الرئيسية / تُرجمان / من سلسلة إشغال: مقابلة مع سيلڤيا فيديريتشي

من سلسلة إشغال: مقابلة مع سيلڤيا فيديريتشي

 

 

من سلسلة إشغال: مقابلة مع سيلڤيا فيديريتشي

مُترجم عن موقع صحيفة الـ Occupied Times في لندن. نُشر بتاريخ ٢٦ تشرين الأول ٢٠١٤. النص الأصلي هنا. 


سيلڤيا فيديريتشي باحثة ومدرسة وناشطة مقرها نيويورك. أستاذة فخرية ومدرِّسة في جامعة هوفسترا حيث عملت سابقًا أستاذة جامعية لعلم الاجتماع بعد تدريسها لسنوات عدة في نيجيريا. شاركت فيديريتشي في تأسيس لجنة الحرية الأكاديمية في أفريقيا والتجمع النسوي الأممي. ساهمت في تنظيم حملة أجور للعمل المنزلي وشاركت في تجمع ملاحظات منتصف الليل للنشر. تجادل فيديريتشي في أشهر أعمالهاكاليبان والساحرة: النساء، الجسد، والتراكم البدائيأن التراكم البدائي سمة جوهرية للرأسمالية.   

الأوكيوبايد تايمز: جذب عملك الاهتمام إلى نشوء الأسرة النووية بصفتها إنشائًا لرأسمالية القرن التاسع عشر عندما ظهرت كوحدة مثلى للانتاج وإعادة الانتاج خاصة تحت نظام المصنع. هل ترين أنه لا مفر من رجعية الأسرة النووية ولا رجعة من ارتباطها بالعلاقات الرأسمالية؟ وإن صح هذا، كيف نخلص أنفسنا من هذه البنى الاجتماعية المعيارية؟

سيلڤيا فيديريتشي: الأسرة النووية تكوين  اجتماعي مبني على تناقض. يقوم هذا الأخير بإعادة إنتاجنا كعمال في  سياق استغلالنا المستقبلي أو اليومي وهذا أحد الأسباب الذي يجعلها بنية جائرة. هي المكان الذي نتعلم فيه كأطفالٍ قبول انضباط العمل الرأسمالي وهي مكانٌ يرعى مجموعة من العلاقات غير المتكافئة. العمل المنزلي والحياة المنزلية مبنيان على عمل المرأة غير المدفوع وإشراف الذكر على هذا الأخير. وكما أشرت مرارًا من خلال أعمالي: يفوَّض الرجل  من خلال الأجر ورأس المال والدولة السلطة للاشراف على عمل المرأة. ولهذا السبب يبقى العنف الأسري مقبولًا  اجتماعيًا ومنتشرًا حتى يومنا هذا. ولطالما تم التغاضي عن ضرب الزوجة، لعدم إتمامها عملها مثلًا  أو بسبب رفضها التمهيدات الجنسية، بصفته ظرفًا من ظروف العمل المنزلي. وقبل بدء النسويات بمحاربته، لم يكن يُعتبر ضربك لزوجتك جريمةً كما لم يُعتبَر ضرب الأطفال عنفًا بل كان يتم قبوله كجزء من عملية  تشكيلهم الاجتماعي، فالأطفال غير العاملين لا يملكون حق التحكم بأجسادهم أو سلامتهم الجسدية. لقد استغرق الأمر مدة طويلة من الحشد لإقناع السلطات أن الاغتصاب قد يحصل في العائلة.

لقد تم استخدام الأسرة النووية أد اةً للتفكيك الاجتماعي. فعلى مرّ القرن العشرين، أصبحت الأسرة النووية المنتمية إلى الطبقة الوسطى أكثر فأكثر انعزالًا عن بقية المجتمع، وقد سرّعت سياسات الإسكان وتشكل الضواحي هذه العملية.

كيف نخلص أنفسنا من الأسرة؟ أولًا، أسرة الطبقة الوسطى اليوم في أزمة لأن البطالة والطبيعة المتزعزعة للعمل وانهيار الأجور عوامل تدفع الكثير من الشبان والشابات لتأجيل تأسيس أسرة أو حتى التنازل عن هذا الخيار أو يرسلون أبائهم لأماكن مختلفة بحثًا عن دخل. وقد أصبح الحق في تأسيس أسرة، وهو الحق في مستوى معين من إعادة الانتاج يرسم الحدود بين العبودية والأجر المدفوع، تحت تهديد متزايد. ولكننا في نفس الوقت عدنا إلى نوع أكثر اتساعًا للأسر، نوع مبني على علاقات الصداقة لا على صلة الدم، وأعتقد أن هذا الأخير مثال يحتذى به. من الواضح أننا في فترة انتقالية يتخللها الكثير من التجارب، لكن انفتاح الأسرة – الغيرية والمثلية – لمجتمع أكثر اتساعًا، مهدمة بذلك الجدران التي كانت تزيد عزلها وتمنعها من مواجهة مشاكلها بطريقة جماعية، هو السبيل الذي يجب أن نسلكه كي لا تخنقنا الأسرة بل لتساعدنا على تعزيز مقاومتنا للاستغلال. شطر الأسرة هو السبيل لبناء مجتمعات مقاومة.

الأوكيوبايد تايمز: قمتِ بانتقاد حركات تحرر النساء التي ظهرت في السبعينات خصوصًا فيما يتعلق بنزعاتها الطبقية والعرقية في وقت فضحت فيه سلمى جيمس وبيل هوكس محو هذه الحركة لحيوات النساء الملونات والمتحولات والعاملات. في الوقت الذي تتمحور فيه الاختلافات والمعارك التي تتخلل النسوية  اليوم حول انشقاقات مماثلة، هل توجد أي دروس عملية يمكنك مشاركتنا إياها فيما يخص التنظيم حول هذه القضايا؟ ما هي المقاربات التي تعتبرينها الأكثر تأثيرًا  لضمان اعتراف الحركات الثورية بأشكال الاضطهاد المختلفة والمتداخلة التي تؤثر على حيوات مختلف النساء وضمان العمل على أساسها؟

سيلڤيا فيديريتشي: السبيل الأمثل يكمن في إدراك أننا طالما بقينا مقسَّماتٍ على أساس العرق والجندر لن نستطيع تحقيق القدرة على خلق مجتمع أكثر عدلًا. بمعنى أدق، لا يمكننا تحقيق أي تغيير اجتماعي مهم إلا إذا ناضلنا في وجه كلية اضطهاد النساء ولن يتحقق هذا طالما بقينا نناضل لتحقيق سياسات تصب في مصلحة مجموعة محدودة من النساء.  فعلى سبيل المثال، تعريف الحق بالتحكم بأجسادنا على أنه الحق في الإجهاض، متجاهلين بذلك صرخات النساء اللواتي يقبعن تحت تهديد التعقيم أو لا يستطعن الإنجاب بسبب أوضاعهن الاقتصادية، تعريف أضعف الحركة النسوية  لدرجة أصبح فيه اليوم حتى الإجهاض القانوني موضع مسائلة كما أصبح صعب المنال للنساء منخفضات الدخل.

ومن المنطلق نفسه، كونهن لم يقمن بحملة قوية دعمًا للمطالبة بإجازة الأمومة (عندما رُفعت القضية إلى المحكمة العليا الأمريكية عام 1976) وكونهن لم يتصدين للهجوم على النساء اللواتي كن تحت الرعاية الاجتماعية – والأهم من هذا كونهن لم يتحركن ضد تدمير بيل كلينتون لنظام الرعاية الاجتماعية عام 1996- كانت أخطاءً جدية أثرت هي الأخرى على جميع النساء.  

وإن سلّمنا بفرضية أن العمل المنزلي ليس بالعمل الحقيقي وهي الفرضية التي يقوم عليها التحول من نظام الرعاية الاجتماعية إلى برامج الرعاية الحكومية بشرط العمل يترتب على هذه الفرضية استنتاج أن لا حق لأي شخص في أي دعم مؤسساتي لرعاية الأسرة. فالدولة إذًا على حق عندما تدعي أن تربية الأطفال مسؤولية شخصية وأنه إن أردنا مراكز نهارية لرعاية الأطفال مثلًا فعلينا إذًا أن ندفع تكاليفها.

خلاصةً، السبيل الأمثل هو الإصرار على أن أي استراتيجية لا تصب في مصلحة جميع النساء وفي مقدمتهن أولئك اللواتي يتعرضن لأعلى درجات الاستغلال والتمييز، وأي مقاربة لا تقوض الهرميات التي تم تشييدها بيننا، هي مقاربات مفلسة وفي نهاية الأمر تُضعف أي مكاسب نحققها مؤقتًا.    

الأوكيوبايد تايمز: في كاليبان والساحرة، تشيرين إلى مأسسة محاكمات الساحرات وحرقهن وتعذيبهن على أنها تقع – مع عوامل أخرى – في وسط الإخضاع الجماعي للنساء ومصادرة أجسادهن وعملهن. هل توجد في عالمنا اليوم توازيات لأحداث صيد السحرة التاريخية؟ لقد رأينا مثلًا مطاردات للساحرات  جنوب الصحراء الكبرى حيث تحصل حوادث تطويق وتراكم مماثلة؟

سيلڤيا فيديريتشي: يوجد امتداد بين صيد السحرة في الفترة الممتدة بين القرنين السادس عشر والثامن عشر وذلك الذي يحصل اليوم في أجزاء كثيرة من العالم. لكن الفروقات بينهما كبيرة أيضًا.  فصيد السحرة اليوم لا تقوده حكومات أو دول قومية ولا تسنده تشريعات ولا تحميه طبقة مثقفة معاصرة كما كان الحال في ذلك الوقت. الامتداد يكمن في ارتباط صيد الحاضر – كصيد الماضي – بالتطورات التي تميز عملية ‘التراكم البدائي’، في هذه الحالة، تسريع عملية مصادرة وخصخصة الأراضي التي صبت في جهود لتقييد وصول النساء إلى الأرض وفي اعتداءات على النساء  (خصوصًا الأكبر عمرًا منهن) اللواتي يملكن الأرض و/أو يقاومن المصادرة. توجد في كلا من افريقيا والهند آلاف النساء اللواتي قتلن بتهم السحر أو أرامل صارعن للحفاظ على أراضيهن بعد موت أزواجهن الذين ذهبوا ضحايا عمليات الصيد هذه.

وجه آخر من أوجه الامتداد هو استخدام صيد السحرة لإعادة تعريف لا موقع النساء الاقتصادي فحسب بل هويتهن الاجتماعية ولإضعاف سلطتهن الاجتماعية. لقد تم تحجيم دور النساء المقاتلات والمقاومات إلى مساعدات غير مدفوعات الأجر لأزواجهن، أو تم، كما في أفريقيا مثلًا، وضعهن في خانة الساحرات. وليست مصادفة أن صيد السحرة في الهند اليوم (كما كان في الماضي) منتشر بشكل خاص في المناطق القبلية حيث تمتعت النساء تقليديًا بدرجة أعلى من الاستقلال الاقتصادي. لكني أحيل هذه الأسئلة إلى عملي المعنون صيد الساحرات، العولمة، والتضامن النسوي في أفريقيا اليومالذي تم نشره في مجلة دراسات النساء العالمية (اكتوبر 2008).

الأوكيوبايد تايمز. جادلتي أن إخضاع النساء في أوروبا والأمريكتين كان خطوة مفصلية في تطور الرأسمالية. هل كانت هذه ظاهرة أطلسيةبحتة أم أن الاستعمار لعب دورًا مماثلًا في آسيا؟

سيلڤيا فيديريتشي:  لعب الاستعمار بالفعل دورًا مماثلًا مع أنه جاء في وقت متأخر في كثير من المناطق (مقارنة بأمريكا اللاتينية مثلًا) ولم يخلف نفس الأثر على العلاقات الاجتماعية. إضافة إلى هذا، الحكم الاستعماري في الصين مثلًا اقتصر على المناطق الساحلية كما وُجدت اختلافات مناطقية في درجة تحول العلاقات الجندرية بفعل الحكم الاستعماري. لكن الحكم الاستعماري بنزعته العامة وسّع التفاوتات الجندرية حين قام المستعمرون البريطانيون والهولنديون بدعم الأحكام التقليدية البطريركية ودفعوا بعملية خصخصة الأراضي التي سارعت من عزل النساء عن حقوق الوصول إلى الأرض أو حتى استخدامها للرعي.  

في الهند مثلًا، دعم البريطانيون رسميًا القيود الهندوسية على ورث الأرملة لممتلكات زوجها و تواطئوا في المناطق القبلية مع الزعماء المحليين لإضعاف استقلال النساء. في كلا من الهند واندونيسيا، حددت الهيمنة الاستعمارية نهاية المجتمعات الأمومية التي كانت قد ازدهرت في عدة مناطق كشمال كيرالا في الهند وفي مجتمعات المينانغ كابو غرب سومطرة في إندونيسيا حيث امتلكت النساء الأرض ملكًا جماعيًا ورثنه عبر خطوط القرابة الأمومية.

الأوكيوبايد تايمز: تقولين في كاليبان والساحرة أن ماركس لم يقرّ بأن الإنجاب قد يصبح مجالًا للاستغلال وبنفس الوقت مجالًا للمقاومة. لم يتخيل أن النساء قد يرفضن الإنجاب أو أن رفضًا كهذا قد يصبح جزءًا من النضال الطبقي.”هل تؤيدين تطبيقًا جماعيًا لهذا الرفض؟

سيلڤيا فيديريتشي: سيكون أمرًا عظيمًا لو أن النساء حول العالم أقمن أضرابًا جماعيًا عن الإنجاب رافضات جلب أي أطفال إلى هذا العالم حتى يُجعل هذا الأخير مكانًا مناسبًا لهم كما فعلت نساء أثينا حين رفضن، كما يقال، ممارسة الجنس مع الرجال ما استمرت الحرب. لكني لا أقترح قيامنا بهذا. ليست استراتيجية قابلة للتطبيق لأنه من الصعب علي تخيل كيف بالامكان تنظيمها كما أنها ستصب في مصلحة مناصري الحد من الإنجاب. من المهم أيضًا أن نعي وجود اضرابات سرية عن الإنجاب تحصل بين نساء البلدان الافريقية حيث تنتشر الحروب فتحاول هؤلاء الأخيرات تجنب الإنجاب أو الإجهاض كما فعلت النساء زمن العبودية. في الولايات المتحدة أيضًا، نرى معدل الولادات في انخفاض كما الحال في مناطق عدة في أوروبا باستثناء فرنسا. علينا أن نرى خلف هذه الإحصاءات الديمغرافية عملية صراع تؤثر بلا شك على تطور الرأسمالية.

الأوكيوبايد تايمز: تشيرين في جزء مهم من الثورة عند النقطة صفرإلى حقيقة أن الحركات الاجتماعية تجاهلت مرارًا قضية العناية بالمسنين. في الواقع، يقيم بعض المعلقين المائلين نحو اليسار الكثير من حججهم على مفهوم “الظلم بين الأجيال“.  كيف تودين أن تري تضمين قضايا كعزل وتجاهل المسنين خاصة في أمريكا وأجزاء من أوروبا الغربية في الممارسات السياسية للحركات الاجتماعية ومطالبها؟

سيلڤيا فيديريتشي: إن كنا مهتمين بالفقر والانحلال والوحدة فعلينا أن ندرك أن المسنين يعانون من جميع هذه المشاكل بشكل فاضح. فهم يشكلون احدى أكثر المجموعات السكانية غير المرئية والمنسية في مجتمعنا إلا إذا كانوا يتمتعون بوسائل مادية معتبرة. وحتى النسويات – مع بعض الاستثناءات كنانسي قولبر – قمن عمومًا بتجاهل المسنين حتى وقت قريب. فالاهتمام بالمسنين بصفته قضية سياسية هو ظاهرة حديثة.

هناك الكثير من القضايا التي يجب على الحركات الاجتماعية التطرق لها. مثلًا حقيقة أن نساء الولايات المتحدة اللواتي لم يشغلن أعمالًا مأجورة لكنهن قضين حياتهن بأكملها ربات منزل بدوام كامل لا حق لهن حتى بضمان اجتماعي إلا من خلال أزواجهن بعد تسع سنوات من الزواج، وحتى عندها، لا حق لها الا بنصف راتبه. اضافة إلى هذا، خدمات المسنين الاجتماعية تم إهلاكها فأصبح من الصعب أكثر فأكثر على المسنين اليوم الوصول إلى مراكز العناية بالمسنين أو الحصول على مساعدة تمريضية تأتي إلى المنزل لمساعدتهم في أعمالهم المنزلية. ومع هذا لم تحارب أي مجموعة حتى اليوم التدهور المتزايد في حياة المسنين. ومماثلة، لم نر في الولايات المتحدة التظاهرات التقاطعية التي تشكلت في فرنسا عندما اقترحت الدولة رفع سن التقاعد. قد يكون بناء حركة في وجه محاولات التخلص من الضمان الاجتماعي أو تقليصه نقطة انطلاق جيدة خاصةً أنه يتم استغلال الضمان الاجتماعي لخلق انطباعِ أن ثروة الأمة يتم تبديدها على المسنين مما يحد من فرص الأجيال القادمة. هذه المحاولة الصارخة لتقسيم الشباب والمسنين أمر يجب على جميع الحركات الاجتماعية إعارته اهتمامًا كبيرًا.

الأوكيوبايد تايمز: يتم باستمرار التعامل مع الأرض والمكان على أنهما حدود فارغة: يتم استعمارها وإعادة هيكلتها وإقامتها في عملية مستمرة من التراكم. تقدم نظرية ديفيد هارفي حول التراكم عبر انتزاع الملكيةوصفًا مثيرًا للاهتمام لعملية الـgentrification [أي تغيير الطابع السكاني والعلاقات الاقتصادية في حي سكني معين نتيجة إدخال مشاريع استثمارية (عقارية، ثقافية، ترفيهية، تطوير بنى تحتية، إلخ) مما يرفع أسعار العقارات والكلفة المعيشية في هذا الحي  ويدفع إلى ترحيل سكانه الأصليين ليتم استبدالهم بسكان ذوي قدرة اقتصادية أعلى موسِّعًا بذلك مفهوم التراكم البدائي، وهي عملية مستمرة قمتي بتعريفها أيضًا في تباعد عن ماركس. هل توجد  برأيك حدود لهذه الحلقات المتواصلة من التراكم البدائي؟ وإن صح هذا، هل نحن في دنوٍّ منها؟ هل توجد قيود على الإصلاحات المكانية والزمانية والتكنولوجية التي لطالما وجدتها الرأسمالية وسيلة إعادة إنتاج نفسها؟

سيلڤيا فيديريتشي:  لا أرى هذه الحدود، ليس في أفقنا على الأقل. كنا نسمع لسنوات (مثلًا) عمّا يعرف بذروة النفط لكن التصديع والحفر اليوم الذي أوصلنا إلى أعماق لم نتخيلها من قبل أثبت سوء هذه التوقعات. إنه لفشل سياسي أن نركز على الحدود التي قد تصل إليها الرأسمالية في زخمها الاستغلالي. هذا السلوك يعزز وهم أن الرأسمالية يمكن أن تدمر نفسها ويقوض حاجتنا إلى وضع بناء عالم لا استغلالي على أجندتنا. من البديهي أن العالم محدود لكن من زاوية بناء إستراتيجية معادية للرأسمالية لا يجب أن تكون حدود التطور الرأسمالي المادية أولويتنا. علينا أن نكون أكثر انشغالًا بافتتان الناس بالتكنولوجيا الرأسمالية التي تساهم في شحن السياسات الاستنزافية وتدمير بيئتنا. طالما يوجد هذا الكم من الناس المدمنين على التكنولوجيا الرأسمالية حول العالم، ستتمكن الرأسمالية من اجتياز الحدود التي قد تواجهها.

الأوكيوبايد تايمز: قمت بالكتابة حول المشاعات كمساحات تاريخية ومعاصرة للصراع. ولكن ألا يمكن لرأس المال أن يعيش مع وحتى يتعافى من محاولات إشاعة الأراضي؟ ما هو العامل الذي يمنح هذه المحاولات إمكانية تشكل تهديدٍ حقيقي؟  

سيلڤيا فيديريتشي: من الواضح أنه طالما بقي بناء المشاعات نشاطًا معزولًا ومحدودًا، يمكن للرأسمالية أن تتعافى منه وهذا اليوم بالتأكيد اعتبار جاد. لكن إن توقف اعتبار المشاعات جزرًا في بحر العلاقات الرأسمالية بل مجتمعات مقاومة تمنحنا القوة لتجنب الاستغلال، يصبح بنائها تحديًا للنظام الرأسمالي.

الأوكيوبايد تايمز: عملية تنظيم العمل في المملكة المتحدة عبر علاقة الأجر في تراجع مع برامج برامج الرعاية الحكومية بشرط العمل والاستيلاء على المعلومات العامة والخلق غير المأجور لرأس المال الاجتماعي في عصر جديد لأجهزة الإعلام. على هذا التآكل للعمل المدفوع يقوي أو يضعف المطالبات بأجر لقاء العمل المنزلي؟

سيلڤيا فيديريتشي: أعتقد أنه يقويها. زعزعة العمل والتبعات الكارثية للانتقال من الرعاية الاجتماعية إلى برامج الرعاية الحكومية بشرط العمل تظهر فشل الاستراتيجية النسوية التي حددت العمل المدفوع على أنه السبيل لتحرير النساء وإنهاء التقسيم الجنسي للعمل. كما يدفعنا هذا إلى البحث عن مضامير أخرى للنضال. من المهم، في هذا السياق، أن المطالبة بدخل أساسي أعاد إحياء الاهتمام بأجور العمل المنزلي. يسألني الناس اليوم عن رأيي بهذا المطلب وعن الفرق بينه وبين المطالبة بأجر للعمل المنزلي فيما يخص إمكانية التنظيم. إن إلغاء الكثير من المنح فور ارتباطها بالعمل المأجور والتقلص المستمر للأجور يجعلان من النضال ضد عملية تخفيض قيمة حيواتنا التي تقودها الرأسمالية قضية مركزية للسياسة الراديكالية. العمل المنزلي غير المأجور ليس إلا جزءًا منه، لكنه جزء مفصلي.

الأوكيوبايد تايمز: لقد أجبرت تبعات التغير المناخي البشرية على مراجعة عملية تدميرها لنفسها بشكل لم يحدث منذ انتشار الأسلحة النووية في خضم الحرب الباردة. إذا أخذنا بعين الاعتبار احتمالية أننا نعيش على حافة التاريخ، كيف بإمكاننا أن نناضل من أجل العدالة في سياق كارثي كهذا؟

سيلڤيا فيديريتشي: أفق الإندثار أفق نسبي. فبالنسبة للكثير من المجتمعات في أمريكا –  السود الذين يُقتل أولادهم في الشارع على أيدي الشرطة، السكان الأصليون كالناڤاجو الذين يُجبرون على التعايش مع التنقيب عن اليورانيوم، المجتمعات التي ترزح تحت ارتفاع سريع لمعدل البطالة، وتطول اللائحة بالنسبة لهذه المجتمعات، القيامة تحدث الآن. وفي هذا السياق، نناضل من أجل العدالة عندما نرفض أن نفصل الصراع ضد تدمير البيئة عن الصراع ضد السجون والحرب والاستغلال.

لا يمكنك أن تقلق حيال التغير المناخي عندما تكون حياتك في خطر، وهذا هو حال الكثيرين في هذا البلد.

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

ما الذي يحصل عليه الرجال ولا تحصل عليه النساء ؟ هذه بعض الأمور

ترجمة: وفاء صالحة لقد استمعنا لصوت الولايات الامريكية، وهذا هو وضع نساءها. في العام 1977 …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *