنهنّ في الرابعة من صباح 7 نوفمبر.

وبعد 3 أيام من الحدث، قامت إمارة منطقة الرياض باستدعاء جميع أولياء أمور المشاركات لقصر الأمير سلمان والذي أبدى امتعاضا من توقيت الحراك وقرأ على الحضور فتوى لابن باز تحرم قيادة المرأة للسيارة.

وتجدد استدعاء المباحث لبعض المشاركات بشكل عشوائي برفقة أولياء أمورهنّ لمعرفة إن كان وراء الحراك أهداف أخرى غير القيادة، ثم اتخذت إجراءات رادعة ضدهنّ بفصلهنّ من العمل لمدة سنتين ونصف ومنعهنّ من السفر لعام ومنع أوليائهنّ من السفر لمدة 6 أشهر كما تم فصل الطالبات من المراحل الدراسية التي كنّ بها.

كما كان هناك حملة دعائية مضادة للتشهير بالمشاركات بالمسيرة حيث دُشنت في 10 نوفمبر حملة تشهير كبرى وسُربت بيانات المشاركات الشخصية ووزعت عند إشارات المرور وفي الدوائر الحكومية، وتضمنت معلومات مغلوطة عنهن واحتوت على كم هائل من التحريض والقذف واتهامات بالغة في العرض والدين والأخلاق، وطالت بعضًا من أولياء أمور المشاركات من أجل تشويه سمعتهن والضغط عليهنّ وعلى أولياء أمورهنّ وشحن المجتمع ضدهن.

كان موقف الجهات الرسمية الربط بين ما حدث وبين الفتن والتعميم على جميع الدوائر والمؤسسات برفض التعاطف مع هذه الفئة. كما طلبت من مؤسسات التعليم الرسمي القيام بجمع تواقيع الطالبات على عدم تأييد ما حدث وأن قيادة السيارة ليست مطلبًا لهن.أحد البيانات كان معنونًا ب “اعرف عدوك: أسماء الساقطات الداعيات إلى الفساد والرذيلة”؛ وترافق ذلك مع حملة ضارية في الجوامع والمجالس في جميع أنحاء المملكة والتي احتوت على كثير من الإثارة والمغالطات. ومن أشهر الخطباء الذين شنوا هجوما على المشاركات الشيخ عبدالوهاب الطريري والشيخ عادل الكلباني. ووصل الأمر بالمعارضين إلى حد الاتصالات الهاتفية بأولياء أمور المشاركات والتي امتلئت بالتهديدات والشتائم والقذف، ومن أبرز المتصلين الأستاذ بجامعة الملك سعود في ذلك الوقت -المعارض حاليا- محمد المسعري. وكان من أبرز من تحدث عن الحدث الكاتبة جهير المساعد التي امتدحت قرار المنع وبررته بعدم حاجة المرأة للقيادة في مقال لها بجريدة الرياض.

الصور الموثقة للحدث غير موجودة اليوم، إذ أن الداخلية سارعت بمداهمة منزل المصور صالح العزاز الذي اشتهر بعد تصويره للمسيرة وقامت بمصادرة كل ما التقطه من صور كما تم اعتقاله لمدة 6 أشهر، وتشيع بعض المصادر تعرضه للتعذيب خلالها. كما حضر مندوبون من وزارة الداخلية إلى منزل مديحة العجروش، التي كانت تعمل كمصورة، لمصادرة وتدمير أرشيفها بأكمله والذي يشمل 15 عاما من العمل كطريقة لمعاقبتها.

في المقابل برزت مجموعة تتضامن مع المشاركات وتؤيد ما حدث وتطالب الحكومة بإعادة النظر في الإجراءات غير القانونية التي اتخذت كما طالبتها بوضع حد لتمادي المتاجرين بالدين من تشويه لسمعة المشاركات؛ وذيلت مطالباتها باسم شباب وشابات الجزيرة العربية. بعد أيام أصدرت وزارة الداخلية بيانا يمنع قيادة المرأة للسيارة مستندة على فتوى لهيئة كبار العلماء، وجاء في البيان “نظرا إلى أن قيادة المرأة للسيارة تتنافى مع السلوك الإسلامي القويم الذي يتمتع به المواطن السعودي الغيور على محارمه، فإن وزارة الداخلية توضح للعموم تأكيد منع جميع النساء من قيادة السيارة في السعودية منعا باتا”.

ما بعد حراك 1990

كان جليا تراجع الحراك النسوي بشكل عام وانعدام المطالبة بقيادة السيارة بشكل خاص بعد حملة 1990 التي فاجأت السلطة بتوقيتها ونوعية المطالبة، خاصة في تلك الفترة الزمنية المعقدة؛ حيث كانت تتأهب للاستعداد لمواجهة حرب محتملة فقررت أن تواجه الحراك داخل البلاد بالقمع وبالتعاون مع السلطة الدينية. نجحت السلطة في إفشال الهدف وهو تحقيق المطلب لكنها فشلت في إخفاء القضية، إذ أن التصعيد والمواجهة الفجة لفتا نظر الإعلام الغربي الذي تفاعل وتناقل الحدث في حينها. تراجعت النسوة عن التوسع في المطالب وعوضا عن الالتزام بضرورة تحقيق ما كنّ يطالبنّّ به، انتقل  بعضهنّّ إلى المطالبة بمطالب حقوقية وبديهية أخرى كاستخدام الحاسب الذي منع بعد اختلاق فتوى تحرم ذلك على النساء!(3)

في 3 ديسمبر 2010 أجاز رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمنطقة مكة المكرمة أحمد بن قاسم الغامدي قيادة المرأة للسيارة، مما أثار جدلا في أوساط بعض الفقهاء الذين قالوا إن هذا الموقف يربك المجتمع السعودي ويتجاوز خطوط المؤسسة الدينية الرسمية.(4)

بعد ذلك حاولت الناشطات تغيير الطريقة الصدامية مع السلطات للمطالبة؛ فلجأن إلى كتابة العديد من البرقيات للملك للمطالبة بحقهن في القيادة وتبيان مدى الحاجة لها والأضرار المترتبة على الحظر.

أما في أواخر عام 2006، فقد قبضت السلطات السعودية على وجيهة الحويدر وهي تسير على جسر البحرين في بادرة فردية رافعةً لافتة كُتب عليها “أعطوا المرأة حقوقها”. خرجت الحويدر بعد ساعات من اعتقالها بعد أن وقّع شقيقها على تعهد بعدم عودتها إلى فعلها ذاك.

ومن أبرز البرقيات المرسلة للملك والتي لاقت جدل واسع النطاق كانت اللائحة التي أصدرتها مجموعة مكونة من وجيهة الحويدر، ابتهال مبارك، فوزية العيوني وهيفاء أسره ودينا الهاجري في 2007 وحملت 1100 توقيع لرجال ونساء يطالبون بالسماح بقيادة المرأة للسيارة. تلتها عريضة جمعت أكثر من 3 آلاف اسم أُرسلت إلى الملك وولي عهده ووزير الداخلية (5). تلى ذلك إعداد قائمة بأسماء النساء اللواتي يحملن رخص لقيادة السيارة واللواتي رفعن أسماءهن للسماح لهن بالحصول على رخص قيادة سعودية، ولم يحصلنّ على رد من السلطات؛ فقمن بالتوجه إلى مراكز شرطة المرور لطلب استمارات للتقديم على رخصة قيادة. والمفاجأة أنه قيل لهنّ أن النساء غير مسموح لهن بالدخول إلى المركز.

وفي يوم السبت مارس 2008 وفي تحرك رمزي لتأكيد حق المرأة السعودية في قيادة السيارة، قامت الناشطة وجيهة الحويدر بقيادة سيارتها في اليوم العالمي للمرأة بعد أشهر من إرسال البرقية.

وفي العام الذي يليه أطلقت وجيهة الحويدر حملة “الأربطة السوداء” إحياءً للذكرى التاسعة عشر لخروج مجموعة النساء اللاتي قدن سياراتهن في شوارع الرياض في عام 1990 كما ذكرت في بيان لها. (6)

إلهام الربيع العربي

في أواخر عام 2010 وتأثرا بموجة الربيع العربي والمطالبات الشعبية في عدة دول عربية بالإصلاحات والتي تحولت إلى مطالبات بإسقاط النظام، كان ربيع النساء في السعودية حملة أطلقتها منال الشريف تحت عنوان “سأقود سيارتي بنفسي” (7) تطالب مجددا بحق القيادة للمرأة وإلغاء الحظر المفروض عليها. أعلنت مجموعة من النساء السعوديات في 3 مايو عن مبادرة تقود فيها النساء سياراتهن لقضاء حوائجهن وسُميت الحملة “Women 2 Drive”. كانت نجلاء حريري أول مبادرة تستجيب للحملة وتقود سيارتها في شوارع جدة دون أن توقفها سيارات الشرطة، ثم اتبعتها منال الشريف في 19 مايو، وهي ممن شارك في إطلاق الحملة ووثقت تجربتها في فيديو تم رفعه على موقع يوتيوب. تم احتجازها لمدة 6 ساعات  في اليوم التالي قبل أن يطلق سراحها، ثم أُعيد اعتقالها في اليوم الذي يليه واتهمت بالإخلال بالأمن؛ واستمر اعتقالها لعشرة أيام قبل أن يفرج عنها بكفالة وتعهد خطي، كما احتجز شقيقها ليوم واحتجزت سيارته لشهر كامل. كما حصلت مبادرات فردية أخرى من نساء قدنّ سياراتهنّ في عدة مدن دعما للحملة.

وفي 9 يونيو، تم إيقاف 6 فتيات كان من بينهن: ميساء المانع، رشا الدويسي، ربا السويل، بسبب قيادتهن في الرياض وكانت الفتيات يتعلمن القيادة في منطقة خارج المدينة. وفي 17 يونيو 2011 قامت أكثر من 100 امرأة بالقيادة، ولم يتم اعتقال أحد منهن. بعد أيام، أُرسلت دراسة كاملة عن قيادة النساء للسيارة في المملكة العربية السعودية من إعداد: د. هتون الفاسي، و د. بدرية البشر، و د. هالة الدوسري، والباحث الإقتصادي أ. عبدالله العلمي إلى أمراء المناطق كما أُرسلت الدراسة نفسها إلى مجلس الشورى 4 مرات وتم رفض نقاشها.(8) وفي أغسطس، تقدمت تهاني الجهني وناهد سعود في جدة وأمل الشهري ومها القحطاني في الرياض بطلب الحصول على رخصة قيادة، وعند مواجهة الرفض أرسلن برقيات اعتراض لمدير عام المرور تمهيداً لرفع قضايا في ديوان المظالم.

وكما هو متوقع واجهت الحملة سيل عارم من الشتائم والتهديد والوعيد وإطلاق حملات مضادة مثل حملة ” تكسير زجاج من تقود السيارة يوم 17 يونيو” وأخرى تحت مسمى “أبشروا بالعقال يوم 17 يونيو”. والمفارقة التي تدعو للتأمل أنه بعد السماح بالقيادة تم استدعاء مراهق هدد في فيديو بحرق سيارة من تقود وأُجبر على الاعتذار في فيديو آخر.

كما أعلنت عزة الشماسي وبصحبتها المدونة السعودية ايمان النفجان استجابتهما للحملة؛ بالإضافة إلى قيام 42 امرأة سعودية بتلبية نداء وجهته ناشطات لتحدي قرار منع القيادة ودعم الحملة وألقت السلطات السعودية القبض على عدد منهن في جدة ومن أبرزهنّ الناشطة نجلاء الحريري. (10)

قادت العديد من النساء سياراتهن في شتى مناطق المملكة. تم اعتقال غالبهن لساعات واستدعاء أولياء أمورهنّ لتوقيع تعهد بعدم تكرار الفعل، لكن شيماء جستينة كانت الوحيدة التي واجهت حكما بالجلد (11) لكن الملك الراحل عبدالله أصدر أمرا بالعفو عنها قبل التنفيذ في أواخر 2012. وفي 4 فبراير 2012 رفعت سمر بدوي الدعوى الثانية ضد المديرية العامة للمرور في المحكمة الإدارية (ديوان المظالم) في جدة، كما تقدمت مجموعة من السعوديات بطلبات الحصول على رخص قيادة في المنطقة الشرقية والوسطى وجدة. (12)

وذكرت صحيفة الأسوشيتد برس أن السلطات السعودية “تحاول كبح جماح الحملة أكثر من اللازم بعدما تحولت قضيتها إلى دعوة لحشد الشباب الراغب في التغيير” المواكبة لمفاهيم الربيع العربي.(13)

وكرد فعل على الحملة، رفعت أكثر من 1000 مواطنة سعودية خطابًا إلى العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز تُعارِضن فيه قيادة المرأة للسيارة في المملكة (14) وأكّدت الموقِّعات على العريضة أن المطالبات الأخيرة والتحدِّي الصارخ لا يمثِّل سوى قلة قليلة من نساء المملكة، وأن الرافضات لفكرة القيادة بالملايين!

القيادة خيار وليست إجبار

وبعد التوقف عن الاستمرار بالمطالبة ميدانيا اتجهت الناشطات إلى تجديد المطالبة بحق القيادة من خلال الشبكات الاجتماعية إذ انطلقت حملة أخرى تحث مجددا على تحدي المحظور في 26 أكتوبر 2013، حيث دشنت الناشطة إيمان النفجان في سبتمبر من عام 2013 حملة على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” قائلة إن المرأة السعودية ستعبر عن رغبتها بالقيادة في 26 من أكتوبر. (15) وحصلت عريضة تم إطلاقها على 15 ألف إمضاء مؤيد في اليوم الأول قبل أن يتم حجب الموقع. استبقت وزارة الداخلية الحدث وسارعت بمكالمة وتحذير الناشطات البارزات اللاتي أعلنّ عن التجاوب مع الحملة بقرار القيادة في اليوم المحدد، كما أصدرت بيانا تتوعد فيه بمحاسبة من تخترق النظام وتؤكد أن قيادة المرأة محظورة داخل المملكة، مما اضطر الكثيرات إلى الاعتذار عن المشاركة.

ورغم ذلك قادت الناشطة مي الصويان سيارتها في صباح 26 أكتوبر ووثقت ذلك في فيديو تم نشره عبر يوتيوب. كما قادت لجين الهذلول سيارتها في أول مشاركة لحملة إلغاء حظر قيادة المرأة للسيارة في أكتوبر 2013 بعد عودتها من الدراسة في الخارج، حيث قامت بقيادة سيارة والدها منطلقة من صالات مطار الملك خالد إلى منزل أسرتها. وثق والدها مشاركتها بالفيديو، ثم قامت بنشره وتداوله مستخدمي شبكات التواصل الإجتماعي.

تسبب المقطع باستدعاء والدها من قبل الشرطة وأخذ تعهد منه بالتزام قوانين البلاد التي تمنع المرأة من قيادة السيارة.

وفي 30 نوفمبر 2015 فاجأت الهذلول المتابعين عبر تويتر بتصوير نفسها وهي تقود السيارة من الإمارات متجهة إلى السعودية مما أثار جدلًا واسعًا.

تمتلك لجين رخصة قيادة إماراتية، وبحسب القانون فإنه يسمح لها بالتنقل داخل دول الخليج بتلك الرخصة، لكن أمن الحدود السعودية سارعوا لإيقافها. لحقت ميساء العامودي بلجين لمساعدتها والتضامن معها لكن تم إيقافها هي الأخرى. حُولت لجين إلى دار رعاية الفتيات للسجينات تحت سن الثلاثين بينما حُولت ميساء العامودي إلى السجن العام.

أصدرت السلطات الإماراتية منعا للجين الهذلول من دخول الإمارات بسبب ما اعتبرته استغلال لجين لقضية القيادة بالتحريض على حكومة بلدها.

وفي الجلسة الأولى لمحاكمة الناشطتين وجهت لهما عدة تهم تتعلق بقانون الجرائم المعلوماتية، منها التحريض على الدولة السعودية وتشويه سمعتها وسمعة وموظفيها، أما التهمة الثالثة فتتعلق بعدم ارتداء المذكورتين الحجاب.(16)

تم الإفراج عنهما بعد 73 يوم بعد عدة مناشدات حقوقية عالمية، خاصة بعد تداول خبر تحويل محاكمتهما إلى المحكمة الجزائية المتخصصة بقضايا الإرهاب لتصبح المبادرة العفوية للمطالبة بحق انساني جريمة تعد إرهابا ويجب محاسبة فاعليها.

تقول لجين الهذلول حول دعمها لحملة 26 أكتوبر “دعمت الحملة كواجهة إعلامية فارتبط اسمي بموضوع قيادة المرأة للسيارة، لكنها لم تكن بداية نشاطي الحقوقي، بل كانت بداية الضغط عليّ، وكان أمراً متعباً. والعقاب كان أسوأ ومهيناً لي كامرأة، فالحكومة لم تعترف بي ككيان، وحين قررت معاقبتي على موضوع الحملة، تم استدعاء والدي وليس أنا، وطلبوا منه أن يوقّع تعهداً أن لا أقود السيارة أبداً، كأنني غير موجودة. هذا العقاب كان انتقاصاً لي”. (17)

وفي عام 2015، رشحت لجين الهذلول نفسها في الانتخابات البلدية التي شاركت فيها النساء لأول مرة إلا أن اسمها مُنع؛ ولم تتم إضافته لقائمة المرشحين حتى بعد تقديم اعتراض منها. علقت منظمة العفو الدولية على ذلك بأن “السلطات السعودية تستهدف لجين الهذلول بسبب نشاطها السلمي في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان والمطالبة بحقوق المرأة والتي تمنع باستمرار في المملكة”.

أُطلقت عريضة جديدة في 26 أكتوبر عام 2013 لتجديد المطالبة برفع الحظر. وبعدها بأيام صرحت الناشطة عزيزة اليوسف -عبر حسابها في تويتر- أن الأمير محمد بن نايف، وزير الداخلية في ذلك الوقت، أكد قرب صدور تشريعات جديدة بهذا الخصوص في لقاء معها برفقة د. هالة الدوسري دون تحديد موعد معين.

أوقفت السلطات عزيزة اليوسف وإيمان النفجان أواخر 2013 بعد قيامهما بقيادة السيارة في الرياض، وأُفرج عنهما بعد التوقيع على تعهد بعدم تكرار السلوك.

كما أوقف مرور جدة تماضر اليامي وسامية المسلماني في 2 نوفمبر2013  وأفرج عنهما بعد توقيع تعهد. وبالرغم من التهديدات العديدة -التي وصلت لحد التهديد بقتل تماضر- من جانب المعارضين، إلا أن دور المؤيدين كان إيجابيا ومفاجئا حيث أهدوا تماضر سيارة بديلة تعويضا عن سيارتها التي احتجزها المرور بعد عدة أشهر. والغريب أن إدارة المرور لم تُعد لها سيارتها حتى بعد صدور القرار برفع الحظر عن قيادة السيارة. (18)

لحظة تاريخية وليست إنجاز

في أواخر 2005 قدم عضو مجلس الشورى محمد آل زلفة توصية -خلال مناقشة مشروع نظام المرور- بإضافة مادة نظامية تجيز قيادة المرأة للسيارة داخل المدن السعودية أسوة بالرجل (19) بعد تصريح وزير الداخلية السعودي الأمير الراحل نايف بن عبد العزيز أن السماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة “شأن اجتماعي يقرره المجتمع”. وفي ديسمبر 2005 أظهر استطلاع للرأي نُشر في الرياض أن 60% من الرجال السعوديين يؤيدون رفع الحظر الذي تفرضه المملكة على قيادة النساء للسيارات مقابل 40% عارضوا ذلك لاعتبارات اجتماعية وشرعية مختلفة.

وفي نوفمبر من عام 2014 أوصى مجلس الشورى خلال جلسة سرية بتخفيف الحظر المفروض على قيادة النساء للسيارات في المملكة بشروط، منها أن تكون المرأة فوق الثلاثين من العمر وأن تقود خلال ساعات النهار فقط وألا تكون متبرجة أثناء القيادة! (20)

وفي نهاية 2013 تقدمت ثلاث عضوات في مجلس الشورى وهن د. لطيفة الشعلان، ومنى آل مشيط، وهيا المنيع بمقترح يهدف لتمكين المرأة من قيادة السيارة، لكنه راوح مكانه ولاقى نفس مصير الكثير من التوصيات المماثلة له والتي سبقته، إذ بقي دون نقاش مع تجاهل المجلس المتكرر لخوض النقاش أو قبول التوصيات، بينما سارع المجلس ذاته برفع شكره للملك حين إقرار قرار قيادة المرأة؛ مما وضح عدم تفعيل دورهم الاستشاري وأثبت أنه مجلس صوريّ فقط لا يمثل الشعب ولا يقوم بدوره المعلن.

واستمرت المطالبات افتراضيا وطال الجدال في موضوع القيادة. في مارس من 2017 احتجت الناشطة مناهل العتيبي على حظر القيادة على النساء بطريقة مبتكرة وعفوية حيث قامت بتصوير نفسها وهي تمشي في طريقها إلى الجامعة. (21) وسرعان ما تفاعلت معها الناشطات، فأطلقت مريم الحبيل وسم #المقاومة_بالمشي لتوثيق تجربتها وفتح الباب لمن تريد المشاركة والدعم لفكرة الحملة. تلى ذلك بدء وسم آخر تحت مسمى #المقاومه_بالدراجه بعد أيام؛ فيما نظمت نسويات كويتيات حملة متضامنة لحق المرأة السعودية للقيادة تحت وسم #نمشي_لها والذي شارك فيه مختلف الجنسيات العربية دعما للمرأة السعودية.

وتم إقرار السماح بقيادة المرأة للسيارة رسميا الثلاثاء 26 سبتمبر 2017. وتمت ترجمة الخبر بأكثر من لغة ونُشر عبر حساب وزارة الخارجية. كما سبق ذلك إعلان السفير السعودي عبدالله المعلمي عن صدور المرسوم الملكي بإعطاء المرأة الحق في قيادة السيارات. يُظهر ذلك إلى أي درجة تهتم الحكومة بتلميع صورتها عالميا في ملف كان سببا لإحراجها لأعوام طوال.

يحدث أن تبذل النساء الكثير من الجهد وتكمل مجموعات المسير حيث توقف من سبقهن ويواجهن العديد من العقبات والضغوط الحكومية والاجتماعية حتى ضمن محيط العائلة ليأتي أمر يسحب البساط من تحت كل ما عانينه من أجل الحصول على ذلك الحق وينسبها لشخص لطالما علقّ ما تكابد من أجله على مجتمعٍ أنت فرد منه. لطالما روجت السلطة بأن مشكلة تردي أوضاع المرأة اجتماعية، ورسمت صورة تظهر الدولة كجهة متحضرة تصطدم بمجتمع متخلف. وببساطة تجاهل البعض نضال عقود آفلة وسنوات متلاحقة ليتصدر المشهد وسم #الملك_ينتصر_لقيادة_المرأة -كان الملك أميرا لمنطقة الرياض في عام 90 واستند على المنع الحكومي بقراءته فتوى تحرم القيادة أمام أولياء أمور من قدنّ السيارة في 6، نوفمبر والتي تم حذفها بعد ساعة من صدور الأمر الملكي بالسماح من موقع الرئاسة العامة للإفتاء- حيث تحول التعاون بين السلطة الحاكمة والسلطة الدينية لتحليل ما حُرم في الماضي. 

وبحسب رويترز فإن أربع نساء شاركن في احتجاجات ضد منع المرأة من القيادة تلقين اتصالات هاتفية تأمرهن بعدم التعليق على المرسوم المذكور. (22) وقالت امرأتان أن نحو 25 من الناشطات تلقين اتصالات من هذا النوع. وعلقت ايمان النفجان التي شاركت في احتجاجات على حظر القيادة أنها شعرت بارتياح لرفع الحظر لكنها أصيبت بخيبة أمل بسبب إغفال دور الناشطات.

كما نقلت هالة الدوسري تلقي بعض الناشطات اتصالات من هيئة قضائية تطالبهن بعدم الحديث عن قرار السماح للمرأة بقيادة السيارة؛ فيما أكد صحافيون حاولوا التواصل مع ناشطات للتعليق على القرار بأنهم فوجئوا بعدم قدرتهن على التعليق دون إعطاء أسباب. كانت الضغوط التي مارستها السلطة واضحة حيث لم تظهر أي من الناشطات في الصحف المحلية في تكرار لما حدث بعد إطلاق حملة 26،، أكتوبر. وتم الاكتفاء بحشد بعض الأشخاص المعروفين بمعارضتهم للقيادة خاصة من التيار الديني ليبالغوا بالثناء على القرار، وآخرين مقربين من السلطة تبدلت آرائهم بمجرد صدور المرسوم الملكي.

صورت الكاتبة هند السليمان المناضلين الذي طالبوا بقيادة المرأة ثم انتقدوا توقيت القرار واعتبروه قد جاء لمصلحة السياسي لا من أجل تمكين المرأة “بالكارهين”؛ وتساءلت حول المناضلين -في مقال نشرته صحيفة  الحياة بعنوان هل يخيفهم الانتصار؟- “هل يعني الانتصار “القرار” زوال مشروعيتهم بالاحتجاج بـ«الكره»؟ ويتضح في المقال أن المناضل المثالي بالنسبة لها هو من يشيد بقرارات السلطة باعتبارها “قفزة كبيرة” على حد تعبيرها. (23)

وكانت وزارة الإعلام السعودية أصدرت بيانا جاء فيه أن “لا أحد يخضع للرقابة أو يواجه تحذيرا من التعبير عن آرائه”، فيما تناقلت بعض الصحف المحلية عقوبة من ينتقد قرار السماح المقتبسة من قانون الجرائم الإلكترونية في مادته السادسة التي تنص على معاقبة من يعد أو يرسل ما من شأنه المساس بالنظام العام بخمسة أعوام سجن أو غرامة 3 ملايين أو كليهما. ومن جانبه توعد المرور بإتخاذ 3 خطوات تجاه من تقود السيارة قبل اليوم الذي تم تحديده وهو 10/10 بتوقيفها أو احتجاز المركبة أو استدعاء ولي أمرها وذلك لمخالفتها القيادة دون رخصة محلية (24) بينما يجوب شوارعنا أطفال يقودون السيارة بحرية تامة دون أن يطبق القانون بحقهم!

وقال السفير السعودي في واشنطن، الأمير خالد بن سلمان، للإعلام الأميركي: “السماح للمرأة بقيادة السيارة خطوة كبيرة، وهو ليس فقط تغييرًا اجتماعيًا، وإنما جزء من الإصلاح الاقتصادي، ولن تكون المرأة بحاجة إلى إذن وليها”.(25) وإذا ما كان حديثه صحيحا فإن المرأة التي ستستطيع استخراج رخصة قيادة دون إذن وليها لن تتمكن من ممارستها دون موافقته؛ فكيف يمكن أن تُمنح المرأة جزء من حقها مع إبقاء القوانين التي تحمي سلطة الرجل المتجذرة في تفاصيل حياتها؟ وكم المدة الزمنية التي ستحتاجها الناشطات للمطالبة بإسقاط الولاية وما مقدار الثمن المطلوب نتيجة استمراره حتى تستجيب الحكومة؟ أم يجب أن يتكرر سيناريو المطالبة بالقيادة وأن تنتظر النساء عقود طويلة لتستجيب السلطة ثم تتفرد بحصد الإشادة والثناء لمنحها حق كانت سبب حرمانه؟

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

العنف ضد المرأة

فاطمة محمد  تعرف الجمعية العامة للأمم المتحدة “العنف ضد النساء” بأنه “أي اعتداء ضد المرأة مبني …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *