الرئيسية / مقالات الرأي / ‎”أين أنتم من الأرامل والمطلقات” ‎في دلالات العبارة

‎”أين أنتم من الأرامل والمطلقات” ‎في دلالات العبارة

*د.هند السليمان

في كل مره تُطرح قضية مجتمعية، وخاصة حين يكون محورها المرأة تحديداً، سواء قُدمت القضية كنقاش أو كمطالبات لمنح النساء “فضاءً حياتياً أوسع” عبر إستصدار قوانين أكثر أنصافاً للمرأة، نجد دائماً العبارة المجابهة لتلك المطالبات: “أين أنتم من المطلقات والأرامل؟”. سؤال بشكله الظاهر البريء يطرح قضية الأولويات. هو سؤال لا يرفض المطالَب بشكل مباشر، كما لا ينفي مشروعيتها، ولكن يرى أن وقت نقاشها أو أوان تطبيقها يجب أن تسبقه قضايا أكثر أهمية. فهل المحرك لطرح تلك العبارة محرك كرنولوجي، يرى في مسيرة التاريخ خط زمني تحدده وقائع وأولويات منظمة؟

المجابهة بتلك العبارة الكليشية أصبحت “أحد استراتيجيات رفض تغير واقع المرأة، عبر تتفيه القضايا التي تطرح من قبل معارضي هذه القضايا” كما عبر أحدهم كتفسير لتداول العبارة. بالطبع هذا التحليل يمنح تفسيرأ معقولاً. في المقابل، حجم ومرات تكرار تلك العبارة تدفعنا للبحث عن المعاني المبطنة لهذه العبارة والتي تستلزم أكثر من تفسير.

ففي هذا التكرار المستمر لسنوات مؤشراً على أن للعبارة دلالات متعددة، ومن هنا فإن أول مانبدأ به في تحليل معنى العبارة، هو تحليل نبرة العبارة. العبارة على الأغلب، تُقال بنبرتين متمايزتين: نبرة صوت مستهتره، ونبرة صوت متحديّة.

النبرة المستهترة تنطلق من النظرة المتدنية للمرأة، والمتمثلة بإعتبار قضاياها أقل أهمية من قضايا الرجل. لذا، كل ماتطالب به المرأة سيتم إعتباره ثانوياً. أما كيف يتم الإستهتار ببعض المطالب الأنثوية على إعتبارها ثانوية وبذات الوقت تقديم بديل، وهذا البديل هو عبارة عن مطلب أنثوي فهو أمر سيتم مناقشته في معرض تفسير المغزى الخفي للعبارة.

النبرة المتحديّة، في المقابل، فتوجه تحديداً إلى الناشطات في الحراك النسوي، من منطلق أنه إن كنت تُقدمن أنفسكن كنصيرات ومدافعات عن المرأة، فلتساعدن المطلقات والأرامل. المفارقة أن التحدي هذا تحول إلى شِرك وقعت فيه بعض النسويات، ليصبح بعضهن، مجمل حراكهن النسوي يتوجه إلى فئة المطلقات والأرامل، وكأنهن إن فعلن ذلك سيُكسبن حراكهن مشروعية لا يُستحصل عليها إلا بهذا!

هذا عن النبرة المستخدمة في الخطاب. الخطاب الذي يُستفتح بـ “أنتم”، مما تجعل المراقب للشأن العام يحاول تلمس من المقصودين ب”أنتم” هنا؟. لهذه، لعله يستلزم الغوص في الدلالات المستبطنة في تلك العبارة. العبارة نجدها، وعلى الأغلب تصاغ بهذه الطريقة، أي استفهام يوجه إلى طرف ما، طرف لا يتم تحديده، هو آخر هلامي لا يُسعى إلى تبيّان ملامحه أو هويته أو أهدافه. فمثلاً، ولإستيضاح الفكرة، لا نجد العبارة تصاغ على النحو التالي: “وضع المطلقات سيء، لذا نحتاج أن نضعه أولوية مجتمعيه” أو “أن الطلاق هي القضية الأولى في مجتمع اسلامي دعامته الأسرة”. هذه الصياغة “العائمة” مادلالتها؟ وما دلالات التصور المفترض الموجه له هذا السؤال/الإتهام؟

العبارة بهذا المعنى ليست موجه إلى المطلقات تحديداً لإعلامهن أن هناك من يعمل لمصالحن، وكذلك هي غير موجهة إلى المسؤول لحثه على النظر في الوضع القائم للمطلقات. هي عبارة موجهة تحديداً إلى الناشطات والناشطين في العمل النسوي، والمحرك لذلك يمكن تحديده إنطلاقاُ من فكرتين، هما: طبيعة النظرة للمرأة وموقعها في المجتمع، والفكرة الأخرى تتمثل بالموقف من جسد المرأة.

حين تُعلن الناشطات والنسويات عن مطالب حقوقية أو عن تصورات لمنظور جديد لدور المرأة وعلاقتها بالآخر، فهنا تقدم المرأة نفسها كفرد “عضوي” في المجتمع، يطرح رؤية وتصورات قد تسهم في تغيير وإعادة تشكيل المجتمع، والمجتمع ماهو إلا رجاله ونساءه. فبهذا، ماسيحدث بهذا المعنى هو أن تقديم نساء لتصورات جديدة في المجتمع فإنهن قد يسهمن في تغيير المجتمع، وهذا التغيير سيتم بالتأكيد عبر تغيير دور الرجل في المجتمع، وكذلك إعادة تشكيل تصور العلاقة معه، فهل يُقبل أن يُعدل “الأدنى” “الأعلى”؟

المرأة تحتل منزله أقل من الرجل، وفِي المجتمع البطريركي، للرجل زمام القيادة وتشكيل القانون والأعراف، وبهذا تشكل هذه المطالبات تهديداً للرجل، لا بسبب وجود مطالب نسائية، بل لطبيعة هذه المطالب. فهي مطالب تقدم المرأة على قدم المساواة مع الرجل، وهنا الاشكالية. الاشكالية التي يتم التعاطي معها بطرح ذلك السؤال، طارح السؤال يعلن عبر سؤاله أنه ليس ضد المرأة، بل على العكس هو يسعى لمساعدة المرأة ويرى في وضعها مظلومية ما تحتاج المساعدة. وهنا بؤرة الخلاف! هو يرغب بمساعدة المرأة دون أن يخل هذا بمنزلتيهما، المرأة والرجل. أي أن يساعد المرأة مع بقائها في المنزلة الأدنى، في مقابل حفاظه هو على مكانته، هذا إن لم تمنحه مساعدته للمرأة مكانه وقوة أكبر.

ومن هنا إستحضار المطلقات والأرامل كفئة أولى بالمساعدة، لا يعود لأن الطلاق بذاته مشكله فقط، بل لأن تلك النسوة هن النساء الضعيفات، وهذا هو النموذج الذي يجب أن نحافظ على بقاءه ونساعده بذات الوقت، دون أن يخل بتراتبيه جندرية في المجتمع. وكأن في السؤال إقرار من قبل متداوليه بأننا “سنساعد تلك الضعيفة المكسورة، وليست تلك القوية التي تريد أن تكون معنا على قدم المساواة”.

الناشطات والنسويات وفق هذا التصور، وكما يمكن تلمسه مما يطرحه الخطاب الشعبي عنهن، فهن نساء قويات، سليطات اللسان، مسترجلات، يجب رفضهن ورفض ما يطرحن. بهذا، فالسؤال ليس نفياً لواقع المرأة السيء، ولكن إعلان لإنحياز لنموذج مرغوب للمرأة: المرأة الضعيفة. أي تعزيز لصورة المرأة “الضحية” الضحية التي أستطيع كرجل مد يدي لتنهض من سقوطها ولكن حتى في نهوضها “لن تطاول قامَتَها قامتي”!

الغريب أن بعض النسويات إندفعن في تعزيز صورة “مظلومية المرأة” و نموذج “المرأة الضحية” التي تنتظر أن يخلصها الرجل، وبهذا فقد تبنيّن خطاب صاحب السؤال. هذا يدفعنا للتسائل عن تمكين للمرأة ينطلق من قضية الإستضعاف، هل سيختلف عن تمكين ينطلق من مفهوم المواطنة، وكيف يكون شكل هذا الاختلاف؟ إن طارح السؤال في العبارة الشهيرة، يستبطن المعنى بأنه “سأكلم الضعيفة وسأنظر في أمرها، أما أنت القوية فأرفض وجودك”، فأي تمكين سيتحقق؟

المعنى الآخر المستبطن في العبارة يتمثل في الخوف من جسد المرأة. جسد المطلقة والأرملة لا يحميه سياج. سياج يتمثل بوجود رجل يمنع المتطفلين، ويروض رغبة هذا الجسد اللاعاقل. ولعل أغلبنا على إطلاع بمايحمله تراثنا الثقافي والمقولات الشعبية المتمثلة بخطورة انفلات جسد الأنثى ممن خاض تجربته دون وجود من يراقب ويحمي الجسد بعد تلك التجربة. السؤال في العبارة، هو محاوله لتحصين المجتمع والمرأة تحديداً من إمكانية خوض تجارب لبيت تم فتح بابه وأصبح مشرعاً للآخرين لولوجه. ولوج لا يقبل به مجتمع يرى أنه هو من يحدد الزائر والداخل. هي نظرة لا ترى في المرأة وجسدها إلا مجالاً للخطيئة، جسد يحتاج أن يُقوم عبر رجل يضبط هذا الجسد.

المفارقة هنا، أن الموقف من جسد المرأة ومن التشكك الإتهامي لسلوكيات المطلقة والأرملة مرفوض لدى قطاع كبير، ليس من قبل النسويات والناشطات فقط بل ومن قبل قطاع كبير من النساء، وبذات الوقت نجد الكثيرات يقعن في فخ هذا التصور. لنضرب مثالاً هنا، كثير ماتلجأ النساء المطلقات أو الارامل لإخفاء طبيعة وضعهن الاجتماعي حماية لأنفسهن من تطفل الاخرين. هذا الأمر إنتقل إلى السوشيال ميديا. فمثلاً، شخصياً تواصلت مع عدد من النساء اللواتي يقدمن أنفسهن كمتزوجات أو كفتيات لم يسبق لهن الزواج، لأكتشف عبر تصريحهن لي على الخاص بحقيقة إنهن مطلقات، كن يعلن عن دهشتهن من الشجاعة وأحياناً اللوم لتصريحي المباشر بأني امرأة مطلقة. هن يقرن بأنهن لا يملكن الشجاعة للتصريح بأنهن مطلقات رغم أن وجودهن بالسوشيال ميديا يتم عبر اسم مستعار وبلا صورة تكشف هويتهن، ولكنه هو الخوف من إستسهال الرجال لهن كمطلقات وبالتالي تعرضهن للتحرش السيبيري. فهل خوفهن مبرر؟ هل كن يحتجن لرجل ليمنع وقوع ذلك؟ هن النسويات المطالبات بتمكين المرأة في فضاء سيبيري ومع هذا إحتمين برجل متخيل ليمنحهن حرية في فضاء لا تُعرف فيه هويتهن، فكيف يحمين أنفسهن في الفضاء الواقعي، وقد تبنيّن الخطاب المدنس لجسدهن؟ من جهة أخرى، ولنكون منصفين، هذا السلوك المتمثل في الإختباء وراء وجود لرجل مفترض يكشف عن مدى الاستضعاف المجتمعي للمرأة بدون وجود رجل في حياتها. وجودها كامرأة بهذا المعنى لا يملك شرعيته إلا من خلال رجل يحدد هويتها وحقيقة وجودها.

وأخيراً، المعاني التي حاولنا إستبطانها في العبارة الشهيرة، قد لا تكون وحدها المعاني المخفية لتلك العبارة، إلا أن مايمكن الاتفاق عليه هو أن تلك العبارة ماهي إلا تحقير للمرأة، حتى إنني في كل مرة أسمع العبارة أجدني أكملها على النحو التالي “…. المطلقات والأرامل و المغضوب عليهن”. وكأن المطلقات أو الارامل هي سرطان يجب استئصاله في المجتمع قبل أن تتطور آفته. فهل الطلاق مشكلة؟ وهل المطلقات بالضرورة ضحايا تعيسات؟  

 

 

عن thearabnoon

شاهد أيضاً

قراءات نسوية في الأدب العربي

*مصطفى شلش ومنار الزهراني المرأة جزء لا يتجزأ من كينونة الأدب العربي، ونادرا ما وجدنا …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *