الرئيسية / مقالات الرأي / قراءات نسوية في الأدب العربي

قراءات نسوية في الأدب العربي

*مصطفى شلش ومنار الزهراني

المرأة جزء لا يتجزأ من كينونة الأدب العربي، ونادرا ما وجدنا رواية عربية خالية من أي شخوص نسائية أو مخيلة تخلو من الشغف بالنساء، لكن كيف يتم تقديم صورة المرأة في ظل علاقة الرجل والمرأة الحالية تحت السلطة الأبوية؟

يمثل الأدب أرض خصبة لمحاولة استجلاء التهميش الذي تتعرض له المرأة والذي يتشكل في وعي المجتمع. وكما قال طرابيشي في نهاية كتابه “شرق وغرب”: لرجولة وأنوثة الأدب دور خطير في تشكيل الوعي… والدور الخطير للوعي هو تشكيل التاريخ.

لخصت “فرجينيا وولف” الحالة الهامشية المراد توضيحها في المقطع التالي: “لم أستطع منع نفسي وأنا أشاهد أعمال شكسبير على الرف من التفكير أنه من المستحيل تماما لأي امرأة أن تكتب مسرحيات مشابهة وهي في مثل عمره وفي هذه الظروف.” لنتخيل أن شكسبير امتلك أختا موهوبة ولنسمها جودث.. لقد ذهب شكسبير إلى المدرسة حيث قرأ للعديد من الكتاب وتعلم، ثم سافر وتزوج من امرأة في الجوار سرعان ما أنجبت له ابنا. ذهب بعدها إلى لندن وبدأ العمل في العناية بالخيول إلا أنه سرعان ما حصل على عمل داخل المسرح حيث أصبح ممثلا ناجحا وعاش في مركز العالم والتقى بالكثيرين حتى أنه استطاع دخول قصر الملكة بينما ظلت أخته الموهوبة جدا -كما افترضنا- حبيسة المنزل. وبرغم توقها للتعلم والمغامرة إلا أنها لم تُرسل للمدرسة ولم تعش حياة شكسبير الغنية بالتجارب فكيف نتوقع أن تصبح كاتبة رائعة مثله؟

لم تتجاوز المرأة العربية هذا الهاجس الفرجيني حتى الآن.

نماذج أدبية:

يأكد الدكتور حسين علوان حسين في مقالته المعنونة “حركة حقوق المرأة ومدرسة النقد الأدبي” على الحاجة الماسة لإعادة تقييم الأعمال الأدبية الكبيرة عبر إنصاف وجهة النظر الأنثوية وأخذ اعتراضاتها وقيمها ومصالحها بعين الاعتبار، وأحد أهم الوسائل لتحقيق هذا الهدف هو التوجه نحو جمهور القراءة من النساء لتصبح كلا منهن قارئة مقاومة تميط اللثام عن أغراض المؤلف الذكوري وألاعيبه المنحازة. وهذا بحسب تعريف الفيلسوف الإنكليزي سايمون بلاك بيرن يعتبر منهج يلزم أصحابه بتصحيح انحرافات التحيز التي تجعل المرأة في مكان التابع وتستصغر شأنها.

تمحورت بعض الإنتاجات الأدبية حول بطل ذكوري واضعة أمامه دور ثانوي باهت تابع وهامشي للأنثى مثل إسقاط توفيق الحكيم على الغرب المعنى الأنثوي من أجل تحقيره في رواية “عصفور من الشرق”. وفي حالات أخرى تم تقديم المرأة في ثنائية المقدس والمدنس مثل تصوير المرأة بأنها حليفة الشيطان وأن الرجل منّزه كما في رواية “الشيطان لعبته المرأة والمرأة لعبتها الرجل” لأحمد الصاوي، أو كتاب العقاد “هذه الشجرة” الذي يهاجم فيه المرأة ويشير لقصة آدم وحواء والشجرة المحرمة ويلقي على المرأة سهام نقد مشوش؛ فعلى سبيل المثال يرى العقاد أن المرأة لا يمكن أن تبدع في صناعة من الصناعات أو في فن من الفنون وإن طال عملها فيه، وبالرغم من أنه قد كتب رواية “سارة” إلا أنه يبدو أنه كتبها للانتقام العاطفي. كما كرس أنيس منصور قلمه لتثبيت فكر مغلوط من أجل الحصول على سجع أدبي فألصق كل خطايا البشرية بالمرأة.

قد تشكل بعض الأمثلة مرجعيات للمرأة لتكوين منهج لكتابة نسوية بقلم نسائي مستندة إلى هذه الكتابة الذكورية بصفتها الكتابة الدارجة والشائعة، لكنها ستتجه في مراحل لاحقة إلى تكوين شخصياتها الخاصة بها بعد هذه المرحلة القلقة من التحرر من الكتابة الذكورية، مثل كتابات غازي القصيبي في رواية “سلمى” وتقديمها كتاريخ، وصورة المرأة في عالم البداوة في خماسية مدن الملح لعبدالرحمن منيف عندما أشرك المرأة في المقاومة وفي العمل السياسي جنبًا إلى جنب مع الرجل مثل مشاركة “وضحة” الرجال في مقاومتهم للأجنبي الذي يسعى إلى تغيير حران ومشاركة “خزنة الحسن” زوجها في عمله السياسي.

ولم يغب عن منيف أن يكتب حقيقة وضع المرأة وقتها وهو تقييدها الاجتماعي وحصرها في قالب الأمومة والتضحية ووضعها تحت سلطة الرجل دائمًا مهما كانت مكانتها. بالإضافة إلى عمل الروائي معتصم صبيح “قطب حنّه” الذي ذكر فيه معاناة المرأة الأردنية من خلال الحِنّه أداة التزيّن للمرأة العربية. أما حسن علوان فقد وصف معاناة المرأة السعودية في القندس من حيث التخّبط والخضوع الجبري لسلطة المجتمع من خلال عمته وأخته نوره. ولا ننسى ما كتبه خالد حسيني في “ألف شمس ساطعة” عن ليلى و مريم والمرأة في ظل حكم طالبان وحرمانها من التعليم والعمل والخروج بمفردها لأداء أبسط المهام اليومية. والقائمة تطول بكتاب عرب أوصلوا معاناة المرأة داخل المجتمع الأبوي من خلال الرواية.

وفيما يتعلق بأسلوب السرد للنص الروائي فيما يتعلق بالمرأة وقضاياها هناك طريقين: مباشر ومرمز. المباشر يظهر في أدب غسان كنفاني كما في روايته “أم سعد”، المرأة التي ساعدت المقاومة بشكل مباشر وقدمت نفسها بشكل فاعل في محيط مجتمعها. والمرمز قدمه نجيب محفوظ عبر “ميرامار” التي ترمز إلى مصر (والتي ستقوم منار بقراءتها فيما يلي).

تفرض الحقبة الزمنية أن يتم تقديم صورة المرأة الحالية، وما تواجهه من تحديات اجتماعية وسياسية واقتصادية وعدم الالتفات لقضايا فرعية.. لذا وجب التنويه على الكاتبات العرب ألا يسقطن في فخ التقديم الجسدي للمرأة، مهملين الجانب العقلي الفكري، أثناء معالجة العلاقات العاطفية بين الجنسين، فالاهتمام بالحرية الجنسية فقط في حدود العلاقة الثنائية بين الرجل والمرأة في الرواية وكأنها الجانب الوحيد والهدف الأهم في قضية تحرير المرأة، أدى بقضية تحرر المرأة العربية لأن تتصادم مع منظومة فوقية من القيم كان يمكن تفاديها إذا أدرك الجميع أن الجنس في الرواية العربية بالرغم من أهميته ليس كافيا كي تكون المرأة حرة.

قراءة نسوية لرواية “ميرامار”:

برغم كل هذا الحضور لنماذج أدبية صوّرت المرأة كما هي بلا تقديس ولا تدنيس إلا أنه لا يمكننا غض النظر عما فعله بعض الكتّاب العرب من تهميش شخصية المرأة في الرواية أو إلغاء حضورها أو قصره على الترميز في حين أن الرمز غير حر حتى يصبح رمز.

كتب جورج طرابيشي دراسة عن رمزية المرأة في الرواية العربية واختزالها بقالب واحد فاقد استقلاليته حللّ فيها عدة روايات ومجموعات قصصية منها رواية نجيب محفوظ “ميرامار”. بطلة الرواية هي زهرة الفتاة الفلاّحة التي هربت من أسرتها لأنهم أرادوا تزويجها من رجل عجوز. تنتقل زهرة للعمل في بينسون كخادمة، وتصادف هناك العديد من الرجال من أجيال وأطياف سياسية مختلفة. كتب جورج طرابيشي عن زهرة: “كانت مرآة يرى فيها الآخرون أنفسهم أو تعكس لنا صورهم. لكن أهذا كل دور زهرة؟ الفعل للآخرين والانعكاس لها؟ نجيب محفوظ لم يعادي المرأة ولم يحطّ من ترميزها مع أن الترميز هو بحد ذاته عملية تقلّص المرموز إلى محض بعده كموضوع بينما يحتكر الرامز أو مؤوّل الرمز كل الذاتية لحسابه، ومع أن الترميز يفترض أصلًا بالموضوع المرموز أن يكون قابلًا للتشكيل، أي مادة مطاوعة يحددّ الآخر مصائرها فإن زهرة التي تملك إلى جانب بعدها الرمزي، بعدًا واقعيًا وعينيًا غير قابل للاختزال والتي تحرص بشراسة على أن تكون صاحبة قرارها وصانعة مصيرها تبدو وكأنها مركز عملية مضادة للترميز ومفككّة له.

اعتزّت زهرة بذاتها ووقفت بوجه الجميع لتصرخ بوجودها. “أول مظاهر الذاتية لدى زهرة رفضها الضاري لأن تكون موضوعًا جنسيًا ومجرد جسد، فحينما دعاها طلبة مرزوق إلى حجرته لتدلّكه، نهرته وشهّرت به، ولم يُخفها منه أنه مالك أطيان سابق فيما هي خادمة في بنسيون. وحينما حاول حسني علام أن يدخلها إلى حجرته بالقوة فوجئ بها تضربه في صدره. وهي تضرب النساء كما تضرب الرجال فحينما أهانتها غانية ملهى الجنفواز وعشيقة سرحان البحيري السابقة بقولها لها يا خدّامة كانت يد زهرة قد صكّت فاها قبل أن تكمل عبارتها. وانهالت عليها لكمات الفتاة القوية حتى انهارت أو كادت.” لم تكن زهرة في ميرامار مجرّد رمز لأنها لم تكن مجرّد جسد. لقد تعددت الشخصيات النسائية في الرواية العربية التي كتبت بواسطة الرجل بين المتمردة والمحافظة والتقليدية.

ينتقل طرابيشي لرواية ” تلك الأيام” لفتحي غانم وبطلتها هي زينب. وزينب مجرّد رمز لا لأنها مجرّد جسد فحسب، بل لأن جسدها بالذات هو ما يرمز إلى روحها. زوج زينب في الرواية -المؤرخ سالم عبيد- يصف وجهها بأنه” وجه بيضاوي وأنف روماني وعينان خزريتان شركسيتان وشعر أسود.. وشفتان مليئتان خليط من السمن البلدي والدندرمة.. وقمم جبال تختفي وراء السحب.. وقناة فيها عشب وطيب.. فراعة وأتراك وعرب”.  ننتقل إلى لقاء أجرته مندوبة مجلة مع سالم عبيد وزينب بمناسبة زواجهما تحت عنوان: زواج أحدث ضجة في الجامعة – مؤرخ كبير يتزوج تلميذته حيث يقول الأستاذ سالم عبيد: تزوجتها لأني رأيت تاريخ مصر في وجهها. نشرت المجلة صورة زينب وتحتها تعليق: طالبة الجامعة التي قال المؤرخ سالم عبيد إن وجهها خلطة تاريخية.

سالم عبيد -أو فتحي غانم- يجرد زينب من الواقعية والاستقلالية التي تبدّت لنا في زهرة ويقيّد حركتها بل يشلّها ويلغي كل فاعلية لها وكل إيجابية، ولا يترك لها من علائم الحرية سوى جسدها تتصرّف به وكأنها إمرأة طريق كما يقول جورج طرابيشي. وكما قال فتحي غانم عندما تحدّث عن زينب وبلسانها: “كانت زينب قد خرجت من البيت كالمنوّمة وبها رغبة جامحة للعثور على مغامرة جديدة، عاشق جديد، أي رجل، أي شاب في الطريق. أول ابتسامة وأول إشارة سوف أتبعها. هذا هو مهربي الوحيد. أملي الوحيد. سأكثر من خروجي وأكثر من عشاقي. سأتحوّل إلى امرأة طريق. أنا امرأة طريق. هذه الدنيا غير مفهومة ولا تستحق أن أحاول فهمها. جسدي هو الذي يتكلم ويحيا. جسدي هو الذي ينجيني من دوامات الأفكار.” قرر فتحي غانم لزينب أن لحظات تحررّها وانعتاقها من الضغوط الخارجية هي اللحظات التي تتفرّغ فيها لشؤون جسدها وزينته، أي أن المؤلف حوّل رمز من رموز استعباد المرأة إلى رمز تحررها! إذا أراد المؤلف أن يجعل زينب تتمرّد فهي تدخل الحمام، تغسل شعرها، وتطلي أصابعها.. وتغلق حجرة النوم بالمفتاح وتتحدث مع سعيد -عشيقها- بالتليفون وفي الغد تذهب للحلاق، وعندما تتزّين فقط تشعر بشعور الأميرات. جعل المؤلف مفهوم زينب للحرية أسيرا للمظهر والشكل، أي جعل جسدها هو رمز تحررها.

يقارن جورج طرابيشي بين زينب في تلك الأيام وزهرة ميرامار فيكتب: “شكل شخصية زينب يتناقض تناقضًا صارخًا مع مضمونها: فهو الخواء الذي يفترض به أن يعبّر عن الامتلاء، وذلك هو الفارق بين زهرة وزينب. الأولى مشدودة بكل قوة روابط اللحم والدم إلى الواقع والأرض والتعيّن الطبقي، تبدو الثانية وكأنها منسوجة من كلمات ليس إلا. كلمات فيها زخم ودفق وحيوية، ولكنها مجرد كلمات. زينب كشخصية روائية تبدو وكأنها معلّقة في الفراغ: إنها رمز قابل للتأويل والترجمة، رمز جُبل دفعة واحدة ونهائية، وحركته متحدّدة كما لو بنابض ميكانيكي ومحروم في آن معًا من لزوجة التعيّن (العائلي، الطبقي، إلخ ) ومن طاقة الحرية. و ما دامت الرمزية هي القاسم المشترك بين زهرة وزينب فلنقل أن زهرة شخصية روائية قبل أن تكون رمزًا، على حين أن زينب رمز قبل أن تكون شخصية روائية.” كان يتوقع من زينب أن تمثل الحرية، لكن ليست هي الحرية وإنما مجرد مرآة لا لترى ذاتها وإنما ما صنعه ويصنعه بها الآخرون. والمرآة بحدّ ذاتها لا يمكن إلا أن تكون رمزًا للعبودية؛ فهي لا خيار لها إلا أن تعكس الصورة التي توضع أمامها بحرفيتها.

يأتي الرد من البعض بأن الرواية عندما تصور المرأة بالضعف أو التبعية فما هي إلا اتكاء على الواقع لكن الجواب بسيط جدًا وبديهي، ألا يفترض من الرواية أن تعالج البنية الثقافية التي أدت للتسلط الذكوري؟ أم عليها أن تُرسخ هذه الأفكار السلبية عن المرأة وتختزلها بقالب واحد؟

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

نسوية يعني فيها اقتناص الفرص الاستناد على الآخرين*

*ترجمة فيصل أحمد جاري جتينق: كتبت مؤخرا: “بصفتي نسوية، فأنا أفترض دائما بأنه ومن خلال …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *